لقد فرض منطق الجهلة و الماضويين نفسه من جديد ، حيث يتجدد كل مناسبة .
كنا قد حذرنا قبل الانتخابات من سيطرة (منطق العشيرة) على العملية
السياسية بامتياز ، كما كنا قد اشرنا الى ذلك في سلسلة نقدنا للمجتمع
الكوردي . اسمحوا لي ان اصف الذي حدث بانه قرف يدعوا للاشمئزاز ، لقد
اندفعت جموع الناخبين لاختيار ابناء عشائرهم كائنا من كان مؤهلا ام
ناقصا للاهلية السياسية . بل الاحاديث التي تجري يتقيئ منها كل حريص
على وحدة و مصلحة (الوطن) ، ان الوقاحة دفعت بالبعض الى القول ان
عشيرتنا في المقدمة و العشيرة الفلانية تلينا و مرشحنا متميز لانه من
العشيرة (الفلانية) ، و عار عليك ان تصوت لغير ابن عشيرتك . . ايها
القارئ ارجوك استفق معي ولوا لبرهة و تأمل العالم الخارجي ، حضارات ما
بعد الحداثة !! ،
ثم دعنا ننغمس في وحل تخلفنا و ظلمة تفكيرنا من جديد .
ان ما يؤسفني هذه المرة
(مرشح خاسر) ، خسارته دفعتني للكتابة ، انه التحق قبل اكثر من 25 سنة
بقوات البشمركة ولا زال مستمرا في اداء واجبه الوطني ، تذيل القائمة
ليس لشيئ سوى انه لا ينتمي الى (عشيرة) ، ليس له عصبية عشائرية !! .
لقد ضاعت سنوات نضاله الطوال سدى دون تقدير في أعيين هؤلاء الذين قدم
التضحية لاجلهم . ان مجتمعا لا يقدر مناضليه و لا يراهم اهلا لثقته محل
استفهام كبير . لو خسر هذا المرشح امام منافسين اكادميين مختصين في
مجالات مختلفة ، لقلنا انه تحول من عقلية الثورة الى عقلية الدولة ، و
هذا لاباس به ، ولكنه حاصل على شهادة البكالوريوس في القانون (بعد
الانتفاضة) شانه في ذلك شان المرشحين الاخرين الحاصلين على البكالوريوس
في مجاله او مجالات اخرى .
دعونا نعيد الذاكرة الى
ايام قليلة خلت ، كيف استشاط الكوردستانيون غضبا عندما استخف احدهم
بقوات البشمركة ، هل كان ذلك مجرد رياء ؟ ام صدر الموقف عن ادراك ثم
اصرار ؟ . اذا كنتم لا تصوتون للبشمركة و تسخرون منه بهده الطريقة في
الانتخابات ، فما الذي يدفعكم الى الدفاع عنه قبل الانتخابات ؟ . هذه
اسئلة موجه الى الكوردستانيين الذين لم ينصفوا البشمركة حقه ، بسبب
تعبدهم لصنم العشيرة وخنوعهم لعبادة الأسلاف وعدم انعتاقهم من الماضي .
لقد وصلت شخصيا الى
مرحلة اليأس و لم اعد اتأمل خيرا من هذا المجتمع المتترس خلف قلاع
التخلف والتحجر ، فلا يمكن اصلاحه لا من خلال المثقفين و لا من خلال
الصيرورة الاجتماعية ، بل لابد من تدخل السلطة ، وهي(السلطة) قادرة على
اصلاح هذا الخلل المشين على مراحل ، وقد ثبت ذلك في هذه الانتخابات
بالذات ، عندما رشح احد الارستقطراطين نفسه في قائمة مستقلة ، وعلى
الرغم من عصبيته العشائرية القوية ، الا انه فشل فشلا ذريعا ، لان
كوادر حزبية موجهة عملت ضده و ضيقت عليه الخناق . لعلي هنا اقتربت من
فكر محمد عبده (انما ينهض بالشرق مستبد عادل) ، ليس ايمانا بفكره وانما
يأسا من الواقع . ولكن اذا كان اختيار الاحزاب لمرشحيها يتم على اساس
(منطق العشيرة) و منطق التوازنات العشائرية ، فمن يصلح الامر ؟ .
في النهاية ، فقط لتعزيز
و تطعيم فكرتي استشهد بالباحث و المفكر العربي هشام جعيط في وصفه
للواقع العربي (ان الدولة العربية ما زالت لا عقلانية ، واهنة ، و
بالتالي عنيفة ، مرتكزة على العصبيات و العلاقات العشائرية ، على بنية
عتيقة للشخصية ) . لوا استبدلنا هنا داخل القوس كلمة الدولة بالمجتمع ،
فكأنه يصف مجتمعنا الكوردي . وعلى هذا الأساس فنحن مخيرون بين الماضوية
والحداثة ، فهل نغفوا من سباتنا العميق ؟ .
ئارام باله ته ي
ماجستير في القانون
aram_balatay@yahoo.com