ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

 

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

 

قصة قصيرة

 طامي هراطة عباس

 أشباح الطاولة

 
 
 

صارت البناية البائسة للمنفذ الحدودي العراقي نائية ، وغابت من ذاكرتي تماما ، ربما غيبتها تلك الصدمة التي خلفتها وعورة الطريق العراقي المهمل إلى منفذ مهران الإيراني ، وعلى امتداد الطريق الذي يحاذي ويقطع جبال زاكروس كانت القرى والبلدات الإيرانية الصغيرة الجاثمة على الطريق أو المستريحة على السفوح تحتفظ بتذكارات مستفزة ، إذ وضعت الآليات العسكرية العراقية المحطمة على منصات صغيرة بمواجهة الطريق وكانت هناك لافتات باهتة جرفت ريح الجبال الباردة ألوانها رَغب القادة الإيرانيون بوضعها هناك لتؤرخ بعضاً من خسائرنا وشيئاً من انتصاراتهم .

كانت شواهد قبور الجنود في المقابر الصغيرة التي احتلت مداخل القرى المطلة على الطريق المؤدي إلى المدن الكبرى تبدو وكأنها تُلوحُ للعابرين بأذرع وهمية يائسة كانت تلك التلويحة التي تتأرجح بين النور والظل تبدو لي مترعة بالأسى ومتألمة أكثر من المعتاد وقد فارقتها سمة الاعتداد وتلك الومضة التي تبرق في عيون المنتصرين ، كانوا محض ضحايا مزقهم رصاصنا في يوم ما ، وكنت اشعر إنني مسئول بشكل ما عن نهاياتهم المبكرة لأنني لم ارفع صوتي كما يجب جلست صامتا ومرعوبا هناك في ذلك المستشفى الميداني وكانت أيام الحرب الطويلة تستهلكني وتضربني في العمق ، ثم تذكرت إنني رأيتهم هناك حين كنا جنودا يافعين ومدججين بالبسالة والشوق والأسى العميق في السواتر الترابية المطلة على (المحمرة ) كانوا يحاولون اختزال الطريق إلى كربلاء وكانت الرشاشات الرباعية الثقيلة تنثر أجسادهم ورؤوسهم على طول الساتر الترابي وراحوا يديمون زخم هجومهم بدفعات متواصلة من الجنود والمقاتلين الصغار ، حتى وصلوا إلينا ، صارت المدينة بقبضتهم ، استرجعوا مدينتهم بكلفة عالية كانت تلك معركتهم القومية الكبرى ، فيما لم نتحدث في الأيام التي أعقبت ذلك التراجع عن حجم خسائرنا وعدد أسرانا ، وكنا كنخب صغيرة ومروضة من الجنود المثقفين نستشعر ذلك القلق الذي يعصف بالقادة الميدانيين ، وكنت أفهم تماما لم كانت تلك الحرب غير قابلة للتوقف في سنواتها الأولى أما الإيرانيون فكانوا أفضل من فهم الأمر .

دخلنا واحدا من تلك الأنفاق التي تخترق الجبل ، لم تكن الإنارة كافية ، لكن أضواء العجلات القوية كانت تنير تجويفه المظلم فيما كان داخل السيارة بارداً ومظلماً وباعثاً على القشعريرة ، وكانت تلك اللحظات القصيرة الخاطفة قد انفتحت لوحدها على رؤية غريبة وموحية ، كنت اشعر أنني داخل تابوت معتم يندفع بسرعة هائلة نحو المجهول ، كان صدري يضيق ورحت انتظر بلهفة نهاية النفق المضيئة ، لكنني قبل ذلك لم أكن اخشي الأماكن الضيقة والمظلمة وربما كانت الحروب واختراقاتها العميقة هي التي خدشت روح صلابتي ، وحين غمرنا ضوء النهار الكثيف وخرجنا من ذلك التجويف صدمتني كلمات السائق الذي خرج من صمته وتحدث بلغة عربية بسيطة ويده تشير لقمة الجبل التي ما زالت مكللة بالثلج ..

