مخصصة لموقع (الكاتب العراقي.)
-1-
في زماننا، كانت الحياة بسيطة وسهلة لا تتطلب الكثير ممن يحياها والناس يحيون
حياتهم راضين بها رغم المشاكل والمتاعب والتقلبات التي تكتنفها أحيانا وتنعكس على
حياتهم اليومية. كانوا يتكيفون لواقعهم ويأتلفون معه لأنه لم يكن واقعا صعبا وقاسيا
إلى درجة لا يمكن مواصلة الحياة معه. وكانت طيبة الناس وبساطتهم وسهولة أخلاقهم
وروح التعايش وحب التسامح بينهم صفات وسمات سهلت لهم ان يعيشوا أغلب أوقات حياتهم
مرتاحين، بلا أحقاد ولا ضغائن ولا كراهية ولا عداوات. وكانوا يمضون يومهم بلا خوف
مما سيأتي به الغد ويحيون حياتهم بلا خوف مما سيأتي به المجهول في قابل الأيام.
وكان مجتمع الناس مجتمعا محافظا؛ له تقاليده وعاداته وأخلاقه، والعائلة فيه عائلة
متماسكة، متعاونة، يُحترم فيها الأب وتكون له كلمته في البيت وتُحترم الأم ويحترم
الصغير الكبير ويحنو الكبير على الصغير. كان الناس على اختلاف أصولهم ودياناتهم
ومذاهبهم وعقائدهم وقومياتهم يحيون معا في المدينة الواحدة والمنطقة الواحدة
والمحلة الواحدة بلا نعرات طائفية ولا تنابز بالألقاب. ونادرا ما كان يحدث ان يُعير
الإنسان بأصله وفصله في المعارك والشجارات التي تقع في المحلة الواحدة. كانت يحدث
ان نساء المحلة، والجهل والتخلف قد فشى بينهن، يتعايرن أحيانا بالأصل والفصل والحسب
والنسب حين يحدث شجار بينهن بسبب مشاحنات الأولاد الصغار وهم يلعبون. أما الرجال
فلم يكن بينهم شيء من هذا إذا ما حدث وتشاجروا أو تخاصموا او تعاركوا مرة في أي
مكان.
كان ينظر بين حين وحين إلى كوب الشاي الموضوع على الطاولة أمامه دون ان يمد يده
ليتناوله.
" عمي اشرب الجاي قبل ما يبرد " قال عادل مشيرا إلى كوب الشاي. كانوا يجلسون في
صالة البيت، الشقيقان عادل وسلام وهو، (ابو ذكرى،) رجل في السبعين من عمره أو هو
أقرب، جاء إلى الدار ليصطحب صديقه القديم (أبو عادل،) والدهما، الى مجلس فاتحة يقام
على روح أحد الشباب من أبناء المحلة. لم يكن جو الصالة باردا ولكن الرجل كان منكمشا
على نفسه قليلا. تحرك عادل وأدنى المدفأة منه فشكره. كان سلام يستمع إليه، شاحب
الوجه والحزن باد عليه.
" أشكرك " قال أبو ذكرى. " آني أشرب جاي بالأستكان متعلم من زمان ما عندكم
أستكانات بالبيت " سأل.
" نعم عمي والدي مثلك يشرب بالأستكان " أجاب عادل.
" إنتو بالبيت هم تشربون شاي بالاستكان " سأل باهتمام.
" الوالدة تشرب بالأستكان عمي "
" شرب الجاي بالأستكان إله طعم بي نكهة "
" صحيح "
" منو منكم يشرب الجاي بالأستكان " سأل بلطف وتنقل بعينيه بين عادل وأخيه سلام.
" آني عمي مرة أشرب بالأستكان ومرة بالكوب " أجابه عادل، الأخ الأكبر. كان سلام
يجلس إلى جانب أخيه، بعيدا عنه قليلا، منقبض النفس.
" والسيد سلام "
نظر سلام إلى الرجل قبل ان يجد نفسه مضطرا للكلام. " بالكوب " أجاب باقتضاب.
" وحضرتك تشرب الشاي بالأستكان مرة ومرة بالكوب ها " سأل عادل مرة أخرى.
" مرة بالأستكان ومرة بالكوب نعم "
" شرب الشاي بالأستكان إله نكهة بي طعم "
" صحيح عمي "
" تأخر والدك " قال بعد صمت.
" والله ما أعرف شنو السبب عمي "
" اتفقنا اليوم الصبح نروح للفاتحة كال تعال لي للبيت العصر حتى نروح سوه تأخر
أخاف يصير المغرب وتظلم الدنيا تعرف الوضع مو زين ماكو أمان "
" صحيح " قال عادل. " يجوز تأخر بسبب ازدحام المرور وقطع الشوارع والسيطرات
والدوريات العسكرية الأمريكية والعراقية "
وتململ سلام في جلسته.
