على غير عادته ومنذ أيام ، ساهماً يصوّب بصره إلى نقطة بعيدة ، كاسف الوجه شاحباً
ملبداً بهموم كثيفة تنذر بالسقوط ، لا يعرف سبباً لنظرات والديه التي تصله حارقة
وقاسية كلما التقت عيناه بعيونهما وقد تجاهلا تماماً حتى الحديث المطوّل معه ويصرا
على تأجيل زواجه من ابنة عمه وحبيبته (زينب ) ..
الذنب ليس ذنبه والأمر في عصمة مسؤول القرية الذي يؤجل مراراً أمر التحاقه بمعسكر
تدريب المجاهدين ويوصيه بضرورة التحلي بالصبر وطول البال بينما الكثير من شباب
القرية قد سبقوه في الالتحاق بالمعسكر ..
اعتراه الألم ، مكلوماً يتجرع مرارته وقد غلت الدماء في عروقه وكادت تنفجر ومدارات
النفس تضيق وكأن أشواك المكان ترسم أسواراً حوله وعناقيد القلب تفتت وعصافير روحه
قد هاجرت أو نفقت تحت ضغط الشجن وأخذت الأفكار تتقلب وتجول في دوامة رأسه متسائلاً
في نفسه : هل لكونه أصغرهم سناً ؟ أم أن هناك أمراً آخر يجهله ؟؟!! .. المهم ألا
يستكين لهذا الانتظار القاتل ولا يفوّت فرصة في الإلحاح على طلب الالتحاق ..
أيام قلائل وبشارة الفرج تثلج شغاف قلبه وينبلج فجر جديد في حياته عندما يستلم (
عاصم ) أمراً بالالتحاق ليلة غد بالمعسكر الكائن في بطن الصحراء ، ولمَ لا .. وقد
حركت غبطة الخبر نسائم روحه المشبعة برحيق الأودية وذكرياتها العطرة ، فللصحراء
سماؤها الصافية وللرمال رائحتها المميزة التي أقام معها علاقة ودية وترك على رمالها
بصمات وذكريات جميلة وقد خبرها وخبرته سابقاً عندما كان يذهب مع والده في رحلات صيد
الطيور ، ولكن رحلته هذه المرّة لها مذاق خاص وطعم مختلف إنها رحلة الصيد البشري !!
..
كان عليه شق طريقه بين الأدغال والأشواك وقد سبقها لقاؤه مع حبيبته زينب وجلوسهما
معاً تحت أفياء النخلة الوارفة التي أحبها منذ طفولته وشبّ معها ، وبنظرات وداع
متبادلة آسرة الدفء وقد أخفت حبيبته امتعاضها وخوفها عليه وهو يهمس في أذنها
منتشياً :( من هنا تورق الأيام لتنذر بربيع جديد ) ...
داهمهما الغروب فامتثلا للفرات الذي كشف عن صفحة ماءه المخضبة بلون الشفق ونخيله
المعبأ بأدخنة البارود ، التقطت زينب على الفور حجراً صغيراًً لوّحت به نحو النهر
لترتسم على جبهته المستكينة متواليات من الدوائر وقالت :( هذه تحية النهر ) !! ..
وانطلقت القهقهات تتعالى بينهما ملوحاً لتحيتها بكلتا يديه .
يبزغ فجر جديد يستيقظ أهل القرية على أصوات أنفجارات مدوّية عند الطريق الدولي في
رحلة صيد جديدة للعلوج الدخلاء ، لقد غزا النور أوكار الظلام وصدحت الأرض والسماء
بأناشيدها الفرحة ..
لقد عاد .. عاد من قلب حملة الصيد .. ها هو يتقدم بخطى وئيدة يحمل ذراعاّ نازفة
ووجهاً متعباً وعينين مترعتين حناناً .. وها هي القرية المعطاء تعيش اللحظة الأجمل
مع عودة فارس جديد من فرسانها الذي ترعرع في بطونها وأطلقته اليوم لحرب الأوغاد
المحتلين .. ها هو يتقدم مثقل الخطى ، يسارع شابان ليسانداه وتعلو أصوات التمجيد
للبطولة .. للوطن .. لكل من نذر شبابه لصون قدسية التراب .. حدق ملياً بوجوه
مستقبليه مزهواّ وقد احتبست في مقلتيه دموع الفرح ، تسرع والدته الخطى نحوه وقد
قوّس العمر والهّم ظهرها ، وصلت قربه ، ركعت وانحنت على الأرض تقبلها ، انفجرت
دموع الفرح وخنقت صوتها ، ضمته إلى صدرها بيدين مرتعشتين ، لثمت جبينه المغبّر
بنكهة الأرض والبارود وذراعه النازفة ووجنتيه الباردتين ، وضعت رأسه بين كفيها
وسمّرت عينيها الدامعتين في عينيه وقالت بشيء من الحزم : ( أسمع يا بني أريد أن أرى
حلمي الذي انتظرته ، أريد أن أزوجك .. أجل أريد أن أكحل عيني برؤية أطفالك قبل أن
أغادر .. وعن قريب سوف تعم القرية الأفراح والأهازيج وتعلو الأصوات وأزيز الرصاص
بعرس فارسهم .. ) .
جراحه هامت فتمدد على سريره متألماً وسهر أهالي القرية طوال تلك الليلة معه تغمرهم
سعادة انتصار الأرض والإرادة ..
منذ اللحظة التي وطئت فيها قدماه أرض القرية وعيناه تبحثان عنها بشوق ، كان على
يقين بأن اشتياقها له عظيم وفرحتها بعودته ستكون أعظم .. وفي الصباح الباكر أستيقظ
بنشاط ، فتح النافذة وأخذ نفساً عميقاً شعر به يغزو أعماقه من الداخل ، لم يستطع
الانتظار أكثر ، سار إليها وكانت القشعريرة تنساب في أجزاء بدنه ، دموع الشوق تحرق
مقلتيه وقلبه الذي امتلأ بحبها يقرع جدار الصدر بعنف كلما أقترب منها ، ها هي
أخيراً .. كما كانت في آخر لقائه بها ، صامدة لا تنال منها السنون ، سارع إليها
وارتمى على جذعها وأحتضنها بشوق ..
أجل .. ها هي النخلة الباسقة ، نخلتي السامقة الأصيلة .. المعلمة الأولى والأم
الثانية ورحلة الطفولة إلى المجد .. نظر إلى أعلى وأخذ يتأمل زرقة السماء عبر أوراق
سعفها الخضراء وعناقيد البلح تتدلى من أعلى وتلوّح له بألوانها الصفراء الذهبية
وخاطب علياءها قائلاً : الأعشاب الدخيلة التي أنبتها التراب الملوث في غفلة عابرة
لم تصمد ولن تصمد ما دام هناك رجال يحملون الأيمان نبراساّ والحق سلاماً وغصنك
الأخضر درعاً ، فمرحى لك يا أم الحياة ورمز الكبرياء والصمود .