س. م. عوض التحولات

كتاب يحاول استجلاء الحقيقة حتى ولو كانت مرة

 

 

 

 

 

 

 

 

كتاب التحولات

دراسة فكرية في التحولات المتثيولوجية الدينية للإنسان عبر مراحل تاريخية مختلفة

 

                                   س م عوض

                                           25 |6 |2011

 

 

المقدمة

 

     لقد انتج الفكر البشري كما هائلا من الديانات والمعتقدات ولم يكن الدين او المعتقد بالنسبة اليه الا نتاجا معرفيا يندرج ضمن توجهاته الروحانية والوجدانية  هذا النشاط الانساني الروحاني هو الذي اسهم في تنظيم حياة المجتمعات كما اسهم ايضا في صراعاتها الدينية والمعتقدية وخلافاتها التاريخية .

     لقد حاولت في هذه الدراسة ان احلل الظواهر الدينية واحداثها بالمنطقين معا العقلي والوجداني وان ارفع القدسية تماما عن اي اتجاه ديني سواء كان سماويا ام غير ذلك واخضعه للتحليل والنقاش وقد توخيت الدقة في طرح الموضوعة بغية الوصول الى الحقيقة .

     وقد قسمت البحث الى خمسة ابواب رئيسية وقد تضمن الباب الاول  الطبيعة ؛ الانسان ؛ الكائنات الحية الاخرى حتى الباب الخامس الذي تضمن الديانات السماوية الثلاث وقد مررت على الابواب الاولى بشكل مقتضب باستثناء الباب الخامس والذي ضم الديانات السماوية الثلاث فقد اخذت منها بالتفصيل الديانة الاسلامية باعتبارها خاتمة الديانات السماوية ؛وقد مثلت نهاية المتثيولوجيا الدينية للإنسان كما مثلت النسخة المعدلة لما سبقها من ديانات سماوية  ولم يكن الهدف من البحث العرض للمتثيولوجيا الدينية بل التحول للفكر البشري من  متثيولوجيا دينية الى اخرى . 

     فقد اوضحنا ان التحول المتثيولوجي كان تجريبيا طبقا للمرحلة التاريخية وللثقافة المجتمعية ؛ وقد اضطررنا للتعامل مع الديانات وتحديدا السماوية منها على انها منتجا فكريا متطورا عن المراحل السابقة ؛ كما اضطررنا الى رفع القدسية عنها مثلما اشرنا واخضاعها للنقاش الحر بعيدا عن اي محددات او ضوابط  ولم يكن ذلك بدافع الاساءة للدين او للمعتقد او لشخوص الانبياء وانما بدوافع البحث العلمي  بالاتجاهين معا المنطقي العقلي والوجداني الإيماني تلبية منا لحاجة الناس لمعرفة الحقيقة وازالة  الشك باليقين . لأننا نعتقد ان البحث متاح لمعرفة الحقيقة بكافة الديانات فقد اقرت جميع الديانات مسائل البحث والنقاش بكافة اتجاهاته على المستوى العقلي المنطقي وعلى المستويات الاخرى وصولا للحقائق الايمانية فقد جادل الانبياء الناس في حججهم ومعجزاتهم وبما توفر لديهم  من كرامات اخرى فقد اوصلوا الناس الى درجات الايمان والقناعة الكلية المطلقة دون الاساءة اليهم او ردعهم حتى عن ما كانوا يعتقدونه او يؤمنون به  بل على العكس فقد تحمل الانبياء اساءات الاخرين .