" وضع ما ينحمل أبدا غير طبيعي " قال متذمرا.
" صحيح " قال أبو ذكرى. " بزمانه إحنه ما كانت هذه الأشياء موجودة "
" هذه شوكت عمي " سأله عادل.
" بزمن الملكية " أجاب بسرعة وبثقة.
" عمي يعني بزمن الملكية خاصة بزمن نوري السعيد كانت الاوضاع السياسية
والأجتماعية طبيعية ما كان بيها مشاكل "
" بالنسبة لهذا الزمن طبيعية جدا "
" وزمن عبد الكريم قاسم عمي "
" عبد الكريم قاسم كان زعيم وطني وشجاع لكن من بعد ما رادو البعثيين يغتالو سنة
1959 تخاذل وتراجع ومن ذاك اليوم العراق ما شاف لا استقرار ولا أمان إنتهى " قال
( ابو ذكرى) وكأنه يقطع بحقيقة شيء. وهز رأسه، وبقي صامتا لفترة قبل ان يقول منتبها
إلى حضوره أمام الشقيقين. " الوالد تأخر "
" والله ما أعرف عمي " قال عادل.
" ها يابه ..... " قال أبو ذكرى وكأنه يستأنف كلاما سابقا، ملتفتا إلى عادل وأخيه،
موزعا نظراته وحديثه بين الأثنين..
في زماننا، كان الموت يُعد أمرا غير عادي، فجيعة تحل على الأهل الذين يفقدون واحدا
منهم، رجلا كان أو إمرأة، كبيرا أو صغيرا، معافى او مريضا، غنيا او فقيرا، طيبا أو
رديء الأخلاق. تبكيه النساء؛ تبكيه بحرقة وتشق الصدور بلا تحفظ وتلطم الوجوه حتى
تحمر وتشد الشعور وتضرب الأفخاذ. ويبكيه الرجال، بعضهم يبكيه بصوت عال متجاهلا ان
يراه الآخرون بمظهر الضعيف. ويطول الحزن عليه وتبقى ذكراه حية في القلوب والعقول،
تتجدد كل سنة، ويُزار قبره بين حين وحين أيام الجمع. وكان الأقارب يشاركون أهل
الميت في فقدهم لميتهم الذي صار عزيزا بعد موته؛ يُظهر الرجال حُزنا شديدا ولا
يتردد البعض منهم بالبكاء قليلا، وترتفع أصوات النساء بالعياط والبكاء لحظة ان
يلتقين النساء من أهل الميت ويبدأن بمشاركتهن في لطم الوجوه والصدور. وكان الأصدقاء
والمعارف يحضرون مجلس الفاتحة الذي يقام على روح الميت ليعزوا ويأخذوا من خاطر أهله
ويجلسوا ليقرأوا سورة الفاتحة. وكان مجلس الفاتحة مجلسا تُقدر فيه مظاهر الحزن
وتُحترم فيه الشعائر الخاصة به؛ فيه يتصرف المعزون حسب ما يقتضيه المقام، فالحزن
يعم الوجوه والصمت يسود المجلس وطريقة الجلوس تُظهر آدابه وما يجب ان يراعى فيه في
مثل هذه المناسبات. وكانت ذكرى الميت تبقى في ذاكرة الاصدقاء والمعارف لفترة طويلة
تدل على احترامهم إذا كان الميت كبير السن وأسفهم إذا كان شابا وحبهم إذا كان فتى
وعطفهم إذا كان صغيرا. وكانت المحلة التي يقوم فيها دار أهل الميت تعيش لأيام عديدة
جوا حزينا وصامتا احتراما للميت وأهله.
نظر إلى إستكان الشاي الذي أحضره له سلام حسب طلبه، وبدأ يدير الملعقة الصغيرة
بسبابته وإبهامه وقد انفرجت أساريره. وراح يرتشف الشاي رشفة بعد رشفة ويبالغ في مص
ما يرتشف منه بشفتيه ويبقيه في فمه قبل ان يشربه. ويتوقف، ماسكا الأستكان بيده،
معلقا في الهواء، قبل ان يبدأ مرة أخرى العملية نفسها، حتى إذا ما فرغ من شرب الشاي
أعاد الأستكان إلى مكانه في الصحن الصغير على الطاولة.
" تشرب إستكان جاي ثاني عمي " سأله عادل.
" إي والله أشكرك " قال. " آني أشرب جاي هوايه بالشتا لأنه يدفي البطن " وأشار
بيده إلى بطنه. " ها يابه ....." قال وكأنه يستأنف كلاما سابقا.
