ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

 

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

 
 

ئارام باله ته ي

ئارام باله ته ي

 نقد المجتمع الكوردي 1-3

 

 

                               نقد المجتمع الكوردي

                          الحلقة الاولى (ثورة من اجل فكر جديد)     

                                                                             (من حقنا ان نثور على الرجعية) ماوتسي تونغ

 

بعد ان استعرضنا من قبل في اربع حلقات متسلسلة (نقد العقل الكوردي ) ، والقينا الضوء على حقبات مهمة من التاريخ الكوردي منذ لحظة ولادة ( امبراطورية ميديا ) الى العصر الراهن ، و قمنا بتشخيص مكامن الخلل و نقاط الضعف في عقلية الانسان الكوردي وما الت اليه النتائج جراء ذلك العقل المريض . رأينا هذه المرة ان نتعمق اكثر في دراسة المجتمع الكوردي ونبحث في البنية التحتية الاجتماعية التي افرزت هذا العقل ، وفي الحاضن الاجتماعي المسبب لكل هذا الاضطراب سواء في الماضي او حتى في واقعنا المعاش. لا بد ان نعترف ابتداءا ان الخلل واقع في المجتمع و نقر بعجزه في التطور و اقامة الوحدة .  لنعيد النظر في الاسس التي انبنى عليه هذا المجتمع ونتحمل المسؤلية الكاملة من اجل بلورة مجتمع جديد قائم على اسس اخرى حيث الاسس القديمة ثبت فشلها ، لذلك لابد من اعادة صياغة المجتمع لكتابة تاريخ مختلف عن فصول الماسى والشقاق الذي كتبناه بحبر عقلنا المريض و يد مجتمعنا المختوم بافة الشقاق و تبعية الاجنبي .... لقد حان الوقت ان نعمل بجد وصدق من اجل قضايانا وان نكف عن تحميل الاخرين مسؤلية فشلنا منذ سقوط (امبراطورية ميديا) الى الان. تلك حجة سخيفة بات لزاما علينا التخلي عنها .

اذن ، والحال هذا فنحن بحاجة ماسة الى (عقد اجتماعي) جديد ليس بين الحكام والمحكومين فحسب ، و انما بين سائر افراد المجتمع . تكمن حاجتنا في عقد يوسع من اطار دائرتنا الانتمائية من الاسرة والعشيرة الى اطار الامة المهيئة والمؤهلة لتكوين دولة ، حيث ان تسلسل الدوائر الانتمائية في المجتمع الكوردي يبدا من الاسرة المصغرة فالعائلة الكبرى (التي تضم الاعمام) ثم دائرة القرية فدائرة العشيرة ، و لم يرتقي ولاء المجتمع الكوردي بصورة شاملة و محسومة و طريقة عملية وارادة موحدة الى دائرة (الامة ، الوطن ، الدولة) منذ سقوط ( ميديا) و الى الان ، اذ يقول الباحث في التاريخ الكوردي (Wadie Jwadieh ) بأن ميديا ( كانت الدولة القومية العظيمة الوحيدة التي يمكن القول انها أقيمت بيد الكرد) .

نعم ، تولد الحس القومي ونمى الشعور القومي لدى الانسان الكوردي في بعض الفترات التاريخية بصور متفاوتة ، و تشكلت امارات و اشباه دول كوردية في التاريخ ، لكن المجتمع الكوردي لم يتحرك ككتلة متجانسة تحت قيادة واحدة على الرغم من ان لديه تاريخ مشترك و جغرافية مشتركة ولغة مشتركة و مصير مشترك و دم مشترك ... هنا يكمن اللغز التي نبحث عن فك شفرته و الذي بقي عصيا علينا منذ انطفاء النقطة الوحيدة المضيئة في تاريخينا (ميديا).. ربما كان الشاعر الفذ (احمدي خاني) قد بذل جهدا في هذا المضمار لكن الحاضن الاجتماعي و البيئة السائدة حينها لم تفهمه بما يكفي ، اذ اشتكى منذ القرن السابع عشر بصيحته المشهورة في ملحمة (مه م و زين)  ((اننا متفرقون دوما وعلى خلاف فيما بيننا ، ولا يخضع الواحد منا للاخر .. اما اذا اتحدنا جميعا ، فلن يستطيع هؤلاء (الفرس ، الترك ، العرب) الوقوف في وجهنا ..)) .