-: مازالت جثث جنودكم هناك !!

فكرتُ : ترى هل كانت الشجاعة وحدها هي التي دفعتنا إلى التوغل حتى هذا العمق وأن نرتضي الموت على هذه القمم الموحشة بالمجان ، كنت مطعوناً ولم يكن بوسعي التهرب أيضاً من ذلك التلميح الذي أطلقه السائق ، كنت قد استأجرت السيارة لوحدي من مدينة ( إيلام ) التي طالتها مدافعنا ، في تلك اللحظات شعرت ان الماضي بكل حقده ودمه وموته الجنوني قد تحرر من أسره وصار حاضراً بيننا ، عٌبأ بتلك السيارة الصغيرة ، وأنني يجب ان أقول شيء ما وأرد على ذلك التلميح المبطن ، لكن الكلمات كانت تتعثر في داخلي ولم تكن ترغب بالخروج ، كنت أنازع ذلك الآخر المتواري في داخلي ، نصفي الثاني الذي يعزف لحنه وجنونه في جذوري والذي دشن كل الحروب والانتهاكات ولم يكف في يوم ما عن التعلق بذلك الماضي الطويل والعميق رغم شناعته كنت وعلى طول تلك اللحظات الممتدة بين تلميح السائق وإجابتي أروض تلك الرغبات العدوانية التي تمور في أعماقي ...

-: آه .. لدينا من بقاياكم ما هو أسوء ، لكن الحرب هي ماضينا المشترك الأسود فلم ترغب بتقليب تلك المواجع؟

ألقى علي نظرة باردة وسريعة وعاود النظر إلى الطريق ، جاعلا العربة تندفع بسرعة أعلى وبدا ذلك محض رد فعل غير عقلاني على تلك الجمل الصغيرة التي تبادلنها ، كنت اعتقد انه يحاول إخافتي بعرض بائس لقيادة متهورة وكان يتوجب علي أن أواجه ذلك العرض بإسلوب آخر ، ضغطت على ذراع المقعد الجانبية الصغيرة فمال ظهره إلى الخلف أرحت جسدي وأغمضت عيني متظاهراً بالنوم كنت أحاول التعبير عن رفضي ولامبالاتي إزاء موقفه لكنني لم أتغلب على مخاوفي وكانت هناك العديد من الأفكار والتوقعات المحتملة بصدد خطوته اللاحقة ، ولم يطل الأمر كثيرا حين شعرت إن سرعة السيارة تعود إلى معدلها السابق ..

:- هل نتوقف للاستراحة أم انك تفضل التظاهر بالنوم ..

حين فتحت عيني من جديد كانت السيارة قد أبطأت من سرعتها وظهرت على جانب الطريق الأيسر بناية المطعم الصغير والمحلات المجاورة له ، أشرت له بوجوب التوقف كي أتناول كوبا من الشاي ، توجهت فورا ، نحو( السماور الكبير ) في مدخل المطعم ، كانت لدي عملات إيرانية من فئات مختلفة ولم أكن أجيد الفارسية عرضت النقود على البائع لكن صوت السائق فاجئني من الخلف..

:- لقد دفعت الحساب ..

جعلني تصرفه هذا أعتقد إن الرجل يحاول استثمار الفرصة كي لا يتحدد شكل علاقتنا القائمة على معادلة الراكب والسائق ثم أضاف ..

:- هل يمكننا مواصلة الحديث ..

:- لن أتحدث عن الماضي ...

كانت بيننا مسافة صغيرة احتلتها طاولة من الرخام الأبيض البارد شوهتها بقع الشاي الداكنة ، ربما هنا وعلى هذا الطاولة جلس ألاف المسافرين المتعبين من طول الطريق تحدثوا عن كرامات الأولياء والموت والحب وأنفلونزا الخنازير، لكن قلة منهم تحدثت عن ماضي الحروب أو تغنت به ..

