حين فتحت عيني من
جديد كانت السيارة قد أبطأت من سرعتها وظهرت على جانب الطريق الأيسر بناية
المطعم الصغير والمحلات المجاورة له ، أشرت له بوجوب التوقف كي أتناول كوبا من
الشاي ،
توجهت فورا ، نحو( السماور الكبير ) في
مدخل المطعم ، كانت لدي عملات إيرانية من فئات مختلفة ولم أكن أجيد الفارسية
عرضت النقود على البائع لكن صوت السائق فاجئني من الخلف..
:- لقد دفعت
الحساب ..
جعلني تصرفه
هذا أعتقد إن الرجل يحاول استثمار الفرصة كي لا يتحدد شكل علاقتنا القائمة على
معادلة الراكب والسائق ثم أضاف ..
:- هل يمكننا
مواصلة الحديث ..
:-
لن أتحدث عن الماضي
...
كانت بيننا مسافة
صغيرة احتلتها طاولة
من الرخام الأبيض البارد
شوهتها بقع الشاي الداكنة ، ربما
هنا وعلى هذا الطاولة جلس ألاف المسافرين المتعبين من طول الطريق تحدثوا عن
كرامات الأولياء والموت والحب وأنفلونزا الخنازير، لكن قلة منهم تحدثت عن ماضي
الحروب أو تغنت به ..
:-
أخشى أن تتحول حريتكم إلى هامش ضيق ..
عَلقت جملته في
المساحة الضيقة القائمة بيننا ، كنت أراقبه حين بدأت ملعقة الشاي تصنع في كوبه
دوامات صغيرة لا نهاية لها كانت تزداد حدة كلما زاد استغراقه لتزيح السائل
الأحمر خارج الكوب فيسيل على المنضدة متجهاً صوب نهايتها بهيئة خطوط حمراء
قاتمة ، وكان الصمت وبرودة الطاولة التي تسربت إلى يدي تدفعني للخروج من هذه
اللحظات العالقة
في بوابة الريبة والشك ، الريبة من وجودي
في بلد غريب قاتلناه ثمان سنوات ثم أجد نفسي بمواجهة هذا السائق الغامض ، كانت
مخاوفي القديمة ترفد عقلي بتلك التساؤلات المدججة بالتوجس والخوف ، أيمكن لهذا
السائق الخمسيني
أن يكون رجل أمن إيراني
يحاول استدراجي ؟ ومن يسأل عني
إذا غُيبتُ
في هذا البلد الواسع ؟ أم ان
الرجل
أوجعته سنوات الحرب وظل خاضعا
لابتزاز ذلك الماضي ولم يعد قادرا على التحرر ...
-: تجربتنا
طويلة ومؤلمة
...
أضاف وهو يهم بارتشاف ما تبقى من قدحه .
تعلقت بضع
قطرات بشاربه الكثيف والغير مشذب ، وغمرت الشمس وجهه فبانت بوضوح تلك الخطوط
الصغيرة التي حفلت بها جبهته العريضة ، كنت أتفرس بملامحه محاولا تقصي امتداد
هذا التذمر وتحديد مصدر ألمه
..
-: هل خاب
ظنك منذ زمن طويل ؟
بدا إن حجر السؤال
قد قوض تلك الطمأنينة المرتسمة على ملامحه وحولها إلى دهشة لافتة ، كان يتطلع
إلي باستغراب ،
وربما كانت الإجابة معلقة بمتن زمن معين
ولم يكن راغبا بتحديده ، لقد فهمني لكنه فضل المناورة ..
-:
البلد جميل هذه الأيام . .. قال ذلك ونهض
دون أن ينتظر إجابتي ، ثم اتجه نحو سيارته المتوقفة على الجانب الآخر من الطريق
، كان قد نسي علبة سجائره الممتلئة وقداحته الثمينة على المنضدة ، تجاهلتهما
ولحقت به ، لحظتها أيقنت إنني أربكته ،وأحسست بشعور غريب ،
احتوتني
فرحة صغيرة
خاطفة ووسخة
وقد
يدفعني التواصل معها إلى تقيأ قدح
الشاي، كنت قد اقتربت من السيارة وحين التفت إلى الخلف كان هناك شبحين أسودين
مماثلين تماما لهيئتنا منغمسين بنقاش ساخن على طاولتنا
،
عدت إلى المنضدة وجلا والتقطت
حاجياته بسرعة كان يراقبني من خلف المقود مأخوذاً بهذا المشهد الغريب وربما فهم
دون إيضاح مطول إنني
أحاول الآن
أن أمهد طريق علاقتنا الوعر
بمبادرة شخصية تتسم بالود ، صافحني حين جلست في المقعد الأمامي وهو منفعل بشدة
، ثم تركناهما هناك بسوادهما وعتمة قلبيهما ليذوبا على الطريق ويندمجان مع
إسفلت الشارع تحت أقدام المارة .