منذ ان ادلى (خاني) بدلوه في هذه النقطة المهمة التي يتوقف عليها مصير الامة الكوردية ، لم تتبلور نظريته الى واقع على الرغم من مضي ما يقارب الاربعة قرون عليها. لماذا لا يخضع الواحد منا للاخر ؟  لماذا نحن متفرقون ؟ ان هذه ليست اسئلة سطحية  بسيطة كما يعتقد البعض ، بل ان فيها فلسفة كاملة بحد ذاتها ، اذ الامر يحتاج الى دراسة عميقة للبنى التحتية لمجتمع لا يستطيع ان يتفق مهما كانت الظروف . (انه امر محير) . ما هو السبب؟.

 اني ادعو كل الاكادميين و المثقفين المختصين في هذا المجال الى القيام بدراسات (اركيولوجية)  نصل من خلالها الى معرفة العلة الحقيقية . وان كنت ارى بان المجتمع المبني على اساس الولاء للدوائر الانتمائية الصغرى (الاسرة ، العشيرة) لن يكون مصيره سوى الفرقة و الشقاق و لن يخضع فيه احد للاخر ، لان تفكير الانسان الكوردي لم يخرج من هذا الأطار الضيق بطريقة فعلية ، و دائما ما تكون مصلحة العشيرة قبل مصلحة الوطن (سنبين كيفية تكون هذه الولاءات في الحلقة القادمة) ،  و كم من ثورات كوردية فشلت بسبب عدم خضوع العشائر (المتكونة اصلا من مجموعة ولاءات اسرية ) لقيادة موحدة حيث لا يستسيغ الشخص الكوردي ان يحكمه احد من خارج عشيرته . و لذلك لازالت الاحزاب الكوردستانية تراعي هذه الحساسية اثناء توزيعها المناصب ، بحيث تخرج بنوع من التوازن بين العشائر ... ان هذا كله عكس سير التوجه نحو الدولة و عكس سير التطور بصورة عامة .

ان هذه الوضعيات الاجتماعية المعقدة تحتاج الى اعادة تشكل (reform) فكري للمجتمع . و كان بامكاننا السير في هذا المضمار بعد انتفاضة اذار 1991 ، لكننا للاسف افتقدنا للبوصلة حينها لنضيع بين الامواج المتلاطمة ، اذ ان الثورات والانقلابات الاجتماعية تحصل عادة لتجاوز القديم و بناء اسس جديدة لمواكبة الوضع الجديد ، لكننا تخلصنا من نظام (صدام حسين) و بقينا على ثقافتنا القديمة وعاداتنا البالية و تفكيرنا المتحجر ، في الوقت الذي لابد فيه ان تسبق حركة الفكر والتنظير الحركة السياسية ( عصر التنوير سبق الثورة الفرنسية ) ، لكننا لم نقم باية ثورة فكرية لا قبل الانتفاضة و للاسف لا بعدها .... اننا نعتقد ان جملة عوامل مهمة منعت المجتمع الكوردي من القيام بهذا التجدد الفكري اللازم .

1-     ان الحركة التحررية الكوردستانية كانت مكونة من عدة احزاب ، أي لم تكن لديها برامج موحدة ، هذا ان كان لديها اصلا برامج حقيقة فعلا ، ثم اشكالية السلطة ، من يحكم؟ فلجئوا الى خيارالانتخابات قبل ان يتثقف المجتمع بثقافة الديموقراطية وقبل ان يوسع المجتمع من اطار دائرته الانتمائية الى ما بعد حدود (الاسرة ، العشيرة) ، لذلك اضطرت كل الاحزاب الفاعلة الى مراعاة التراتبية الهرمية في المجتمع من اجل كسب اللعبة. اني اعتقد ان المجتمعات الراضخة تحت الاحتلال و التي هي في مرحلة الثورة لا تحتاج لاكثر من حزب واحد لتقوم (الانتلجنسيا) بفرض رؤيتها و تطبيقيها حتى يؤول الامر الى ما هو مخطط له مسبقا حيث ان المجتمع المتخلف يحتاج الى بث روح جديد فيه دون مراعاة اصحاب المصالح ليسير الركب نحو تكوين بنية ثقافية عصرية و التخلص من مخلفات الماضي (وما اسوء ماضيينا) دون الخوف من فقدان الاصوات الانتخابية ، ولتكن الديموقراطية في المرحلة اللاحقة للثورة الفكرية.

