جمال العتابي*
صادق الصائغ
الشاعر، الناقد، الفنان، الخطاط، منتج للدهشة دائماً، منذ ستينات القرن
الماضي وأنا أتابع بحرص ودأب مايقدمه من كشوفات تتخطى التقليد والحواجز،
والارث الجامد، وهو يخوض ميدان الابداع تلك بجرأة متناهية، بثبات وصدق
وتجديد لاحدود له، وخارج المألوف، وأشد ما يسحرني ما صنعته يداه من خطوط
وكشوفات في هذا الميدان، تجاوز فيه العديد من الخطاطين ممن سبقوه، أو
تبعوه.
وبتواضع شديد
قلت في أكثر من مناسبة، أنني حاولت أن أسير على خطاه أو أقلده في بعض
ماقدمه من منجز، لكنني لم أستطع من تحقيق تلك الامنيات، إذ ظلت عصية عليَّ
تلك الاسرار التي أبتكرها وحفظها لنفسه ولوحدهُ.
أتأمل بدقة
متناهية ذلك التشكيل المدهش لترويسة جريدة (المدى)، هذا التكوين والانسابية
في إمتداد الحروف والتقاءاتها يخلق أيقاعاً لانظير له في الأنسجام والوحدة.
لكتلة متينة راسخة ممتدة في عمق وعيهِ لجمالية الحرف، وقدرته على تطويعه
ليدعه طليقاً حراً، ومثيراً للتساؤلات والتأمل، ويندرج هذا التكوين ضمن
مفهوم التركيب الذي يعرف بأنه عملية تنظيم وتآلف وبناء العناصر (الحروف
والكلمات والمقاطع والشكل)، بهدف خلق وحدة ذات تعبير فني على وفق منهج
جمالي معين (أياد الحسنى، التكوين الفني في الخط العربي) وقياساً على ذلك
فأن التركيب في اللوحة الخطية يعد مرحلة متقدمة لايصلها الخطاط الا بعد
أمتلاك ادواته الصحيحة وإكتمال خبرته الفنية (جواد الزيدي، بنية الايقاع في
التكوينات الخطية).
والصائغ على
وفق تلك القياسات يمتلك تفردهُ الخاص، كونه متنوع الحساسية، يمنح المتأمل
حق التأمل والأستذكار بل والاحساس بعالم جديد ومتخيل، على أنه محصلة
توليف. فما من فنان أو مشاهد ألف النظر الى معارض الخط العربي إلا وكانت
تثير أنتباهه أعمال الصائغ، لأنها كانت تحمل دوماً طابع التجريب، وخصيصة
البحث عن الجديد.
ولعل آخر
أعمال صادق الصائغ تلك التحفة الفنية التي قدمها لجريدة العالم في ترويستها
المتميزة، وهي موضوع بحثنا، فالصائغ لجأ الى الخط الديواني كأساس في هندسة
الحروف وعاد للأصول في مشق الألف واللام والميم في نهاية (الكلمة) وبأمكان
الخطاط المتواضع أو العارف بأصول الخط وقواعدهِ البسيطة أن يصل الى هذه
النتيجة بيسر ودون عناء.. لكنهُ وهو الفنان الذي أصّل تجربته الفنية منذ
زمن بعيد، أن يقفز خارج تلك الاسوار والقيود التي فرضتها قواعد الخط
التقليدية. بانتقاله ذكية في رفع حرف (العين) عن الامتداد المآلوف لها..
دون أن يضحي بجمالية الخط الديواني ولارشاقته أو خصوصيته. فيلويها برشاقة
ودقة وأنسجام. ليؤلف مشهداً ينهمك في تقريبه من أفهامنا، إلا وهو عارف أنه
سيكون الصدمة الاكبر للعين.
إن صادق أراد
هنا أن يقيم تجربته على حرف بعينه للخروج بتأليفه جديدة، يستحضر مكنونات
الحرف.. وكأنه ينحت (العالم) بضراوة شديدة.. أنه لايريد أن (يمحو) صورة
العالم الحاضر في وعينا.. لذا أرتسم أمامنا شكلة البيضوي بما يوحي ببساطة،
كونية العالم، أو كروية الارض.
