|
علي
عبد العال
يصدر حميد العقابي كتابه السابع "ثمة أشياء أخرى" تحت وطأة
شعور عميق وحميم برغبة القص أكثر من الرغبة في كتابة الشعر ولو
لحين. وهو قد وضع على الغلاف كلمة "قصص" وإن كانت باللون المظلل،
أو جاءت هكذا ضمن سياق رغبات خفية مستترة تتنازع اختيار الكاتب بين
البوح بمكنون روحه وتجربته نثرا أم شعرا، أو بالأداتين معا. أحيانا
تنقذ الصدف البسيطة مسار كّتاب وأدباء لهم رؤيا واضحة في الحياة
ولهم هدف. لذا طُبعت كلمة "قصص" على الغلاف بلون الظل ليبقى الأثر
الواضح للشعر. إذ الذي يقرأ هذا الكتاب "ثمة أشياء أخرى" لا يعثر
سوى على الشعر في إطار غريب مشوق من القص.
تجربة حميد العقابي الشعرية تجربة ناجحة إلى حدٍ بعيد. ومن دون أن
يعرف، أو أنه يعرف عن يقين، أرسى نتاجه الشعري وقعا غير مألوف في
خضم وزخم الكتابات الشعرية العراقية المتنوعة والكثيرة لمجايليه
وغيرهم. وهو قطعا لا يشك بمهارته الشعرية تلك، ولا بحاسته المرهفة
المغرقة بالجدية الساخرة وفانتازيا الواقع الذي يتعرض فيه الإنسان
إلى شتى صنوف المواقف والمطبات، كوميدية أو تراجيدية التي كانت
يلتقطها حميد العقابي بحسه الشاعر المواظب والمسؤول عما يقول بوعي
جيد.
بعد خمسة كتب شعرية هي على التوالي: "أقول أحترس أيها الليلك"
1986 ""واقف بين يدي" 1987 "بمَ التعلل" 1988 "تضاريس الداخل" 1992
"حديقة جورج" 1994 ، وتعد تلك الكنب مختصة بالشعر وزنا وتفعيلة،
إضافة إلى مسعاها الإبداعي الحثيث الذي يتوفر على الرغبة الواعية
بتجاوز المنتج الأدبي العراقي بالمنفى في حيز الإبداع. هكذا يمكن
القول ونحن نطالع آخر إصدار له أن روح "الشاعر" متجذرة فيه إلى
أبعد الحدود. ولم يحقق الانفصال الكامل بين مهمة "القص" كونه نثرا
يوميا وسلوكا حياتيا فيه وصفا مباشرا لحياة الناس والأشخاص، وبين
مهمة "الشعر" التي تريد أن ترقى بالإنسان عبر أثير من الكلمات
القليلة لكن الموحية، تلك التي تشبه النور تماما. تنور الفخار الذي
تضع فيه الحطب وتصب فيه النفط الأسود أو "المازوت" كما يقول أهل
بلاد الشام، وتحضير العجين وعمل "الشنكات" وصياح الأطفال وزعيق رب
الأسرة، هذه أحداث تتعلق بالقص. لكن الشعر يختص بمعنى الرغيف.
وبمعنى النور في التنور، وبمعنى الوهج والرائحة التي تصدر عن تلك
النار وتلك الأجساد. والذي حدث لحميد العقابي في كتابه الأخير أنه
أراد الجمع بين هذين القطبين المختلفين وخلط الموجودات والمحسوسات،
المرئي واللامرئي فيهما.
في كتابه السادس "أصغي إلى رمادي" ـ فصول من سيرة ذاتية ـ ط 1
2002تخطى حميد العقابي نفسه كشاعر، ونجح بكتابة سيرة ذاتية ستبقى
ممتعة ووهاجة وغاية في القرب من روح القارئ. لا يمكن للإنسان أن
يكتب سيرته الذاتية مرتين. كان كتاب "أصغي إلى رمادي" وهو أول
تجربة نثرية بهذا الحجم والأهمية بالنسبة للكاتب، من الكتب الملفتة
والمحببة التي يختلط فيها الصدق بالتجربة الحية، والجرأة الكبيرة
التي تشرف على أبعد من حدود المجازفة بالقول والبوح بكل ما يخطر في
سرائر النفس. وكانت كذلك أكثر إمتاعا في تجربة العراقيين الذين
يخجلون من ذكر عيوبهم الذاتية والشخصية وتحويلها إلى تجارب بشرية
في إطار من الإبداع الأدبي الرفيع. وتكونت مخيلة شفافة ورحبة من
نوع جديد لدى حميد العقابي "الشاعر". حتى تخيل أن كتابة قصة قصيرة
لهي أعقد بكثير من كتابة قصيدة "حداثوية" ولو كانت مؤلفة من بضع
كلمات جميلة.