2-     ان برامج الاحزاب الكوردستانية كانت ذات صبغة ماركيسية ، وحينها كانت الماركيسية قد سقطت للتو بعد انهيارالاتحاد السوفيتي ، فلم تكن لاحزابنا  برامج بديلة هم على دراية كافية بها.

3-     الوضع الاقتصادي المتأزم الذي كان ناتجا عن الحصار المزدوج . وان البطون الخاوية لا تفكر غالبا الا في سد احتيجاتها الاقتصادية دون الفكرية.

4-     لم يكن المجتمع الكوردي يؤمن بامكانية استمرار تجربته بعد انتفاضة اذار 1991 و صدام حسين على سدة الحكم . اذ ان التهديد الخارجي عائق أمام التطور.

5 - قلة عدد المثقفين الايدولوجين الذين بامكانهم طرح افكار جديدة و جريئة و قلة عددة        الجامعات في كوردستان اثناء فترة الحكم البعثي .                                              

6-عدم التميز بين عقلية الثورة و عقلية الادارة المدنية .

هذه الاسباب اعلاه فوتت على المجتمع الكوردي التحول الكامل بالتزامن مع الثورة (الانتفاضة) , نحو احداث قطعية حقيقية مع الماضي وبلورة واقع مختلف و مواكب للعالم الجديد ( مع انني لا انسى اطلاقا ان احمل الاحزاب الكردستانية مسؤلية ذلك الخطا الاستراتيحي الفادح) ، اما بعد 2003 فان مهمة اعادة تشكيل ثقافة جديدة على قطعية تامة مع الماضي اصبحت ملحة اكثر من أي وقت مضى من اجل اقامة مجتمع اخر مبني على احترام الفرد كانسان له حقوق متساوية و حرية متساوية وواجبات متساوية مع أي انسان اخر في المجتمع بعيدا عن المحسوبية و الطبقية . و على هذا الاساس اذا كان المجتمع الكوردي لايريد ان يخسر الرهان هذه المرة ايضا ، فانه يتوجب عليه القيام بطفرة نوعية من خلال عقد اجتماعي جديد وتنشئة اجتماعية جديدة مدروسة و مبنية على اسس فلسفية سليمة نراعي فيها مسيرة تطورالامم المتحضرة والعوامل التي ساعدتهم على ذلك . يجب ان نكون مستعدين لزلزلة الاسس القديمة و بناء اسس اخرى من خلال عمل مضنى وانقلاب فكري _ ثقافي شامل  لكي نرتقي بمجتمعنا الى مصافي المجتمعات المتقدمة . متى نستفيد من التاريخ ؟ . من يتصور ان الدنمارك الدولة الاوربية المتقدمة في شتى المجالات كان اهلها يأكلون اللحوم البشرية حتى القرن الحادي عشر ؟ .

بدات اليابان بالتطورو الحداثة في عام 1868 اثناء حكم سلالة (ميجي) فكانت قوة عظمى في الحرب العالمية الثانية . انا لا اسرد الامثلة التاريخية لأني مولع بالتاريخ فحسب وانما لأظهر من خلالها فلسفة التاريخ ، أي محاولة معرفة العوامل والاسس التي تتحكم في مجرى الوقائع التاريخية للمجتمعات البشرية ، و العمل على استنباط القوانين الثابتة التي تتطور بموجبها الامم و المجتمعات على مر القرون و الاجيال .

ان مسيرة التطور لا بد ان تبدا من خلال تغير ثقافة المجتمع و طريقة تفكيره والتخلص من التراكمات الاجتماعية السلبية . سنركز جهدنا في الحلقة القادمة على سلبية السلطة الابوية و دورها المعيق للتطور.

