|
خاص بموقع (الكاتب العراقي.)
(ولد الكاتب هيرناندو تيليز عام 1908 في (بوغوتا/كولومبيا) وتلقى تعليمه فيها.
دخل عالم الصحافة مبكرا وصار معروفا كصحفي يكتب في بعض الصحف الشعبية والمجلات
الكولومبية. ولم تتسع شهرته ويصبح معروفا تماما حتى سنة 1950 عندما اصدر مجموعة
قصص قصيرة. تدل حكاياته التراجيكوميدية على أنه مراقب حاد البصيرة وحساس جدا
تجاه الحياة المعاصرة، وبخاصة واقع الحياة المؤلم لبلده، كولومبيا، الذي عانى
من عدة حروب أهلية وديكتاتوريات عسكرية. تيليز كان دارسا للتاريخ ومطلعا على
تاريخ الثورات التي تسببت في تقسيم كولومبيا الكبرى إلى ثلاث دول هي كولومبيا،
فنزويلا والإكوادور. عمل تيليز في البرلمان الكولومبي، وعمل فيما بعد سفيرا
لبلاده في الأمم المتحدة.
قصة "
"Just Lather, That's Allهي
القصة الأكثر شهرة بين قراء الأسبانية والتي احتوتها المجموعة القصصية
" Ashes for the Wind and Other
Stories "
وقد ترجمناها هنا بعنوان " الثوري والقاتل." لتوافقه مع
المضمون.
توفي هيرناندو تيليز عام 1966.)
دخل صامتا. كنت أمرر واحدا من أحسن أمواسي جيئة وذهابا فوق المشحذة الجلدية.
وعندما تبينته بدأت أرتعش، لكنه لم يلحظ شيئا عليَّ. وواصلت شحذ الموسى، راجيا
إخفاء انفعالي، واختبرته فوق لحمة إبهامي، ثم عرضته للضوء. في الوقت نفسه نزع
هو حزام الرصاص الذي يتدلى منه قراب مسدسه وعلقه فوق المشجب ثم وضع خوذته
العسكرية عليه. واستدار نحوي، مرخيا عقدة رباطه.
" الجو حار كما لو كنا في جهنم، إحلق لي." قال وجلس في الكرسي.
وقدرت، إن لحيته لم تُحلق منذ أربعة أيام. هذه الأيام الأربعة شُغلت بالحملة
الأخيرة للبحث عن قواتنا. كان وجهه يبدو محمرا، محروقا بفعل الشمس. وبحذر، بدأت
أحضر الصابون. قطعت بضع شرائح وأسقطتها في الكوب، ثم مزجتها مع مقدار قليل من
الماء الدافئ، وشرعت أحرك المزيج بالفرشاة. وفي الحال بدأت الرغوة ترتفع.
" لابد أن لحى الآخرين في المجموعة طويلة أيضا." قلت وأنا أواصل تحريك رغوة
الصابون.
" ولكننا أنجزنا عملا جيدا، كما تعلم. قبضنا على الأشخاص البارزين. وأحضرنا
قسما منهم ميتا والقسم الآخر حيا. ولكنهم سيكونون أمواتا بعد قليل."
" ما عدد الأشخاص الذين قبضتم عليهم؟" سألته.
" أربعة عشر. كان علينا أن نتوغل في الغابة للعثور عليهم. لكننا سنقبض على
أكثر من هؤلاء. لن يفلت احد من أيدينا حيا، لا أحد."
وأسند ظهره إلى الكرسي عندما شاهدني أمسك الفرشاة المغطاة بالصابون بيدي.
كان عليَّ أن أضع الملاءة على صدره. كنت مضطربا، لا ريب في ذلك. وأخرجت ملاءة
من الدرج وعقدتها حول رقبة زبوني، الذي لم يزل يتكلم. ومن المحتمل انه ظن بأني
كنت متعاطفا مع مفرزته العسكرية.
" يجب على البلدة أن تتعلم درسا مما فعلناه يوم أمس."
