
عضيد شياع عواد
أحسَ أنه كان مستيقظاُ في ظلمة الليل الهادئة قبل
أن يسطع نور باهت على جفنيه من مصابيح يدوية ، لم يكن نومه عميقاً لكن دفقة الضؤ
المركزة على عينيه في عتمة الظلام هزت أعصابه كمن توقظه صفعة على الوجه ، رأى كل
شيء خلال لحظات ، كانوا أربعة أشخاص ملثمين بمناديل سوداء تطل من فوقها عيونهم
البراقة كأنهم شخص بثمان عيون ، شعر بالخوف الشديد رغم أنه كان مدركاً حقيقة الموقف
، لكنهم الآن فوق رأسه يشيرون إليه بالخروج من فراشه المبتل بعرقه ، أراد ألا يبدو
عليه أنه يروم أطاعتهم وهذا أقل ما يفعله صبي في مواجهة مثل هذا الظرف ، إلا إن
أشارة أحدهم
القاطعة بالصمت جعلته ينسى نفسه ومشروعه ويشعر بتخاذل مهين وقلبه يزداد خفقاناً
بسرعة مربكة .. لم يكونوا هازلين ، ولم يكن في حلم رهيب ، بل في قلب الحقيقة
المخيفة ...
تقدم اثنان منهم وسحباه بعنف من ذراعيه خارج الفراش ، وأرجله المتراخية تسقطان على
الأرض مع جسمه المجرور من سريره و شعوره بالمهانة يزداد مع كل خطوة يُسحب فيها
كدمية لا أهمية لها ، لم يتكلم .. لم يقاوم .. كان فمه مفتوحاً يابساً متهدل الشفة
، أنه وقت ازدراء الكرامة وامتهان الإنسانية .. نزلوا به أدراج السلم من سطح الدار
واجتازوا الممر الصغير الذي يفصل بين الغرف ، رأى زوجته جالسة في زاوية الممر ،
أذهله أتساع عينيها والرعب المنبعث منهما والخرقة البيضاء الملتصقة بفمها ، ماذا
جرى لها ؟ ماذا فعلوا بها ؟ !! .. فاجأته ركلة قوية من الخلف فوقع على
وجهه في باحة الممر ، هل مضى كل شيء مع أحلام الليل إلى غير عودة ؟ !! .. وثقوا
يديه من الخلف وقلبوه على ظهره ثم أنهضوه ، كانوا يعملون كل ذلك بهدؤ وخفة رغم مظهر
الشراسة البادي عليهم ، كانوا طوال القامة عريضي الصدر تبرز عضلاتهم المفتولة تحت
الثوب الناعم ، كانوا يتصرفون بكل حرية كمن ملك الدار وأهله ، لم يحسبوا له ولزوجته
وأولاده أي قيمة أو حساب ، أليسوا هم في خانة الضعفاء الذين لا يملكون حق المقاومة
أو الكلام ، أليسوا هم الذين يستحقون الموت كالذباب في هذا الزمن الأخرق ؟؟!! ..
كانوا غير مترددين ولا يبدو أنهم يفكرون طويلاً قبل أن يعملوا ما
يجب أن يُعمل ، أنهم يعرفون بالضبط ما يريدون وكيف يتصرفون ، لم يكونوا من الهواة ،
لاشك أنهم من المتمرسين في عالم الأجرام ، وكما يبدو أنهم لم يكونوا وحدهم فهناك
حتماً من ينتظرهم خارج الدار ..
