
صباحا أقف وسط حديقتي والقي نظرة على أورادها الملونة،وأتذكر تلك اللافتة التي
بواجهة مبنى من طابقين الى جانب صف من اللافتات طالما أراها في رواحي وغدوي"أفكار
الورد ـ طبيبة أسنان" واقترب من ورد ألجوري القاني اللون،والأبيض والأبيض المشوب
بالحمرة ، والقرنفل بألوانه الأحمر والأبيض والأصفر،والياسمين فأتلمس أوراقها
واحدة واحدة وأضمها بين أصابعي بحنان وأعكف على شم عطرها الزكي ،فتنتعش أنفاسي وأحس
بصدري يتسع حتى يصبح بوسع المدى. وأحاول أن ارسم صورة لتلك الطبيبة الأنثى" أفكار
الورد" فأتخيلها رقيقة ناعمة الجسد تذوب أنوثة،ذات شعر كستنائي،وعينين شهلاوين
ترتسم في نظراتها براءة الطفولة،وفم صغير مرسوم بدقة تنفرج شفتاها عن ابتسامة تكشف
عن أسنان كحبات الثلج, وأود أن أراها، وابحث عن سبب يمكنني من زيارتها، فلا أجده
،فانا لم اشك من وجع الأسنان منذ زمن بعيد، ولا اعرف أحدا تربطني به صلة يشكو منها
لأتخذه ذريعة ،لذا أرى أن لاشيء يصلني بها سوى ذلك الخيال الجامح الذي يثيره منظر
الورد في حديقتي وتلك اللافتة التي أمر بها كل يوم ..
حتى استيقظت ذات ليلة على وجع في ضرسي ورأيتها في الظلمة تبحث عن أدوية منسية في
أدراج منضدتي في الغرفة ودولاب ملابسي ،والمطبخ حتى هدأ الألم،فاختفت..
وغفوت عند الفجر ، وحين استيقظت دخلت حديقتي أتفحص أورادي الجميلة وأنا أتخيلها تقف
بينها.. وفي الليالي التالية، تكرر الألم حتى صار يعاودني كلما ضمني الليل
والفراش، لذا قررت زيارتها..وفي طريقي إليها فسرت عدم فعل ذلك بعد تلك الليلة
الأولى الموجعة هو رغبتي في أن احتفظ بصورتها في ذهني كما رسمتها لها..في العيادة
وبعد انتظار أعلمتني السكرتيرة إن دوري قد حان،فعلت ذلك ثم هبت من مكانها وراحت
تتقدمني وتفتح لي باب غرفة الفحص فدخلت. ولم أتخل عن حلمي في أن أرى الطبيبة التي
شغلت خيالي، في مكان ما من الغرفة رغم أنني أقف أمام امرأة عجفاء في الستين،مهملة
الشعر والهيئة ،تستقر فوق أرنبة انفها نظارة ذات إطار فضي ، ترتدي رداء ابيض تقف
منحنية على منضدة صغيرة، ما أن أحست بوجودي حتى رفعت رأسها وهي تأخذ نفسا أخيرا من
سيجارة بيدها وتطفئها بمنفضة زجاجية على المنضدة.أشارت إلي بالجلوس على كرسي العلاج
وهي تبتسم :
ـ تفضل ..
فبدت أسنانها صفر من أثر التدخين .جلست وأنا ابحث في ذهني عن تلك المرأة
فاتنتي،فلم أجدها ،عندها فقط بدأت صورتها تتحلل في مخيلتي كورقة سقطت في بركة ماء.
قلت بنبرة متسائلة:
ـ أفكار الورد..!!
فابتسمت ثانية وقالت :
ـ أفكار عبد الحميد الورد...
وسحبت مصباحا كبيرا معلقا فوق رأسي وجعلت ضوءه يسقط على وجهي ثم رأيت يدها تمتد الى
زجاجة فيها محلول معقم انتشلت منه آلة أدخلتها في فمي وأخذت تتفحص أسناني وهي تواصل
حديثها :
ـ كان أبي رحمه الله مولعا بالقراءة .. كان يقول دائما "الأفكار هي الإنسان" كما
علمني أيضا إن لكل ما يحيطنا أفكارا. الوجود يزدحم بالأفكار، وكما للإنسان فالحيوان
أيضا له أفكاره وكذلك النبات،وذلك ما أكده العلم مؤخرا .حتى الجماد له أفكار،خذ
مثلا ذلك القدح الذي تركته في زاوية من مطبخك،وتخيل بم يفكر هذه اللحظة.!! قد يكون
منشغلا بالتفكير بمغامرة مقبل عليها في جلسة شاي،عند المساء أو تراه يفكر بالضجر
الذي ينتابه بسبب الانتظار. وسألتني سؤالا عابرا عن موضع الألم ، فأشرت إليه وأطفأت
المصباح الذي صار يزعجني..
قالت بحسرة:
ـ كنت أتمنى دراسة الفلسفة..ولكن..
وصمتت لحظة كأنها تتذكر ثم واصلت بحزن :
ـ إيه .. حكاية طويلة..
وابتعدت قليلا واستلت سيجارة من علبة فوق المنضدة ،وأشعلتها ورفعت بصرها نحو السقف
وهي تنفث الدخان في فضاء الغرفة:
ـ لا فائدة من ضرسك ،التسوس أتى على ثلثه.
وأردت أن ابدي بعض الرأي إلا إنها سحقت سيجارتها في قلب المنفضة ودون أن تسألني
شرعت تغرس في داخل فمي إبرة المخدر ،وعادت تشعل المصباح بوجهي،وتجهز بكلابتها على
الضرس الذي طالما ارقني،وتعرضه أمام ناظري وحاولت أن اشكرها إلا إن الخدر كان قد
نال من شفتيّ،فجاءت كلماتي مشوشة.فتحت لي باب الغرفة،وقبل أن أغادر ذكرتني إن بعض
أسناني يحتاج الى العلاج..
تلك الليلة ،وضعت خدي على الوسادة ونمت نوما هانئا بعد ليال من الألم ألممض وأنا
أفكر بكل كلمة قالتها ،وابتسم .. في اليوم التالي استيقظت باكرا ودخلت
الحديقة،فرأيتها هناك عبقا فريدا لم أألفه من قبل يفوح بين أغصان الورود ,دنوت منها
وهمست:
ـ ترى بم يفكر الورد.؟
فلم اسمع ردا.