 

                                  نقد المجتمع الكوردي

الحلقة الثانية (ثورة على السلطة الأبوية)                                                                                                                            (لاتعلموا ابنائكم على عاداتكم فانهم مخلوقون لزمان غير زمانكم) (علي بن ابي طالب)

 

ان المجتمع الكوردي يعيش على تنشئة اجتماعية قائمة على السلطة الابوية منذ زمن طويل لا نعرف تاريخه بالضبط . وعلى الرغم من خطورة هذه الوضعية على البنى التحتية الفكرية للمجتمع وتاثيرها المباشر كعائق رئيسي يقع حجر عثرة في درب التطور ، فان ذلك لم يخضع للدراسة العلمية السيسيولوجية لتبيان الاثار المنبثقة منها و كشف حقيقتها . ان موضوع الاسرة مهم جدا الى درجة ان (افلاطون) شبه نظام الاسرة بنظام الدولة . و من هذا المنطلق نحن ندرك بان النظام السياسي لابد ان يكون انعكاسا لنظام الاسرة بدرجة او اخرى . و في هذا الصدد يذهب الدكتور( حليم بركات) الى ان هناك علاقة وثيقة بين النظام السياسي الاستبدادي و النظام الاجتماعي الابوي . و ما دمنا نعرف بان نظام الاسرة الكوردية هو هيمنة السلطة الابوية و غياب تقاليد الحوار والمساواة . فانها تكون مستهدفة من نقدنا .....

اني اتطلع لفتح هذه الاضبارة المنسية على الرف لاعادة تقيميها واظهار السلبيات المنبثقة منها ، ثم لنعيد الحكم على هذه السلطة .

ان عقلية السلطة الابوية تسلطية هرمية و تفرض رأيا واحدا غير قابل للنقاش والحوار و بالنتيجة فان اراء افراد الاسرة تختزل في رأي الاب (او اكبر الذكور في العائلة) وله الكلمة الفصل في كل الامور والجوانب سواء أكان على دراية كافية بها ام لا . اذن والحال هذا فان افراد الاسرة لا يعبرون عن رايهم انما عن راي الاب . وهذه الحالة الاجتماعية تؤدي مع مرور الوقت الى فرض نوع من الولاء والطاعة على افراد الاسرة لسيد الاسرة و للاسرة ككيان ، و في هذا جانب اقتصادي هام حيث ان الاب يتكفل بتوفير حاجيات الاسرة ‘ كما ان فيه جانب مما يسميه علماء الاجتماع بعبادة او تقديس الاسلاف (وهذه عادة لا زالت متجذرة في المجتمع الكوردي ، حيث تلاحظ أن الناس يحلفون بأضرحة أجدادهم) ، وهذه مسألة سايكولوجية اذ ان الحاضر السيء يؤدي الى التشبث بالماضي . ثم ان ولاء مجموع الأسر ينصب لمصلحة العشيرة ، اذ كانت العشيرة هي الكيان الانتمائي الأخير بسبب اعتقاد أفرادها ان هناك دم مشترك وأصل مشترك يجمعهم يختلفون به مع غيرهم (انظر ان ابناء العشيرة الواحدة يسمون بعضهم بابن العم) ، وهذه عادة شبيهة بما تسمى عبادة (الطوطم) لدى الشعوب البدائية . بالاضافة الى ذلك فان هناك عوامل أخرى أدت الى تكوين الولاء للعشيرة منها ماهو اقتصادي وأمني وماهو تنظيمي – قضائي لايسع المجال هنا لشرحها بالتفصيل . هذا كله من جانب .

 ومن جانب اخر فان تكريس هذه الظاهرة وتقوية بنيانها قد يكون راجعا في أحد جوانبه الى العامل الديني ، حيث ان للموروث الاسلامي المحصور تفسيره في يد رجال الدين ذوي الأفكار العتيقة تأثير كبير في ترسيخ السلطة الأبوية ، اذ انهم لاينكفؤن من التأكيد على قوله تعالى (ولاتقل لهما أف ولاتنهرهما ) ويعممون الاية على مختلف جوانب الحياة دون معرفة سياقها التأريخي وملابساتها وظروفها ، ومتى تطبق ولماذا؟ وفي أي نطاق ولأي غرض . وهذا يزيد من هيمنة السلطة الأبوية وتضفي عليها طابعا شرعيا تقديسيا . ان رجال الدين لايدركون أو لايستسيغون ان النبي ابراهيم (ع) قد خرج على السلطة الأبوية وأسس الدين الحنيف ، وان الرسول محمد (ص) هو الاخر خرج على السلطة الابوية المتمثلة في عمه (ابو طالب) ليغير مجرى التأريخ ، بل القران نفسه يرجع سبب تخلف بعض المجتمعات القديمة الى عدم قدرتها على التخلص من افكارها العتيقة التي وجدوا عليها اباءهم واجدادهم ، بسم الله الرحمن الرحيم (انا وجدنا آباءنا على امة وانا على آثارهم مقتدون)(سورة الزخرف:23). في حين ان رجال الدين يتناسون أو يجهلون ان الشورى المذكورة في القرآن تشمل اطار الاسرة أيضآ ، بل لعلها اولى في هذا المجال من غيره من المجالات .