" نعم." أجبت وأنا أحكم العقدة عند أسفل رقبته الداكنة، المبتلة بالعرق.
" كان مشهدا رائعا، ها؟"
" جدا." أجبت عائدا إلى الفرشاة.
وأغمض الرجل عينيه بإيماءة تعب وجلس ينتظر ملاطفة الصابون الباردة. لم أكن
أتوقع أن يكون قريبا مني بهذا الشكل. وفي ذلك اليوم الذي أمر فيه كل من في
القرية أن يسيروا ارتالا إلى فناء المدرسة لمشاهدة الثوار الأربعة وهو يُشنقون،
قابلته وجها لوجه. ولم يدم ذلك إلا لحظة واحدة فقط. ذلك أن منظر الجثث المشوهة
منعني من ملاحظة وجه الرجل الذي اشرف على تنفيذ هذا المشهد كله، الوجه الذي
سيكون بين يدي الآن. لم يكن وجها بغيضا، بالتأكيد لا. واللحية التي جعلته يبدو
اكبر قليلا مما هو عليه، لم تضف عليه مظهرا سيئا أبدا. كان أسمه (توريز،)
القائد توريز. رجل خيالي، فمن غيره تخطر له هذه الفكرة: أن يشنق الثوار وهم
عراة ثم يجعل مواضع معينة من أجسامهم أهدافا يجري عليها تمرينا في دقة التصويب
على الهدف؟
وبدأت أضع الطبقة الأولى من الصابون. وواصل هو كلامه، وعيناه مغمضتان "
أستطيع النوم الآن بدون أي جهد، لكن أمامنا الكثير ما نعمله بعد الظهر."
توقفت عن تحريك الفرشاة فوق وجهه وسألته متصنعا اللامبالاة. " رميا
بالرصاص؟"
" شيء من هذا, ولكن ليس سريعا."
واستأنفت تحريك الفرشاة فوق وجهه. بدأت يداي ترتعشان مرة أخرى. ومن المحتمل
أن الرجل لم يستطع أن يفهم، وهذا في صالحي، ولكن كنت أفضل أن لا يأتي. فمن
المرجح أن عددا من عصبتنا قد شاهده وهو يدخل، إلا أن وجود عدو معك تحت سقف واحد
يفرض عليك مواقف محددة. لقد كنت ملزما أن أحلق تلك اللحية كأية واحدة أخرى،
بطريقة حذرة، لطيفة، كما أفعل مع أي زبون آخر، باذلا جهدا كبيرا لمراقبة أية
عثرة قد تقذف دما ... وان أكون منتبها لأرى أن خصلات الشعر الصغيرة لن تضلل
الشفرة. كان عليَّ التأكد من أن بشرته صارت نظيفة، ناعمة ووسيمة، حتى إذا أمررت
ظهر يدي فوقها لم استطع أن أتحسس شعرة واحدة. نعم، كنت ثائرا في الخفاء لكني
كنت حلاقا حي الضمير كذلك، فخورا بالدقة والحذر اللتين تمتاز بهما مهنتي. وهذه
اللحية ذات الأيام الأربعة كانت تحديا مناسبا لي كحلاق.
وتناولت الموسى. فتحت الذراعين الواقيين وكشفت عن الشفرة وشرعت بالعمل
مبتدئا من أحد جوانب وجهه إلى الأسفل. وانزلق الموسى بشكل رائع. كانت لحيته
صعبة؛ ليست طويلة ولكنها صلبة وكثيفة. وانبثق الجلد شيئا فشيئا. راح الموسى
يبشر فيه إلى الأمام، يخرج صوته المعتاد عندما يمتزج زغب الرغوة مع قليل من
الشعر على طول الشفرة. وتوقفت لحظة لأنظفها، ثم أخرجت المشحذة ثانية لأشحذ
الموسى، كل ذلك لأني حلاق أعمل كل ما يتعلق بمهنتي بدقة. وفتح الرجل عينيه
الآن، وكان لايزال مغمضا، ونزع إحدى يديه من تحت الملاءة وتحسس المنطقة من وجهه
حيث أُزيل الصابون.