رمق زوجته بنظرة وداع أخيرة وقد تراءت ككتلة سواد تصارع حزنها وحزنه ولمح خصلات
شعرها الأسود تحيط وجهها بكل يأس الدنيا وعيناها المتسعتان ينبوع قلق أسود أرجف
قلبه ففيهما نبؤه من الظلمات التي تنتظره ، لم يكن مسؤولاً عما جرى ويجرى لهم ولكنه
الآن أمام موقف مريع وهي لا تكف عن النشيج الذي يقطع أوصال قلبه .. مرّت لحظات كان
السكون مطبقاً والساعات جاوزت الثانية بعد منتصف الليل ، كان الجميع صامتين ، كسر
حاجز الصمت صوت هدير محرك سيارة ينبعث خارج الدار وإشارة من أحدهم بإخراجه سريعاً ،
زاغ بصره إلى عيني زوجته المنطفئتين المبتلتين مع ابتعاد
خطواته حتى تلقف مع صعوده السيارة ضربات مخنوقة تتوالى بسرعة من أخمص مسدس على
مؤخرة رأسه ، غامت الدنيا وأظلمت ثم دارت دورات سريعة غير منتظمة لبث جسداً هامداً
مثل كيس مليء بالقش في حوض السيارة .
* * *
ارتجت الشعاب عطشى بين نهرين جفت مآقيها وأضحى ما بينها تطوف بحيرة حمراء قانية
فاستحالت الأرض بوراً بلا حياة .. بلا روح .. بلا مطر وبرزت على حين غرة سقائف
غريبة تناثرت نصل حرابها بصوت لا ينتمي للمكان تذوي حناجر البشر ،ينحّل البياض على
عجل لتسبح ألوان أخرى باهتة وكل الأشياء من حولنا أنفرط عقدها وجالت خارج مدارات
الزمن ، كل الأماكن لها صمت المقابر ووحشة الموتى ولهاث الأحياء للبحث عن نفس صاعد
يطاول رمق الحياة .. الوقت بلا معنى وعقارب الساعة أرخت سدولها وعادت تجر أذيال
الخيبة والهزيمة قروناً إلى الوراء .. وأنا يقضمني رحى الزمن ، منبوذ من
الوقت وانتظاري كله قلق ، أنتقل من حي إلى حي ومن بيت إلى بيت متلظياً خلف أمواج
القدر ، أتوارى خلف انكساراتي كمن يبحث عن شيء وسط الركام ،هارباً بين الجدران من
ذئاب البشر بلا جرم أو ذنب اقترفته سوى أني أحمل هذا ( الاسم ) فهو الدليل والشاهد
بركن الجرم ..كانت الشمس تبخ وتمطر حرارة تشوي الحلم على حطب الذاكرة وفي آب
المتلظي تحولت أحلامي جلوداً جافة وقشوراً ومسداً .
* * *
صرخة تخرج في كل الاتجاهات بلا حنجرة وبلا صوت : يا لهم من أوغاد أعدموني ويطالبون
بفديتي .. تحرر من جثته المنهكة وأقلع منها طائراً مرفوفاً بلا جناح لم تعهده قضبان
الجسد ،أنتابه فضول عجيب يشبه تطفل ولد تعلم للتو المشي على قدميه فأنطلق ليسبر
أغوار بحر دنياه الجديدة، حتى أوجاعه قد زالت ورحل معها وجع تعذيبه ليلة البارحة
وهو بقبضة ثلاثة حشاشين .. كم أذهلني هذا الشيخ الوقور الذي ملأت صورته شاشات
التلفزيون وقد نزلت عليه فجأة كل أمارات تقوى وورع المؤمنين الأوائل وهو يسبح بحمد
ربه ويؤم جموع المسلمين من مختلف الطوائف في أحدى الجوامع بصلاة
الجمعة ليضرب مثلاً على توحد المسلمين ويدعو في خطبته الرنانة إلى نبذ التفرقة
الطائفية وضرورة التكاتف والابتعاد عن الأحقاد والكراهية ورص صفوف المسلمين بوجه
الهجمة الطائفية الشرسة والتي انتهت بهتافات حادة تشق عنان السماء بالموت للطائفية
ولدعاتها ، بينما كان هذا الشيخ المرائي نفسه يرعد ويزبّد ويسب ويشتم ليلة البارحة
وهو في قمة الهمجية الطائفية عندما قدموني أمامه للمحاكمة الشرعية وبعد أن رمق ملف
أتهامي على عجل أصدر حكمه خلال ثوان بإعدامي مكتفياً بسؤاله عن أسمي فقط !! ..