ان لغياب تقاليد الحوار في ظل السلطة الابوية اثار خطيرة ، حيث ان الاسرة هي النواة الاولى للمجتمع بل هو مجتمع مصغر وأي فساد فيه سينعكس على المجتمع بأسره ، اذ لابد لهذه التنشئة الاجتماعية المكرسة للسلطة الابوية أن تفرز اشخاص لايتفهمون لغة الحوار ولايستسيغون اختلاف الافكار ، انهم لامحالة سيكونون اشخاص غير ديمقراطيين لان اساس الحوار والاختلاف والديمقراطية لابد ان يكون الاسرة ، هذا في الوقت الذي لايجد فيه الافراد في المجتمع الكوردي ارضية رحبة لممارستها بل رؤوا انفسهم خاضعين للأوامر والنواهي والسير على خط معين مرسوم من قبل غيرهم ، لذلك فان من الطبيعي ان تنتقل هذه العقلية بالتدرج من الاسرة الى المدرسة فبقية المؤسسات في الدولة ، بل ان هذه العقلية تنفذ الى الاحزاب والحكومات في المجتمع الكوردي . وقد وصف احد المستشرقين (جوزيف مانيلا) المجتمعات الاسلامية بصورة عامة بانها نقلت الطاعة من مستوى الاسرة الى مستوى الامة . وهذا ما انتقده في المجتمع الكوردي ، بانه نقل الطاعة من مستوى الاسرة الى مستوى العشيرة حتى تشبع بهذه العقلية فاكتسى بطابعها على المجتمع ككل . ومن المؤسف ان تنفذ هذه العقلية حتى الى الاحزاب التي ترى نفسها تقدمية وايضآ التي تطلق على نفسها صفة الاسلامية .

اننا امام تحدي حقيقي لاعادة تشكل المجتمع على اساس حضري مدني مختلف عن طابع البداوة والعشيرة ، من خلال تغير النظام الاسري وتحويل السلطة الابوية الى تشاور وحوار وحتى تقبل اختلاف الاراء والافكار داخل الاسرة ‘ ليتم التحول نحو مجتمع ديمقراطي غير مستبد يتخلى عن تحجره وتزمته ، وليتحرر الفرد الكوردي ويوسع من دائرته الانتمائية بعد التحرر من السلطة الابوية لتنفك بعدها بطريقة سلسة سلطة العشيرة مادمنا قد رتبنا درجات الولاء من الاسرة الى العشيرة ، وبالطريقة نفسها ستتحلل هذه السلطة وهذه الدائرة الانتمائية وهذه العقلية ليتحول هذا الولاء الى الدائرة الاقصى ، دائرة (الامة ، الوطن ، الدولة) لان الوطن هو الذي يحوي الجميع ويرتبط به مصير الجميع وفيه تاريخ الجميع وجغرافية الجميع وليس الاسرة ولا العشيرة .

في النهاية اود ان اترك رسالتين ، واحدة على لسان علماني ليبرالي وهو ( د. شاكر نابلسي ) اذ يذهب الى ان التمسك بعادات وتقاليد واخلاق الاباء والاجداد واعتبارها معيار الخطأ والصواب ، كان العائق الاكبر عبر التاريخ امام دعاة الاصلاح . اما الرسالة الاخرى تتمثل في شقين ،الشق الأول ، رأي شيخ اسلامي (الشيخ محمد مهدي شمس الدين) حيث يذهب الى (ان الاسلام حاول بطرق كثيرة تحطيم الوحدة العشائرية في سبيل بناء الامة ..) ، لان (الشيخ) يعتقد ان نمو القبلية انما يكون على حساب الامة . أما الشق الأهم هو حديث نبوي بالغ الدلالة ، اذ يقول الرسول (ص) ( ان الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالاباء: مؤمن تقي ، أو فاجر شقي . أنتم بنو ادم ، وادم من تراب ) ( رواه الترمذي وأبو داود) . 

