ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

 

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

 

 

عصام القدسي

 أصل الحكاية

 

 

 

 

كلما شرعت بكتابة قصة جديدة راودتني هذه الأسئلة : أبطال القصص التي نكتب عنهم ، هل لهم وجود ،  يحيون في زمن ومكان ما من الأرض.؟ وهل إن الأحداث التي نسردها بشأنهم ، حدثت حقا.؟ وهل نحن " الذين نكتب " لسنا سوى وسطاء ، مسخرين بقوى خفية ، لتسطير حكاياتهم.؟  حتى التقيت ، ببطل قصتي التي شرعت بكتابتها ذات ليلة ، وجها لوجه ، حين اطل علي من زمن يرقد طي ثنيات تاريخ منسي ، قادما من مكان ربما أندرس وأصبح أثرا بعد عين ..

أيام من المعاناة عشتها ، وأنا احمل فكرة قصة في ذهني  كنتوء صغير. فكرة راحت تنمو وتنمو ، مثل بذرة في تربة . وتنتفخ شيئا فشيئا بمرور الوقت ، وينتفخ معها رأسي ، حتى اكتملت  خيوطها . وتحددت شخوصها ومسار أحداثها ، فأردت أن اسطرها على الورق . دخلت غرفتي ، وأوصدت الباب ورائي وجلست إلى طاولتي . كان الليل قد فتح مظلته العملاقة السوداء ، ليضم تحتها الوجود . بعدما انسحبت الأحياء إلى جحورها و توقفت الحركة وهمد الصخب ، فعم الصمت والسكون . فليس ثمة  سوى أصوات كائنات الليل من حشرات الأرض وحيواناتها الصغيرة ،تأتيني من الخارج ،تتردد في جو الغرفة ، وتطرق سمعي . كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل وكنت أقلب أوجه قصتي المفترضة ، وأحاول أن أجد لها بداية تشد القارىء من أول وهلة ..اقترحت لنفسي بدايات عدة . ثم عدلت عنها . وقررت أن أضع لها الخطوط الأولى قبل إن اشرع بسردها. فكتبت على الورق ، أمامي ، الأسطر التالية : عايد الغضبان  شاب واسع الذكاء يعمل حمالا في سوق الخشب .. مديحة فتاة في العشرين دافئة المشاعر جميلة ربة بيت مطلقة تعاني من اضطهاد أخوتها .. عايد الغضبان ، يحب مديحة ابنة محلته .. العجوز خصباك من ملاك البيوت والدكاكين ، يسعى للزواج من مديحة ، مستغلا عوز عائلتها .. عايد يجاهد من اجل الفوز بحبيبته لكنه  يظل ينتظر معجزة تحقق له ما يصبو إليه .. ووضعت قلمي جانبا وأطرقت برأسي ،  متأملا ما كتبت محاولا أن أرى ببصيرتي مزيدا من تفاصيل القصة وأتخيل ملامح شخصياتها وأستشف أفكارهم وأصغي لخفق أفئدتهم وأحس بأنفاسهم التي تتردد في صدورهم ، كنت غائبا بحواسي عما حولي .وإذا بي أسمع صرير الباب وهو يفتح ، وشعرت بخطوات فوق أرض الغرفة . رفعت رأسي فزعا ، فرأيت شابا معتدل الطول ، يميل إلى البدانة ، يرتدي جلبابا مغبرا وحزاما من الجلد ويعتمر في رأسه كوفية حال بياضها إلى سمرة فاقعة كان يسير بخطى متلكئة . ثم توقف أمامي فتطلعت إليه بخوف ، لأستبين ملامحه كان شاحب الوجه كالأموات  ، زائغ النظرات . قال بصوت أجش كأنه مرجع من عمق زير:

 ـ أتعرفني .؟

 وألقى بجسده على المقعد ، بمحاذاة طاولتي .

ارتجف صوتي وأنا أجيبه : ـ كلا .

 قال: ـ أنا عايد الغضبان ..

 ظننت أنني أتخيل ، وقد عقدت الدهشة لساني ، واصل قائلا  :

 ـ طرق الرعد بوابة عالمي الغامض وحين رفعت عني الحجب نبهني البرق وأفقت . فسمعت الأشجار والعصافير ومياه النهر تتناقل أخبارا عن رجل قرر إن يروي حكايتي للآخرين . وبما إن ما يود سرده خلافا للواقع ،فقد جئت لأروي اصل الحكاية وأبين ما جرى حقا .

 بدا لي كشبح وهو يجلس جامدا ساهما ، يصوب نظره إلى شيء لا أراه.

تنهد بعمق وقال : ـ الحكاية حصلت قبل أكثر من سبعين عاما .

 وصمت طويلا حتى ظننت انه جاء يبلغني هذا وينصرف ولكنه عاد يتكلم  :

 ـ أحببت مديحة ، مثلما أحبتني . وكنت أعمل سمسارا في سوق الخشب أوفق بين الزبون والتاجر وأسهل عملية البيع والشراء بينهما ، مقابل مبلغ بسيط احصل عليه ، ولم أكن حمالا . أما خصباك ،  الذي ذكرته فقد كان ابو مديحة..فمديحة ابنته الوحيدة المدللة بعدما مات شقيقها الذي يكبرها غرقا . ولم تكن مطلقة ،كما تنوي سرده،  والصواب إن مهووسا تقدم لخطبتها وحين رفض ابوها طلبه راح يشيع بأنها تحب عايد الغضبان . وراح الغضبان يقص لي الحكاية بطريقة غريبة ، كما لو يستحضر أرواح من ذكرهم من البرزخ الذي حشروا فيه بانتظار قيام الساعة ، فيجفل بين الحين والآخر ، ويتوقف متذكرا مافاته من تفاصيل ، ثم يواصل فيخبرني عن أهل المحلة الأخيار الذين تناخوا وساروا شفيعين له عند ابي مديحة حتى رضي به زوجا لها. كان الوقت يجري بيننا ، وتشعب به الحديث ، عن أيام زمان سالف ، وعاداتهم وأحوال معيشتهم حتى فرغ من سرد حكايته . في هذه الأثناء كانت الظلمة قد بدأت تتحلل وتذوب ،وتنقشع تدريجيا.  وبدا الفجر يتنفس وينشر ضوءه الفضي . عندها التفت ضيفي إلى ناحية النافذة وحدق في الفراغ بقلق بدا على ملامح وجهه . وهب واقفا واستدار وخطا نحو باب الغرفة وقبل إن يجتازها اختفى بلمح البصر .. لبثت في مكاني مذهولا ، غير مصدق عيني ..

 في الليلة التالية جلست إلى أوراقي وكتبت : ألا فليعلم القارىء أن شخوص القصص التي نكتبها ، لهم وجود . في زمن ومكان ما من الأرض. وإن الأحداث التي نسردها بشأنهم ، حدثت حقا. وما نحن ، إلا وسطاء ، مسخرين بقوى خفية ، لتسطير حكاياتهم . ثم رحت أدون الحكاية حسبما رواها لي بطلها ، ليلة الأمس .

 


نرحب بكم في موقع الكاتب العراقي     الموقع يكفل كامل الحرية للتعبير  عن الموقف واختيار وسائل الإبداع.. ولكن الكاتب يبقى  وحده  مسؤول عن حريتة و كتاباته