" تربة الوطن تخصب
الخيال.
الذاكرة
تخصبها تربة المنفى ."
فوزي كريم
( مدينة النحاس)
"اذهب " ام " لا اذهب "
الليلة أنا حزين ، تسكنني الغربة الشرقية ،
تمطر السماء جمرا على قلبي ، تحفر فيه ثقوبا .
فركت السّبحة بين يديّ ، ثم مسكت بعضا منها
،وبدات اسحب خرزة خرزة،/ الواحد ، الاحد ،.../ واحدة من جهة اليد اليمنى ، وكذا
بتوؤدة اخرى من طرف اليد اليسرى مردداً : "اذهب " " لااذهب " حتى بقيت خرزة واحدة
وهي من نصيب "لا اذهب"، وعدت مرّة اخرى اعد "اذهب " " لااذهب" ، بقيت خرزة واحدة من
نصيب "اذهب"، اذن علي ان اعيد العملية مرّة ثالثة ، وهي الاخيرة لغرض كسر التعادل
"اذهب " "لااذهب " فكانت النتيجة هي ان اذهب .
ولكن ، أين اذهب؟
"إلى الحانة " قال الذين اوجعتهم الايام .
وقلت " حيث لا يوجد فقيرفيها ولا غني، الجيب واحد،واللغة واحدة ". دخلت بابها ، حد
فاصل بين عالم متواري وأخر مكشوف. احتل كرسيا لمنضدة بأربعة كراسي . الوقت يمضي في
( حانة السلام ) . الزبائن بين داخل وخارج ، وانا وحدي مع سّبحتي والخمر. احدق
بالوجوه ، لعلني اعرف احدا. انسابت على خديّ دمعات خجولة . كنت اسمع صدى صوت خرزات
السّبحة ، وهي تتعاقب بين أصابع يدي ، ساهيا ، قبل أن يبدده صوت مخمور .عيناي شخصت
الى الباب حين وقفت سّبحة حمراء عند مدخله . تقدمت داخل الصالة ، ينعكس الضوء
الخفيف عليها ، فتصدر لمعانا ، كأنها سّبحتي ، ذات الحجم ، صافية اللون ! ولو لم
تكن سّبحتي في يدي لقلت انها هي. وكنت وحدي اراها ،تخترق الاجساد ، تظهر باشكال
هندسية وهلامية ، تمر بين المناضد ، تحلق في فضاء الصالة ، تسحب خلفها حزمة ضوئية
،استقرت أمامي . دعكت عينيّ في غمرة تساؤلات الدهشة حين تشكلت عن وجه اعرفه. قلت
له : يا صاحب اللون الواحد! ألا تعرفني ؟ لم
يجب ، حدق بي ، ومضى. فقلت :
ايتها السّبحة الحمراء !
الا تعرفينني ؟ لوت عنقها وانحنت ثم تحركت الى الجهة الاخرى. وقفت ، ناديت عليه
مرّة أخرى : يا صاحب اللون الواحد !يا صاحب السّبحة الحمراء! الم تعرفني ؟ لم يجب ،
لم يحدق ، ابتسم ومضى ، ومضت هي .عدت الى مقعدي ، سمعت احد الزبائن يقول :
"كثَرالاخ" لكنهاعادت بعد حين،استدارت حول طاولتي ثم رمت ظله على احد الكراسي
بجواري . وبقينا لحظات نتبادل التحديق وفي جعبة كل منا اسئلة لاتنتهي . قلت له :اين
أنت يا صاحبي ؟ ايها البغدادي الجميل !اجاب : انا في عالم اخر لا يشبه عالميك
المتواري والمكشوف . عالم فيه كل شئ عاري،نقف فيه صفا ، كل واحد منا ياخذ حسبته ،
ما اودع وما اخذ ، ماله وما عليه / الولي، الحسيب،الحق ، الحكيم ،.../ وانت ؟ عدت
قبل ايام .كانت خرزات السّبحة التي في يدي تتسارع، وحين وصلت الخرزة الخمسين ،
تشكلت السّبحة التي امامي عن امرأة عارية ، تضع فخذيها الواحدة فوق الاخرى .سرت في
بدني رعشة ، وراحت يدي الى ما بين فخذي لا اراديا . دلقت الكاس الى جوفي ، ونفثت