 ألم يتبين لنا أن التعلق بالدوائر الانتمائية الصغرى مرفوض اسلاميا وعلمانيا وواقعيا وعلميا؟. ألم يسجل التأريخ أن مجتمعنا كان متشرذما متصدعا لهذا السبب؟ . في النهاية يبقى السؤال الأهم ، هل نحن نريد الوصول بولاء المجتمع الكوردي الى دائرة (الامة) ؟ .

اني ادعوا المثقفين العلمانيين والاسلاميين على السواء الى القيام بدور فعال في هذه القضية الجوهرية . واذا خذلنا من الطرفين فان من حقنا ان نتساءل لمصلحة من يبقى الحال كما هو؟ او نقر بأننا لانملك مثقفين أصلآ  ، بل يجب أن نقر بعجزنا على التغيير والتطور. 

 

 

 

نقد المجتمع الكوردي

الحلقة الثالثة (ثورة من أجل فرد جديد)                   

                                            ( أن أكون عبدا أطالب بحريتي خير من أن أكون حرا أساوي العبيد) (غاندي)

 

اذا اتفقنا أننا بحاجة الى مجتمع جديد وفكر جديد لمواكبة التطور و عصر الحداثة ، فان البداهة تفترض اننا بحاجة الى فرد جديد ، ذلك ان المجتمع هو مجموع الافراد المكونين له .

لو اطلعنا على مجمل التاريخ الكوردي نكاد لا نجد فترة ساد فيها المذهب الفردي ، او كان للفرد اهمية و مكانة مقدسة باعتباره فردا ، نتيجة لسيطرة منطق (العشيرة) على الذهنية الكوردية . وربما كانت الحاجة الى تنظيم جماعي ضروريا لدرء المخاطر سواء بالنسبة للقبائل الرحل او الساكنة في مناطق جغرافية معينة ، فذابت شخصية الفرد في اطار عشيرته ، ولم ينظر اليه الا من خلال انتماءه الى العائلة الفلانية او مكانته داخل العشيرة . ولا زال المجتمع الكوردي سائرا على هذا الدرب .

لقد كان المجتمع الكوردي اقطاعيا يتم فيه استغلال الفرد ومجموع الافراد لمصلحة الطبقة الاعلى في التراتبية الهرمية للمجتمع . وحتى عند وصول الايديولوجيات الفكرية الى كوردستان في القرن العشرين كان تفكير المجتمع وطبيعته اقرب الى المذهب الاشتراكي الذي يتم فيه التضحية بالفرد من اجل الجماعة . وللمفارقة فان تأثر المجتمع بالمذهب الاشتراكي لم يدعه الى التخلي عن الاقطاع مع ان ذلك يقع في صلب المذهب الاشتراكي .

ارجو ان لا يفهم من كلامي هنا بأنني ضد المذهب الاشتراكي و مع المذهب الراسمالي ، فاني لا اتبنى ايا منهما بالكامل ، ولكنني بصدد توضيح حالة اجتماعية تم فيها استغلال المذهب الاشتراكي او الجماعة من قبل اشخاص معدودين لمصالحهم وباسم مصلحة الجماعة سواء(العشيرة او أي تنظيم اخر) . لتضفي هذه الحالة نوعا من الهيبة والقدسية على من يقفون في رأس الهرم يستعبدون به من هم ادنى منهم . بطبيعة الحال افرز المجتمع شكلا دكتاتوريا من خلال نظامه الاجتماعي . و من المعروف في الانظمة الدكتاتورية سواء السياسية منها او الاجتماعية ان لا مكانة للفرد باعتباره فردا ،وانما يختزل دوره ويذوب في الدوائر الانتمائية ( الأسرة ، العشيرة ) و يتم تقيمه وفق ذلك المؤشر ، بعيدا عن الكفاءة و الجدارة الشخصية في مجالات الحياة المختلفة ، وبالنتيجة فان صنع القرار يقع في يد من لا يجيدون صناعة القرار، ليدفع المجتمع ثمن ذلك باهظا بمزيد من الفقر والجهل والتخلف . ان قيمة المذهب الفردي يكمن في مبدأه المعلن (البقاء للاصلح) ، و اذا تم قياس هذا المبدء في الحياة الاجتماعية فانه سيؤدي الى فرز الافراد حسب امكانياتهم ومؤهلاتهم في تولي المهام العامة التي فيها مصلحة المجتمع .