طفق يتابع في نهم مفرط ما يتسنى له مشاهدته وقد وقع بصره على خروف مشوي يتوسد
طبقاً رفعوه من على النار لتوه مرّ من جانبه وقد سبقه عدة خرفان مشوية تأخذ طريقها
إلى مضيف شيخ عشيرة الذي نظم وليمة كبيرة لوجهاء القوم كسباً لحملته الانتخابية
القادمة .. رأيت من بابل تتصاعد سحب دخان أسود وبابل تركض عارية وهي تباع في سوق
النخاسة من سوق لآخر ، ثم لمحت هذا الملتحي الوسخ الذي داهم بيتي وخطفني من عائلتي
ليلاً والذي أطلق رصاصة الرحمة على رأسي فجر هذا اليوم وترك جثتي مضرّجة بالدماء
خلف السدة الترابية وبأعصاب باردة سادرة في القتل والحقد منفذاً قرار
سيده بتنفيذ حكم الإعدام بحقي وترك جثتي للريح تذروها وللشمس تلفحها وللكلاب
تنهشها، ها هو اليوم يتطاير الشرر من عينيه ويأمر أفراد عصابته ليكمل مشواره
الصباحي في الأجرام بنصب سيطرة وهمية بملابس عسكرية لسلب سيارة تحمل رواتب موظفي
أحد الدوائر الرسمية ليسرق المال ويخطف من فيها ، وها هم يأتون ليلاً بطرائدهم
ليمارسوا رياضة الانتصار على وهن الفرائس بعيداً عن صخب الأضواء وبعقول يستعبدها
الحقد الأعمى واستعداد دائم للغنيمة والبطش محشو في عقول وقبضات الأيدي مدفوع
بغرائز التوحش والانتقام .. وها هو اليوم شبابي قد تقرّح على أيدي هؤلاء
الأوباش وينتهي العمر بصوت مخنوق أردت أن أستغيث وأصرخ متسائلاً عن الذنب الذي
اقترفته .. أنتم لا تعرفوني يا أوغاد ولم يسبق أن عرفتكم يوماً ، فلماذا وأد البشر
؟؟ ما ذنب زوجتي لتترمل وأطفالي ليتيتموا ؟؟ .. لقد تشرنق العالم بالفوضى وتعب
الناس وتعب النخيل و تهدلت أعثاقه حزناً على هذا الزمن ، يقولون لكل إنسان نجمه
فحينما يموت يتهاوى ذاك النجم فصارت السماء شبه خالية من النجوم حزناً على رفيقهم
النجم ، وها أنا مسافر ويسافر معي الصمت المشبع بالدموع تطرز خلخال السفر ، كم
تمنيت أن أجول برحلتي لأرى زوجتي ، بالتأكيد لا تعرف إنها ترملت منذ ساعات
، أتراها تنتظر عودتي أم أنها تعلم أن الأرواح التي تغادر خلسة تحت جنح الظلام في
قبضة ميليشيات السواد لا تعود أبداً مع وضح النهار مهما طال الزمان ؟.. ومن أمام
دجلة ومن شرفة السماء أراها من بعيد غارقة بدموعها سارحة بعالمها بلا بيت وبلا
وطن ، أسمع تراتيل شفتيها تدعو رب الضعفاء وكل دمعة تذرفها من عينيها تردد معها
الصلوات الحامية بلغة لا يفهمها هؤلاء الذئاب وقتلة البشر .
وقبل أن يواصل مشواره تناهى إلى روحه صوت قوي وقد تلقفه أحد الملائكة صائحاً : هيا
إلى ما بعد السموات السبع .. فقال له مندهشاً بعد أن تجاوزا خط الغيوم وهو يشير إلى
من رآهم سريعاً : من هؤلاء ؟؟ .. رد الملاك : هؤلاء ساسة آخر الزمان ، شياطين الأرض
، وقود جهنم !! ..