كان الشقيقان يستعدان لسماع الرجل، صديق والدهما القديم، عندما رن جرس الباب
الخارجي. نهض سلام، وبعد قليل سمعه عادل يجيب على إستفهام والدته.
" حضر الوالد عمي " قال عادل.
" الحمد لله "
++++++++++
شاهد لأول مرة وهو يذهب في ذلك الصباح لشراء صمون للفطور جثة مرمية على مزبلة تقوم
عند رأس المحلة المجاورة. كانت الجثة لرجل متكور على نفسه بكامل ملابسه وإلى جانبه،
قريبا من رأسه، بركة دم جامدة. هبط قلبه وسرت حرارة في جسمه، ومشى إلى فرن الصمون
ومشهد الجثة يتقدمه. وعاد إلى البيت والمشهد يلح على خياله.
" هاي أول مرة تشوف جثة شخص ميت " سأل عادل أخاه.
" اول مرة اشوف قبل كنت اسمع منك "
في ذلك اليوم، وكان قد مر على احتلال القوات الأمريكية بغداد ما يقارب السنتين،
كنت أقود سيارتي الصغيرة على الطريق السريع قادما من مدينة (البياع) ذاهبا إلى محل
عملي في المكتبة الوطنية عندما شاهدت لأول مرة جثة شخص مرمي في وسط الشارع. لم
أتبينه من بعيد، وخطر لي أنها جثة حيوان، كلب او قطة، قد دهسته إحدى السيارات
المسرعة كما يحدث عادة. كان سائقو السيارت أمامي يتفادون الشيء المدد وسط الشارع
بالابتعاد عنه قبل مسافة كافية. وفعلت مثلهم. صُدمت لمشهد الجثة مددة وسط الشارع
وكدت انحرف بالسيارة واصطدم بالجدار الكونكريتي الممتد على طول الخط السريع وأنا
أمر بها وأمعن النظر فيها مذهولا. بعدها بأيام قليلة مررت في الصباح بمشهد آخر لجثة
مرمية على جانب الطريق. وبعد أيام أخرى مررت بمشهد ثالث. شاهدت جثتين مرميتين،
الأولى وسط الطريق والأخرى على جانبه. كان سائقو السيارات المارين على الطريق
السريع قد تعودوا، كما يبدو، على هذه المشاهد وقد مروا بها من قبل. كانوا يمرون في
الصباح بالجثة ويبتعدون عنها بكل مهارة، غير مبالين بها، ذاهبين إلى اعمالهم. لم
يكن عليهم سوى ان يتحاشوا الجثة او الجثتين المرميتين وسط الشارع أو على جانبه دون
ان يتوقفوا وهم يدخنون، ربما، او يتحدثون مع من يكون راكبا معهم. لم يكن عليهم سوى
ان يقطعوا أحاديثهم أو ضحكاتهم، إذا كانوا مستغرقين في حديث أو ضحك، ريثما يمرون
بالجثة او الجثتين، مبتعدين عنهما متحاشين المرور فوقهما، ثم يواصلوا طريقهم
ويستأنفوا ما كانوا عليه من حديث وضحك بعد ذلك. لم يكن أحد يتوقف ليرى ما الذي حدث
او ليسحب الجثة من وسط الشارع ويمددها إلى جانبه ريثما تأتي الشرطة لحملها، إما
لأنهم يخافون ان يتوقفوا بسبب خطورة المنطقة التي يمر بها الطريق السريع أو لأنهم
لم يكونوا يبالون بما يمرون به من جثث بين يوم وآخر لأنهم تعودوا على مشاهدتها.
وكنت أعود من عملي بعد الظهر فأرى ان الجثة قد حُملت من قبل دوريات الشرطة او الجيش
العراقي او الدوريات الأمريكية التي تروح وتجيء صباحا ومساءا على هذا الخط السريع
أو تمر به ذاهبة إلى قواعدها او آتية منها.
" عليك ان تتعود على هذه المشاهد هذه المشاهد تحدث هذه الأيام في كل مكان من بغداد
" قال عادل.
" ومتى تنتهي هذه المشاهد، برأيك " سأل سلام أخاه.
" ما أدري حقيقة الوضع معقد جدا "
++++++++++
ذهب (ابو عادل) وولداه عادل وسلام مع صديقه القديم (ابو ذكرى) إلى مجلس
الفاتحة. كان المتوفي شاب قُتل في حادث انفجار سيارة مفخخة حدث قبل يومين في منطقة
(الكرادة/داخل) عندما كان عائدا من كليته في (الباب المعظم) بعد الظهر.
" سمعت المرحوم كان صديقك صحيح " سأل أبو ذكرى سلام وهم في الطريق.
" اعز صديق كان عندي عمي " قال سلام بنفس مقبوضة وهو يسير، عيناه في الأرض.
" كانوا يلعبون بالمحلة وهم صغار " قال والد سلام.