:- أخشى أن تتحول حريتكم إلى هامش ضيق ..

عَلقت جملته في المساحة الضيقة القائمة بيننا ، كنت أراقبه حين بدأت ملعقة الشاي تصنع في كوبه دوامات صغيرة لا نهاية لها كانت تزداد حدة كلما زاد استغراقه لتزيح السائل الأحمر خارج الكوب فيسيل على المنضدة متجهاً صوب نهايتها بهيئة خطوط حمراء قاتمة ، وكان الصمت وبرودة الطاولة التي تسربت إلى يدي تدفعني للخروج من هذه اللحظات العالقة في بوابة الريبة والشك ، الريبة من وجودي في بلد غريب قاتلناه ثمان سنوات ثم أجد نفسي بمواجهة هذا السائق الغامض ، كانت مخاوفي القديمة ترفد عقلي بتلك التساؤلات المدججة بالتوجس والخوف ، أيمكن لهذا السائق الخمسيني أن يكون رجل أمن إيراني يحاول استدراجي ؟ ومن يسأل عني إذا غُيبتُ في هذا البلد الواسع ؟ أم ان الرجل أوجعته سنوات الحرب وظل خاضعا لابتزاز ذلك الماضي ولم يعد قادرا على التحرر ...

-: تجربتنا طويلة ومؤلمة ... أضاف وهو يهم بارتشاف ما تبقى من قدحه .

تعلقت بضع قطرات بشاربه الكثيف والغير مشذب ، وغمرت الشمس وجهه فبانت بوضوح تلك الخطوط الصغيرة التي حفلت بها جبهته العريضة ، كنت أتفرس بملامحه محاولا تقصي امتداد هذا التذمر وتحديد مصدر ألمه ..

-: هل خاب ظنك منذ زمن طويل ؟

بدا إن حجر السؤال قد قوض تلك الطمأنينة المرتسمة على ملامحه وحولها إلى دهشة لافتة ، كان يتطلع إلي باستغراب ، وربما كانت الإجابة معلقة بمتن زمن معين ولم يكن راغبا بتحديده ، لقد فهمني لكنه فضل المناورة ..

-: البلد جميل هذه الأيام . .. قال ذلك ونهض دون أن ينتظر إجابتي ، ثم اتجه نحو سيارته المتوقفة على الجانب الآخر من الطريق ، كان قد نسي علبة سجائره الممتلئة وقداحته الثمينة على المنضدة ، تجاهلتهما ولحقت به ، لحظتها أيقنت إنني أربكته ،وأحسست بشعور غريب ، احتوتني فرحة صغيرة خاطفة ووسخة وقد يدفعني التواصل معها إلى تقيأ قدح الشاي، كنت قد اقتربت من السيارة وحين التفت إلى الخلف كان هناك شبحين أسودين مماثلين تماما لهيئتنا منغمسين بنقاش ساخن على طاولتنا ، عدت إلى المنضدة وجلا والتقطت حاجياته بسرعة كان يراقبني من خلف المقود مأخوذاً بهذا المشهد الغريب وربما فهم دون إيضاح مطول إنني أحاول الآن أن أمهد طريق علاقتنا الوعر بمبادرة شخصية تتسم بالود ، صافحني حين جلست في المقعد الأمامي وهو منفعل بشدة ، ثم تركناهما هناك بسوادهما وعتمة قلبيهما ليذوبا على الطريق ويندمجان مع إسفلت الشارع تحت أقدام المارة .

 

 


نرحب بكم في موقع الكاتب العراقي     الموقع يكفل كامل الحرية للتعبير  عن الموقف ووسائل الإبداع.. ولكن الكاتب يبقى  وحده  مسؤول عن حريتة و كتاباته