" تعال إلى المدرسة بعد الظهر، الساعة السادسة."
" نفس الشيء، كما في الأمس؟" سألت مرتعبا.
" ربما أحسن." أجاب.
" ما الذي تنوي عمله؟"
" لا أدري بعد، لكننا سنلهو." قال، واستند إلى ظهر الكرسي ثانية وأغمض
عينيه. وتقدمت منه والموسى متزن في يدي.
" تنوي معاقبة الجميع؟" سألته وأنا مخلوع الفؤاد.
" الجميع."
وجف الصابون فوق وجهه، فكان عليَّ أن أسرع. وفي المرآة نظرت إلى الشارع فكان
هو نفسه لم يتغير، مخزن البقالة وفيه اثنان أو ثلاثة زبائن. ونظرت إلى الساعة،
الثانية وعشرين
دقيقة بعد الظهر. واستمر الموسى في حركته الانحدارية، من الجهة الثانية للوجه
إلى الأسفل. لحية كثيفة، قاسية. كان عليه أن يتركها تنمو كما يفعل بعض الشعراء
والقساوسة. كانت ستناسبه. فكثير من الناس لن يتعرفوا عليه. وسيكون من مصلحته،
كما فكرت وأنا أحاول أن اجتاز منطقة الرقبة بلطف، أن يطلق لحيته. فهناك، عند
الرقبة، يجب أن تعامل الموسى ببراعة ولا ريب في ذلك، لأن الشعر، بالرغم من
رخاوته، ينمو في دوامات صغيرة. إنها لحية مجعدة. وقد ينفتح جرح من المسام
الصغيرة جدا وينبثق الدم صاعدا. على أن حلاقا مثلي يفخر بكونه لم ولن يسمح لأمر
كهذا أن يحدث لزبون. وهذا الزبون هو من الدرجة الأول. كم من جماعتنا أمر
بإعدامهم؟ كم من جماعتنا أمر بتشويههم والتمثيل بهم؟ كان من الأفضل عدم التفكير
في هذا الموضوع. أن توريز هذا لا يعرف بأني كنت عدوا له. لا هو يعرف ولا
الآخرون. كان سرا شاركني فيه بحرص عدد قليل جدا من المقربين لكي استطيع أن اعلم
الثوار بالأعمال التي يقوم بها توريز في البلدة وما يخططه في كل مرة يتولى فيها
أمر ثائر يصيده في نزهته المعتادة. لذا سيكون من الصعب توضيح السبب في تركه
يذهب بسلام، حيا وحالقا، بعد أن وقع في يدي.
وأوشكت أن انتهي من لحيته تماما. ولاح لي انه صار أصغر سنا وان إرهاق السنين
قد خف عما كان عليه عندما وصل ليحلق. وافترضت أن هذا يحدث دائما مع الرجال
الذين يزورون محلات الحلاقة. فتحت ضربات الموسى كان شباب توريز يُستعاد،
يُستعاد لأني حلاق ماهر، الأحسن في البلدة، إذا كان لابد من القول بذلك. قليل
من الرغوة هنا، تحت ذقنه، فوق عقدة الحنجرة، على هذا الوريد الكبير. إن الجو
يزداد حرارة! ولابد أن يكون توريز مبتلا بالعرق، مثلي تماما. ولكنه ليس خائفا.
انه رجل هادئ، حتى أنه لم يفكر ماذا سيعمل بالسجناء في أصيل هذا اليوم. ومن
جهتي، فأنا، وهذا الموسى في يدي، أضرب وأعيد ضرب هذا الجلد وأحاول منع الدم من
أن ينز من هذه المسام، لا استطيع أن أفكر بوضوح. إني العن الساعة التي حضر فيها
إلى هنا، لأني رجل ثوري ولست قاتلا. وكم سيكون سهلا قتله. إنه يستحق ذلك. هل
يستحقه؟ كلا! أي شيطان! لا أحد يستحق أن تكون بقتله قربانا من أجل الآخرين،
وبالتالي مجرما. وما الذي تكسبه بهذا العمل؟ لاشيء. فإن آخر سيأتي ليحل محله.
