
كلما شرعت بكتابة قصة جديدة راودتني هذه الأسئلة : أبطال القصص التي نكتب عنهم ، هل
لهم وجود ، يحيون في زمن ومكان ما من الأرض.؟ وهل إن الأحداث التي نسردها بشأنهم ،
حدثت حقا.؟ وهل نحن " الذين نكتب " لسنا سوى وسطاء ، مسخرين بقوى خفية ، لتسطير
حكاياتهم.؟ حتى التقيت ، ببطل قصتي التي شرعت بكتابتها ذات ليلة ، وجها لوجه ، حين
اطل علي من زمن يرقد طي ثنيات تاريخ منسي ، قادما من مكان ربما أندرس وأصبح أثرا
بعد عين ..
أيام من المعاناة عشتها ، وأنا احمل فكرة قصة في ذهني كنتوء صغير. فكرة راحت تنمو
وتنمو ، مثل بذرة في تربة . وتنتفخ شيئا فشيئا بمرور الوقت ، وينتفخ معها رأسي ،
حتى اكتملت خيوطها . وتحددت شخوصها ومسار أحداثها ، فأردت أن اسطرها على الورق .
دخلت غرفتي ، وأوصدت الباب ورائي وجلست إلى طاولتي . كان الليل قد فتح مظلته
العملاقة السوداء ، ليضم تحتها الوجود . بعدما انسحبت الأحياء إلى جحورها و توقفت
الحركة وهمد الصخب ، فعم الصمت والسكون . فليس ثمة سوى أصوات كائنات الليل من
حشرات الأرض وحيواناتها الصغيرة ،تأتيني من الخارج ،تتردد في جو الغرفة ، وتطرق
سمعي . كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل وكنت أقلب أوجه قصتي المفترضة ، وأحاول أن
أجد لها بداية تشد القارىء من أول وهلة ..اقترحت لنفسي بدايات عدة . ثم عدلت عنها .
وقررت أن أضع لها الخطوط الأولى قبل إن اشرع بسردها. فكتبت على الورق ، أمامي ،
الأسطر التالية : عايد الغضبان شاب واسع الذكاء يعمل حمالا في سوق الخشب .. مديحة
فتاة في العشرين دافئة المشاعر جميلة ربة بيت مطلقة تعاني من اضطهاد أخوتها .. عايد
الغضبان ، يحب مديحة ابنة محلته .. العجوز خصباك من ملاك البيوت والدكاكين ، يسعى
للزواج من مديحة ، مستغلا عوز عائلتها .. عايد يجاهد من اجل الفوز بحبيبته لكنه
يظل ينتظر معجزة تحقق له ما يصبو إليه .. ووضعت قلمي جانبا وأطرقت برأسي ، متأملا
ما كتبت محاولا أن أرى ببصيرتي مزيدا من تفاصيل القصة وأتخيل ملامح شخصياتها وأستشف
أفكارهم وأصغي لخفق أفئدتهم وأحس بأنفاسهم التي تتردد في صدورهم ، كنت غائبا بحواسي
عما حولي .وإذا بي أسمع صرير الباب وهو يفتح ، وشعرت بخطوات فوق أرض الغرفة . رفعت
رأسي فزعا ، فرأيت شابا معتدل الطول ، يميل إلى البدانة ، يرتدي جلبابا مغبرا
وحزاما من الجلد ويعتمر في رأسه كوفية حال بياضها إلى سمرة فاقعة كان يسير بخطى
متلكئة . ثم توقف أمامي فتطلعت إليه بخوف ، لأستبين ملامحه كان شاحب الوجه كالأموات
، زائغ النظرات . قال بصوت أجش كأنه مرجع من عمق زير:
ـ
أتعرفني .؟
وألقى بجسده على المقعد ، بمحاذاة طاولتي .
ارتجف صوتي وأنا أجيبه : ـ كلا .
قال: ـ أنا عايد الغضبان ..
ظننت أنني أتخيل ، وقد عقدت الدهشة لساني ، واصل قائلا :
ـ
طرق الرعد بوابة عالمي الغامض وحين رفعت عني الحجب نبهني البرق وأفقت . فسمعت
الأشجار والعصافير ومياه النهر تتناقل أخبارا عن رجل قرر إن يروي حكايتي للآخرين .
وبما إن ما يود سرده خلافا للواقع ،فقد جئت لأروي اصل الحكاية وأبين ما جرى حقا .
بدا لي كشبح وهو يجلس جامدا ساهما ، يصوب نظره إلى شيء لا أراه.
تنهد بعمق وقال : ـ الحكاية حصلت قبل أكثر من سبعين عاما .
وصمت طويلا حتى ظننت انه جاء يبلغني هذا وينصرف ولكنه عاد يتكلم :
ـ
أحببت مديحة ، مثلما أحبتني . وكنت أعمل سمسارا في سوق الخشب أوفق بين الزبون
والتاجر وأسهل عملية البيع والشراء بينهما ، مقابل مبلغ بسيط احصل عليه ، ولم أكن
حمالا . أما خصباك ، الذي ذكرته فقد كان ابو مديحة..فمديحة ابنته الوحيدة المدللة
بعدما مات شقيقها الذي يكبرها غرقا . ولم تكن مطلقة ،كما تنوي سرده، والصواب إن
مهووسا تقدم لخطبتها وحين رفض ابوها طلبه راح يشيع بأنها تحب عايد الغضبان . وراح
الغضبان يقص لي الحكاية بطريقة غريبة ، كما لو يستحضر أرواح من ذكرهم من البرزخ
الذي حشروا فيه بانتظار قيام الساعة ، فيجفل بين الحين والآخر ، ويتوقف متذكرا
مافاته من تفاصيل ، ثم يواصل فيخبرني عن أهل المحلة الأخيار الذين تناخوا وساروا
شفيعين له عند ابي مديحة حتى رضي به زوجا لها. كان الوقت يجري بيننا ، وتشعب به
الحديث ، عن أيام زمان سالف ، وعاداتهم وأحوال معيشتهم حتى فرغ من سرد حكايته . في
هذه الأثناء كانت الظلمة قد بدأت تتحلل وتذوب ،وتنقشع تدريجيا. وبدا الفجر يتنفس
وينشر ضوءه الفضي . عندها التفت ضيفي إلى ناحية النافذة وحدق في الفراغ بقلق بدا
على ملامح وجهه . وهب واقفا واستدار وخطا نحو باب الغرفة وقبل إن يجتازها اختفى
بلمح البصر .. لبثت في مكاني مذهولا ، غير مصدق عيني ..
في
الليلة التالية جلست إلى أوراقي وكتبت : ألا فليعلم القارىء أن شخوص القصص التي
نكتبها ، لهم وجود . في زمن ومكان ما من الأرض. وإن الأحداث التي نسردها بشأنهم ،
حدثت حقا. وما نحن ، إلا وسطاء ، مسخرين بقوى خفية ، لتسطير حكاياتهم . ثم رحت أدون
الحكاية حسبما رواها لي بطلها ، ليلة الأمس .