هنا قد يتبادر الى الذهن سؤال محوري لماذا يبدع الفرد في الغرب و يراوح في مكانه عندنا ؟ . هل هناك ذكاء فطري موجود هناك معدوم هنا ؟ . ان الامر ليس كذلك اطلاقا ، بل ان الفرق يكمن في مدى الحرية المعطاة للفرد و مدى تمتعه بالحقوق من قبل المنظومة الاجتماعية والسياسية في المجتمع . و قد لاحظ العلامة (د. محمد اركون) هذا التباين بين الفرد في المجتمعات المتقدمة و المتخلفة بقوله (فالانسان في اوروبا يستطيع ان يستقل حتى عن عائلته و عن عصبيات القرابة العشائرية و القبلية لان الدولة تحميه ، اما في المجتمعات النامية من الذي سيمحيه .....) . نلاحظ هنا الفرق الجوهري بين المجتمعات المتخلفة و المتقدمة بان قيمة الفرد تكمن في مدى اسهامه في بناء المجتمع سواء من الناحية الثقافية او العلمية التكنولوجية او أي ابداع اخر (هذا بالنسبة للمجتمعات المتطورة) ، اما قيمة الفرد في المجتمعات المتخلفة هي في مدى قوته العشائرية و شهرته العائلية ، و هذه كارثة ما بعدها كارثة . فاذا لم تكن لديك عشيرة فانك غير مؤهل لاي استحقاق . و هذا سيظهر جليا في انتخابات القائمة المفتوحة لبرلمان العراق الفدرالي .

ان انعدام نظام قانوني مساواتي فوق الجميع في المجتمع . يؤدي بالضرورة الى انعدام شئ اسمه الفرد ، لذلك يضطر هذا الفرد الى التعلق و التوكل على العائلة والولاء للعشيرة و هذا هو حال المجتمع الكوردي منذ سقوط (امبراطورية ميديا) التي اشتهر ملوكها في التاريخ بالعدل . اما بعد ذلك فلم يكن هناك قانون بالمعنى التام للكلمة ينظم طبيعة العلاقات في المجتمع الكوردي على اساس المساواة ، على اساس أن الجميع ينتمون الى كوردستان .

حاول الحزب الشيوعي في كوردستان منتصف القرن الماضي نشر الافكار الماركسية  من عدالة اجتماعية ، لا طبقية ، كل حسب عمله (حسب كفاءته) ، عدم استغلال . ربما انطلاقا من فكرة (لينين) القائلة ((بان المهمة الرئيسية للماركيسين في البلدان المتاخرة هي النضال ضد بقايا القرون الوسطى )) . الا ان مشروع الشيوعيين باء بالفشل الذريع بسبب طبيعة البنى التحتية لمجتمع يسوده الاقطاع و(عقلية العشيرة) ، ولكن السبب الابرز في انهيار مشروع الشوعيين كان عائدا الى سذاجة الشيوعيين انفسهم الذين لم يخاطبوا الناس على قدر عقولهم ، وتركيزهم المبالغ فيه على انكار (الميتافيزيقيا) ومحاربة الدين فكريا في مجتمع متزمت ليس له افاق ثقافية . فكانت النتيجة اننا نكاد نحس بوجود تبار شبه ماركسي في كوردستان . كانت الافكار الماركيسية قادرة على توعية المجتمع والارتقاء بالفرد حتى يشعر بكينونته و يتخلص من عقلية العشيرة في مجتمع مساواتي ، الا ان الرفض الذي قوبل به والفشل الذي لقيه هذا الطرح جعل من الاحزاب الكوردستانية الاخرى ذات الطابع الماركسي في برامجها الى تبني خطاب شعبوي تماشيا مع الثقافة السائدة .