أكتب ذلك كمقدمة للكتاب موضع الحديث "ثمة أشياء أخرى" المعنون
كمجموعة قصصية. قسّم الكاتب كتابه إلى ثلاثة فصول، أو أبواب هي
(مرآة الأعمى) وتضم عشرين نصا قصصيا يتفاوت حجم النصوص ليرقى بعض
الأحيان إلى ما يمكن اعتباره قصة قصيرة بغض النظر عن مادة القصة
نفسها. وقد أخذت خمس وستين صفحة من مجموع صفحات البالغة نحو مئة
وعشرين، أي أكثر من نصف حجم الكتاب. في هذا الباب وردت أكثر النصوص
القصصية متانة من ناحية الدقة بالوصف والتركيز ونقل مناخ قصصي
يتتابع في تصاعده وبنيانه ليصل إلى مبتغاه، كقصة "الأعمى" و "آية
الكرسي" و "عازف البانجو" . الباب الثاني جاء تحت عنوان (شظايا
المرآة) وأحتوى على خمسة وعشرين نصا قصيرا بحيث أن عدد الصفحات
التي احتلها من الكتاب هي ثلاث وثلاثين صفحة، وقد عنونها الكاتب
بعنوان فرعي "قصص قصيرة جدا"، وهي نصوص جميلة ومميزة وفيها جرأة
تتخطى المعهود كنص "بنات آوى" و"فضول". أما الباب الثالث والأخير
(كمائن)، فقد أحتل بقية صفحات الكتاب الثمانية عشر وقد أفصح الكاتب
جيدا بتقديمها بمقدمة وافية تحت عنوان "إشارة" قال فيها ما نصه:
(النصوص الستة عشر التالية نُشرت ضمن كتاب "خمسة شعراء عراقيين"
الصادر بدمشق عام 1988 باعتبارها قصائد ولكن بعد مراجعتها ضمن
تأملي لتجربتي في كتابة قصيدة النثر وجدتُ أنها بعيدة عن نظرتي
الحالية إلى الشعر بل هي أقرب إلى القصص القصيرة، لذلك آثرتُ إعادة
نشرها ضمن هذا الكتاب الذي خولتُ نفسي متردداَ بأن أنسبه إلى القصة
القصيرة. ح. ع) وأعتقد أن هذه المقدمة الواعية تعطي الفرصة لتأمل
الكتاب وفق المنظور الشعري حرفيا.
يلوح الهمّ اليومي للإنسان في قصص حميد العقابي كحدثٍ غامض، له
إيقاع صامت. بينما يحتل التنويع على التراث أو التاريخ النصيب
الأعظم من الاهتمام. حتى الأحداث اليومية البسيطة والواقعية يتم
وضعها في إطار تراثي أو تاريخي. بالأحرى البحث لها عن مخرج فانتازي
ـ خيالي للوصول بها إلى نهاية منطقية. أحداث القصص تكاد تكون مشبعة
بالخيال في أغلب الأحيان، ومحورها الرئيس، هو الكاتب. بينما ذاته
المستترة، أو ظله، فتتخذ هيأت مختلفة لتبلغ مرتبة شخصيات النصوص
وأبطالها. لنترك هذا للقارئ الذي سيتمتع حتما بقراءة تلك النصوص.
لكننا نرغب بإيضاح الجوانب الفنية قدر الإمكان. تكاد مجمل الأحداث
في النصوص لا تكون واقعية، بالرغم من الإحساس الذي يلازم القارئ
بأن هذه الأحداث من الممكن أن تقع في الحياة بشكل أو آخر. أسلوب
الكاتب يجعلها تبدو هكذا. أسلوب فني فيه اختزال كبير للنَفَس
القصصي. إنها بالتالي أحداث مشوقة، مكتوبة بلغة جيدة ومصقولة.
أحيانا يختفي الهدف تماما من وراء كتابتها، لكنها كمادة إبداعية،
وكنص أدبي تمتع القارئ بشكل عام. عقدٌ مثل التراث والتاريخ
واستلهام تجاربه تبقى تزنّ في ذهن العقابي. لو أنها جاءت كتعبير
مباشر لرؤية الواقع اليومي بشكل جديد وزاوية مغايرة لكتب لها
التوفيق الكامل. لكنها اقتصرت في بعض النصوص على إقحام التراث
والتاريخ و ما يلحق بهما من مفردات وتعابير وصياغات أدبية كشكل
محنط، وبدا مفتعلا في بعض اللوحات. اللغة رشيقة، لكن تبدو في مواضع
معينة كونها ليست لغة الكاتب، وليست لغة النص، وبالتالي لا تخدم أي
أهداف يرجوها الكاتب أو النص. يتألق الكاتب بالإمساك بلحظات جميلة
لا يمكن للنص الشعري السيطرة عليها واحتواءها. ويصل هذا التألق حد
الدهشة التي تصل بالقارئ إلى مستوى الإمتاع، وفي الخلاصة يمكن
الحصول على حكمة معروفة، وأحيانا لا يحصل حتى هذا.
ربما يعتقد حميد العقابي أن النص القصصي هو اكثر صعوبة من النص
الشعري. هذا صحيح إلى حد بعيد. لكن القاص لا يستطيع أن يكون
"شاعرا" بسهولة. بينما يستطيع الشاعر فعل ذلك إذا توفرت لديه
الرغبة. في هذا السياق، وبقدر ما أنتجته "ثمة أشياء أخرى" من متعة
ومرح جاد وأثارتها لزوايا مخفية في حياة الفرد فهي تُعد إضافة هامة
لنتاج الكاتب الشعري والنثري. ونستطيع القول أن القصة العراقية
كسبت قاصا شغوفا بعالمها ولم تخسر شاعرا.
*"ثمة
أشياء أخرى" قصص. 120 صفحة قطع وسط، طبعة أولى 2004 ـ دار نينوى ـ
سورية ـ دمشق
المؤلف حميد العقابي. أديب عراقي مقيم بالدنمارك.
|