ويبقى هناك آخرون، الثاني يقتل الأول والثالث سيقتل الثاني والرابع سيقتل
الثالث ... وهكذا حتى يصير كل شيء بحرا من دم. إن بإمكاني قطع هذه الحنجرة،
هكذا، ولن أمهله وقتا ليشكو. وما دام قد أغمض عينيه فلن يرى تلألؤ شفرة السكين
أو بريق عيني. ولكني أرتعش مثل مجرم حقيقي. من رقبته ستنبجس دفقة من الدم على
الملاءة، فوق الكرسي، على يدي وفوق الأرض. وسيتوجب عليًّ إغلاق الباب. وسيبقى
الدم ينساب ببطء على طول الأرضية، دافئا، صعب الإزالة، لا يمكن جمعه، حتى يصل
إلى الشارع مثل جدول قرمزي صغير.إنني متأكد بأن ضربة واحدة محكمة، حزة واحدة
عميقة، ستمنع أي قدر من الألم . لن يتعذب ولكن ما الذي سأعمله بالجثة. أين
أخفيها. وسيكون عليًّ أن أهرب، تاركا ورائي كل ما أملك واتخذ لي ملاذا بعيدا،
بعيدا. لكنهم سيطاردونني حتى يعثرون عليًّ. " قاتل كابتن توريز. قطع حنجرته
بينما كان يحلق له، جبان! وفي الجانب الآخر "المنتقم لنا. أسم يُذكر،" ( وهنا
سيذكرون أسمي.) " كان حلاق البلدة. لم يعرف احد انه كان يدافع عن قضيتنا."
وما معنى ذلك كله؟ مجرم أم بطل؟ إن قدري يتوقف على حافة هذه الشفرة. وليس
عليًّ إلا أن أديرها أكثر قليلا، أضغط أقوى قليلا فوق الموسى، ثم أنفذه إلى
الداخل. وسيتراجع الجلد كالحرير، كالمطاط، كالمشحذة. لا يوجد أرق من جلد
الإنسان. هناك يكمن الدم دائما، مستعدا، مستعدا للتدفق إلى الأعلى. وشفرة كهذه
لا تخفق. إنها أحسن شفراتي. ولكني لا أريد أن أكون مجرما، لا يا سيدي. فقد حضرت
إليَّ لتحلق. وأنا قد أنجزت عملي بصورة مشرفة... لا أريد دما فوق يدي .. رغوة
صابون ليس إلا. فأنت جلاد وأنا حلاق. ولكل إنسان مكانه الخاص في نظام الأشياء.
هذا صحيح. مكانه الخاص.
وانتهيت من عملي. حلاقته نظيفة، ناعمة. وانتصب الرجل في جلسته، نظر في
المرآة ومرر يده فوق جلدة وجهه فأحسها طرية، كأنها جديدة.
" شكرا." قال ثم ذهب إلى المشجب ليتناول حزامه، مسدسه وقبعته. ولا بد أني قد
شحبت. والتصق قميصي بجلدي بفعل العرق المتصبب منه.
وانتهى توريز من تسوية (الإبزيم) وقوم مسدسه في قرابه، ثم وضع قبعته فوق
رأسه بعد تمليسة آلية لشعره. ومن جيب بنطاله أخرج عدة قطع نقدية ليدفع لي
أجرتي. وشرع يغادر المحل. وعند الباب توقف واستدار إلي.
" أخبروني أنك ستقتلني. جئت لأكتشف الأمر. ولكن، القتل عملية ليست سهلة.
صدقني."
وخرج إلى الشارع.
________
ترجمت القصة عن مجموعة
Great Spanish Short Stories.
Published by Dell Publishing
Co.,INC. USA. 1962
" Just Lather, That's All " by
Hernando Tellez.
Page 254-259
ahmedjassimalali@yahoo.com
|