" الله يساعد اهله " قال صديقه القديم. " عند اخوة " سأل.
" لا " أجاب عادل.
" بس هو عند اهله "
" نعم "
" الله يساعد والدته والده "
كان الحزن والتعاطف باديا على وجوه الجميع عندما اقتربوا من باب المسجد. وعند
المدخل وقف رجال على شكل صف يستقبلون المعزين القادمين، أولهم كان الوالد المفجوع
بولده الشاب. ورغم ان مجلس الفاتحة كان في يومه الثاني إلا ان حضور المعزين كان
قليلا، ولم ير سلام من أهل محلته إلا القليل من الوجوه التي يعرفها. كان قسما من
المعزين يجلسون متفرقين هنا وهناك وقسما آخر يجلسون على شكل مجموعات صغيرة تتألف من
ثلاث أو أربع معزين، راحوا يتحدثون فيما بينهم احاديث لاحت على وجوه بعضهم وكأنها
ليست لها علاقة بالمناسبة الحزينة. كان أحد المعزين في مجموعة تجلس في مواجهة عادل
وسلام يحدث الآخرين معه بصوت خافت ولكنه مسموع، مادا عنقه إلى أعناقهم الممدودة إلى
عنقه، حديثا كلما وصل إلى جانب منه اشترك الجميع في ضحك مكبوت ولكنه ظاهر للجميع.
وبعد قليل دخل احد المعزين الى مجلس الفاتحة، سلم ثم ذهب ليجلس لوحده في مكان قريب
من مجلس (ابو عادل) وولديه وصديقه القديم. وبعد ان انتهى من قراءة سورة الفاتحة رحب
به المعزون كالعادة: الله بالخير، فرد على الجميع: الله بالخير اغاتي، رافعا يده
فوق جبهته عدة مرات، كما هي العادة والتقليد. ولم يمض وقت طويل حتى نهض احد المعزين
من مكانه وتقدم من الرجل، طلق الوجه، مبتسما إبتسامة عريضة.
" سلام عليكم ابو محمد يابه هاي شنو بس بالمناسبات نشوفك " هتف قائلا.
ونهض الرجل مرحبا به، مبتسما إبتسامة مبتسرة، متكلفا احترام المناسبة. " اهلا ابو
جاسم شلونك عيني " وتعانقا وتحاضنا وتبادلا القبل على الخدين.
" الحمد لله انت شلونك والله مشتاق لك لا تسأل لا تكول " قال ابو جاسم
" والله شنسوي هي هذه الدنيا تخلي الواحد يسأل عن الثاني" قال ابو محمد.
وجلس الأثنان يتحدثان ويبتسمان بين الحين والآخر.
إلتفت (ابو عادل) إلى ولده سلام فجأة. " هاي شبيك بابا "
" بابا نفسي تلعب اريد اتقيأ " قال سلام. " راح اطلع بره "
" راح نطلع كلنا روح انت اول واحنا جايين وراك " قال والده.
" رحم الله من قرأ سورة الفاتحة " قال (ابو عادل) موجها كلامه الى المعزين. وقبل
ان ينتهي من القراءة نهض عادل ولحق بأخيه سلام، قلقا عليه.
" آني صرت مثلك عادل نفسي تلعب من كل شي " قال سلام بصوت ضعيف ومنكسر واقفا امام
مغاسل الوضوء.
" ما تلعب نفسي من كل شي بعض الأشياء ما تلعب نفسي منها " قال عادل. " ذبيت من
راسك " سأل أخاه.
" لا بس نفسي تلعب مثلك "
" اغسل وجهك مرة مرتين وتنفس بعمق، هسه ترتاح "
غادروا مجلس الفاتحة، وفي الطريق سأل صديق الوالد القديم. " ليش نفسك لعبت إبني
سلام لازم استبردت من طلعنا من بيتكم "
" ما ادري والله عمي "
" بابا عادل وصل عمك ابو ذكرى لبيتهم " قال الوالد.
" لا لا بعد الدنيا ما ظلمت اكدر اروح وحدي " قال (ابو ذكرى) ثم توقف ليودعهم. "
عندك العافية يابه سلام " وأستدار ليمضي في طريقه. وقبل ان يتحرك إلتفت إلى الخلف.
" ابو عادل عيني كلهم بالبيت يسووله شويه ورد وخلي يشربه بالأستكان هسه يصير زين
" قال ثم مشى. وقبل ان يبتعد كثيرا إلتفت إلى الوراء. " لتخاف ابني سلام هاي انت
مستبرد كلما تلعب نفسك خلي بالبيت يفورولك ورد واشربه بالأستكان راسا تصير زين
وترتاح " قال ابو ذكرى، رافعا صوته قليلا.
ahmedjassimalali@yahoo.com