ان المرء ليحتار بين الضحك والبكاء ، اثناء تفحصه للمجتمع الكوردي ، اذ كما اسلفنا بان العامل الاهم في فشل الشيوعيين و مبادئهم في كوردستان ، كان هو الدين الاسلامي الذي يعتنقه الكورد منذ الغزو الاسلامي سنة 16هـ . ولكن على الرغم من ذلك فان هذا المجتمع لم يستوعب ايضا مبادئ الثورة المحمدية النبيلة التي من اهمها منح الفرد مكانة كانت مفقودة عند العرب قبل الاسلام . اذ وجد اناس مثل بلال الحبشي وعمار بن ياسر انفسهم معتبرين لدى نبي الاسلام و في المجتمع الذي يؤسس على مبادئ الاسلام حسب قاعدة و حديث نبوي (لا فضل لعربي على اعجمي ...) بل ان الفرد مهما كانت صفته او حالته الاجتماعية يجد نفسه معززا في كتاب الله ((ولقد كرمنا بني ادم)) . ثم عندما يولي الرسول (ص) فردا يافعا لم يتجاوز العشرين من عمره (اسامة بن زيد) على رأس جيش يضم كبار اقطاب الدعوة المحمدية فان هذا يعني ان مكانة الفرد في المجتمع الاسلامي تتوقف على كفاءته الشخصية وليس على أي اعتبار اخر،أي وفق قاعدة الحديث النبوي ((المؤمن القوي خير واحب الى الله من المؤمن الضعيف في كل خير)) . وهذه القوة هي قوة الكفاءة و الذكاء و القدرة على تحمل المسؤليات و المهام . و هذه كلها صفات شخصية لا صلة لها الا بالفرد نفسه دون اسرته او عشيرته .. كل هذه مبادئ اسلامية لم يسخرها المجتمع الكوردي في سبيل تطوره ، بل بقي اهتمامه منصبا على اسلام الطقوس والعبادات الذي هو في النهاية مسألة اخروية لا تغير الواقع ولا تتطوره نحو الافضل . وهكذا بقي المجتمع الكوردي عصيا على تقبل الافكار المخالفة للدين. وفي الوقت نفسه يجهل كنه الدين و اهدافه الحقيقة. وهذه مشكلة عويصة جدا.

لقد خرج القس(مارتن لوثر) في العشرية الثانية من القرن السادس عشر من رحم الكنيسة ، ليتمرد عليها و يعيد الاعتبار للفرد بعد ان كان الاعتقاد ان (لاخلاص الا داخل الكنيسة) ، ليكون ذلك عاملا مهما في تطور الحضارة الاوروبية التي شهدت عصر النهضة والثورة الصناعية وعصر الانوار ، و شهدت اوروبا ظهور الدولة القومية بعد انحدار نفوذ الكنيسة وعودة الدين الى المبادئ البسيطة التي نادى بها السيد المسيح . فهل ننتظر من احد رجالات الدين عندنا ان ينتفض على الموروث الاسلامي القروسطي ومنظومته الفكرية التي اسيئت تفسيرها من قبل اناس عاشوا في زمن و ظروف مختلفين عن زمننا وظروفنا ؟ . هل نحن ملزمون باراء قيلت في القرون الوسطى؟ .

من المحزن جدا ان رجال الدين عندنا لا زالوا متخلفين في مسألة(حقوق الانسان) بل لعل اكثرهم لا يعرفون بمضمون اللائحة العالمية لحقوق الانسان التي صدرت عام 1948 ، بل ان الاكثر حزنا ان لا نرى احد منهم يشير (لعلهم لا يعرفون حتى بوجودها) ولوا في خطبة جمعة واحدة الى (الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان) الصادر عام 1981 من منظمة المؤتمر الاسلامي وفق منظور القران والسنة النبوية ، ففيها اعتبار جيد للفرد ومكانته .

 

في النهاية ، اعود لأوكد على اهمية (عقد اجتماعي) جديد يتخلى الفرد بموجبه عن ولاءه العشائري لمصلحة الدائرة الانتمائية الاقصى (الامة ، الوطن ، الدولة ) ، مقابل الحماية القانونية المساواتية ومنحه كافة الحقوق المساواتية التي يتمتع بها الانسان في المجتمعات الراقية سواء التي ذكرت في الاعلان العالمي لحقوق الانسان او الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان .

اننا امام تحدي حقيقي و اختبار مفصلي لنقوم باعادة تشكل المجتمع الكوردي و توجيهه نحو الحداثة والتطور . فهل نحن مخلصون ل (الامة ، الوطن ، الدولة) ؟ .

 

 

ئارام باله ته ي

ماجستير في القانون

aram_balatay@yahoo.com

 

 

 

 


نرحب بكم في موقع الكاتب العراقي     الموقع يكفل كامل الحرية للتعبير  عن الموقف واختيار وسائل الإبداع.. ولكن الكاتب يبقى  وحده  مسؤول عن حريتة و كتاباته