لعل الصائغ
هنا الوحيد الذي تجرأ على هذا الاستخدام وأتمنى ان لا أكون مبالغاً حين
أقول أنها المرة الاولى التي تمكن فيها الصائغ أن يصطاد (العين) ليخرجها من
عيوبها المختزنة في أعماقنا. في ترويسة (العالم) تتجلى قدرة الصائغ في سحب
الحروف سحبات جريئة حرة واثقة، مايمكن ان يؤلف أيقاعياً، نسيج الحرف
التعبيري، وهو بهذا القدر من الحرية التقنية، يتيح لنفسه قدراً من المساحة
الكافية بين أسماء محدثي زمانه من فنانين. ويبتعد مسافات زمنية عن اعمال
تقليدية بجهده الصابر المتأني.
من أين لك ايها
الصائغ الجميل، كل هذه الفتنة التي تمنحها للحرف؟ وأنت تؤلف صورة
للتناقض الحاد بين وهجك الفني، وبين حالات الرجوع الى التراث وأستلهامه..
ونفحة جديدة من نفحات العصر، لقد شيدت في (العالم) بناءً تخطى فضاءات
الحرف، وتجاوزت الى أفلاك كونية لم تكن قائمة من قبل صادق الصائغ.
أن نظرة
تأملية في كل ماصنعته يدك الماهرة. تقودنا الى الكشف عن حقائق جوهرية في
مسيرتك الابداعية، التي بدأتها وأنت شاب يافع في جريدة البلاد البغدادية،
وتمكنك من تقديم (مانشيت) ينافس الصحافة المصرية حينذاك بأدوات بسيطة
وبدائية، وتمكنك من تجاوز أساتذة خطاطي الصحافة. ومن ثم محاولاتك المدهشة،
في عناوين مجلة (الف باء)، الفريدة في حينها. ومشروعك الآخر في صنع ابجدية
الصائغ. الذي لم يحظ بالأنتشار للأسف الشديد.
لا يأبه
لأستجابات الجمهور والنقاد، وهو منهجهُ في أعمالهِ الأبداعية، لأنه معني
وهو خالق العمل، إدراك مترادفات، معنى العمل الذي تمليه تجربته الفنية
والانسانية الغنية. ورؤاه وقناعاته المبنية على مواقف بالضد من التعصب
والانقياد الى الشكلية، انه مؤمن شديد الايمان بأن لاجدوى من أي عمل لايلقن
الناس درساً، ويخلق لديهم حالة الدهشة والتأمل. الصائغ في كل أعمالهِ
لايريد أن يكبل وجدان المتلقي وفكره بأغلال زائفة ومصنوعة. ويتواطىء معه
لقبول الممكن والسائد.. فيخون بذلك بصيرته، والتزامهِ النابض، النافذ الى
عمق الذات الانسانية والمدرك بحقيقتها، في أتزان، ومن غير زيف.
محاولات صادق
الصائغ. ستغدو في الخط العربي المعاصر، واحدة من الممارسات التجريبية
الرائدة. لان الخصائص الداخلية لتكوينها ستقودنا حتما الى قراءة جديدة
لتشكيلات خطية تصبح فيها اشكال بعض الحروف منظورة بصيغ ونهايات جديدة، هذه
الروح امتدت الى كل اشتغالات صادق الصائغ في الشعر والنقد، واشكال التعبير
الاخرى. وهو وان قل انتاجه في السنوات الاخيرة. واكتفى بومضات يقدمها في
اوقات متباعدة، الا ان موروثه الغني بالابداع، يظل مرجعا ثقافيا وحضاريا
مهما، له لونه الخاص، وتركيبه المتفرد، وطليعته الرائدة، وهو بهذا المعنى
لغة الانسان الحديث.
ان هذا العمل
يأتي امتدادا لمخزون معرفي، ورؤى معاصرة يتمتع بها الصائغ بنظرته للحياة
والفن والابداع، والمتابع لاعماله يجد ان الصائغ يؤسس لتجربة بعيدة عن
اليومية الدارجة، باعتبارها الواقع، ان يدفع بالمتلقى الى التخيل، اذ يسمح
للمخيلة الأبتعاد عن نسخ او تقليد تجارب الماضي ومطابقتها، ويجعله اقدر على
إنكار الجمود ورفض التبلد. انه يفتح اذهاننا على شكل اخر من الواقع.
صادق يخلق احلام
عالمه بلاسطوة المكان، او الزمان.
*كاتب عراقي