دخان سيجارتي "الله يارب!الجبار، القوي ، القادر ، القدير ،المجيب، ...هذا عبدك في
الخمسين يحلم برائحة امرأة حب صادق لليلة واحدة " وبعد النشوة المبرقة ، ومن حيث لا
ادري، عادت يدي الى الخرزات الاولى تحسب من جديد وصوتها يرن في مسامعي ، كأيقاع
متزامن ، يتداخل مع صوت احد السكارى " حلاوة ليل محروكة حرك روحي .." اذ تسمرت
اصابعي على الخرزة الخامسة ، السادسة ام الثامنة لا اذكر بالتحديد عندما ظهرت
المدفئة النفطية القديمة الى جوار الطشت النحاسي في حجرتنا الوحيدة ، يومذاك كانت
امي تسد كواء الحجرة بخرق قماش ومخلفات ورق مقوى وجرائد قديمة كي تمنع تسرب
الهواء البارد حيثما ننعم بدفئ الحمام الاسبوعي يوم الجمعة / الرحيم، الرازق ،
المعطي،../ وبعد ان وصلت الخرزة الثامنة عشرة ، برزت خوذة عسكرية في بركة من الدماء
/كانت سنوات الحرب المدمرة قد اكلت ايامي/ تسارعت ثمان خرزات بين اصابع يدي ، اضفت
لها ثلاث خرزات للخدمة الالزامية . كانت السبحة تزداد احمرارا /الجبار ،العظيم،
المسيطر،.../ثمة كتابات مختلفة ومقولات مأثورة ،يغطيها ظلال الضوء المنعكس على
السّبحة ، اشياء جامدة وحية تظهرشاحبة الالوان وصور وجوه اعرفها قد تحولات تقاسيمها
الى شكل دولارات خضراء واخرى افتقدها. /العاطي ، الوافي ،.../ لكن صورة "المحروق
اصبعه" في قدر مسود قد احتلت المساحة التي تشكلت عن مربع من الخرزات / ومن ثم بصقت
الحصار دما / لا اذكر بالضبط عدد السنوات . رحت اعدها على الخرز احدى عشرة ام ثلاث
عشرة سنة! كانت حبات المسّبحة تتوالى ببطء حتى توترت عضلات بدني من رؤية القضبان
التي كونتها امامي / حملت يا صاحبي السجن دهرا على ظهري / كانت هناك اسلاك كثيرة
، رايت وجه ابي من خلالها يطلق العصافير من قفصها وهويقول:" العصافير لا تعيش في
الاقفاص" / وانا.. ادمى المنفى قلبي/ ويوم جاء الفرح ، غادرته / ويومذاك قال لي:
ثوب الاعارة لايجلب الدفئ ياولدي / لكنني هنا اشعر بالبرد ايضا ياأبي !/ كان ينظر
الي بأسى واخر ما قاله " سيقتلك نقاؤك يا صاحبي كما قتلني " تناثرت خرزات السّبحة
من يدي متباعدة ، حين قال لي نادل البار ، الوقت انتهى . فتحت عينيّ المدمعتين ،
نظرت في وجه النادل المضبب مستغربا، كنت عطشا ، فاحسست بطعم مالح بين شفتي ، مددت
يدي امسح الدمع النازل. نظرت يمينا ويسارا فلم ارالسّبحة الحمراء ولا ظل صاحبي .
نهضت بصعوبة اجمع الخرزات . كنت كمن يحاول جمع الماء بيده ، وكلما جمعت بعضا منها
تناثرالبعض الاخر ، كنت اردد بعضا مما قيل بيننا . استطعت جمعها في المرة الأخيرة
على شكل كوم خرزات دون خيط أو (شاهود) . كانت ممزوجة بدم احمر ، اجهل مصدره ، هل
هوالدم النازل من ثقوب قلبي ام من الشارع الملغوم دوما . اودعتها جيبي ومضيت مرة
اخرى الى العالم المتواري ،فيما كنت اسمع صوت السكير التعب يصل الى مسامعي واهنا
"..وعتبها هواي ما يخلص عتب روحي ،.."