     ان عملية التحول الفكري في المتثيولوجيا الدينية هي العملية الاكثر تعقيدا في البنية الفكرية الاجتماعية فهي تتطلب الايمان بذات الفكرة  المراد التحول اليها بشكل شخصي فردي وصولا للتغيير الكامل للمجتمع من الناحية المعتقدية  ؛ان الايمان هو العنصر الرئيسي في عملية التحول اننا نسلم بان جميع الانبياء قد عملوا بشكل منظم على الاتجاهات المتثيولوجية الدينية فمن خلالها استطاعوا تغيير الناس وتحريرهم من عبوديتهم لبعضهم كما استطاعوا من  تحريرهم من عبادة الاوثان والعبادات الاخرى؛ الا اننا نعتقد ان عملية التحررهذه                                                           كانت ناقصة ؛ فقد حول الانبياء الناس الى عبادات اخرى وبهذا التحول فقد اصبح الناس عبيدا ايضا وفق عباداتهم الجديدة ؛ وقد اسقط ذلك شرعية هذا التحرر ؛ فقد اقرن الانسان بعبودية اخرى هي عبودية الله الواحد الاحد ونعتقد ان هذه العبودية ؛هي تصور مجازي ولا تمثل الارادة الالهية ؛لان الله قد خلق الناس احرارا ثم سعى بعد ذلك الى تحريرهم من كافة اشكال العبوديات من خلال وجوده المنظم العاقل هذا الوجود الذي يتيح لنا التأمل والتفكر بالقدرة الالهية الخارقة وان نقتدي بها ونتمثل بها فهي المطلق الكلي والعظمة التي ما قبلها او بعدها عظمة ؛ فهي الكمال بجزئها وبكلها ؛ وهي الخلود بذاتها وذواتها ؛ وهي النعيم بخيرها وعطائها ؛وهي الجمال بحسنها وبهائها ؛ وهي العطاء اذا اقتضت اسبابها ؛ وهي التي قامت واسرج نورها ؛وهي التي سطعت وبان ضياؤها ؛وهي التي حضرت وفاض حضورها ؛وهي التي فتحت لنا ابوابها  ؛ وهي التي اكتملت بكل كمالها؛ وهي التي القت لنا احمالها ؛ وهي التي افتتن الانام بما لها ؛وهي التي عدلت واورث عدلها ؛ وهي التي اختلفت وكنا خلافها ؛  وهي التي اقتربت وصرنا قربها ؛ وهي التي ابتعدت وكنا بعدها ؛ وهي التي اذنت لنا في خيرها ؛ وهي التي اعطت وكنا عطاءها ؛ وهي التي حقت واعلي حقها ؛وهي التي صدقت وصدق صدقها ؛ وهي التي انتبهت لكل وجودها ؛ وهي التي امن الوجود بظلها ؛وهي التي خلقت واينع خلقها ؛ فتباركت في خلقها ونوالها .

     بهذه الطريقة كنا قد راينا الذات الالهية وقد سعينا في هذا البحث الى تنزيهها عن كل شيء وان نعطيها المكانة  الحقيقية التي تستحقها والتي لا يختلف كل ذي لب عليها ؛ واوجه شكري الى كل الاصدقاء الذين اخضعوا هذه الدراسة للبحث والتحليل وقد استفدت الكثير من آرائهم ومعارفهم بهذا الاتجاه كما اود ان اوجه شكري الى معلمي الاول د . المرحوم علي الوردي

                                                        س م عوض

                                                    25 | 6 | 2011                                                                                                             

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الاهداء

 

 

  الى كل الذين يخافون الله اهدي كتابي هذا واقول لهم ان الله ليس مخيفا بل محبا لا غير.

 

 

 

 

منهج البحث

 

اعتمدت في هذا البحث على منهج حداثوي هو المنهج التفكيكي في رؤيتي للتاريخ وللتحولات المتثيولوجية للفكر البشري وكانت عينة البحث من الناحية العلمية هي التحولات من معتقد الى معتقد اخر منذ بدء الخليقة الى التوحيد والديانات السماوية الثلاث هذه التحولات التي اسهمت  في رقي الفكر البشري من الناحية الاجتماعية  في بنيته الاخلاقية كما اسهمت في تنظيم حياة المجتمعات طبقا لطبيعة المرحلة التاريخية وافرازاتها الفكرية كما اعتمدت في دراستي هذه على مصادر تاريخية مختلفة في منهجياتها واتجاهاتها واعتمدت كذلك على الآراء العلمية المختلفة لجملة من الباحثين والدارسين للمساعدة لإضفاء العلمية على هذا البحث وقد وجدت ان المنهج المتبع في تحليل الاتجاهات المتثيولوجية للإنسان وطريقة التحول عبر مراحل التاريخ المختلفة هو منهج جديد من الناحية التطبيقية لذا حاولت اثرائه حتى اتمكن من البلوغ الى الحقيقة

المصادر

1_ قصة الحضارة ول ديورانت

2_ مغامرة العقل الاولى فراس السواح

3_ تاريخ ديانات الشرق مصدر متعدد

4_ تاريخ الحضارات مصدر متعدد

5_تاريخ الطبري

6_ صحيح البخاري

7_صحيح مسلم

8_ملحمة كلكامش ترجمة طه باقر

9_تهافت التهافت لابن رشد

10_تهافت الفلاسفة للغزالي

11_فلسفة الفارابي

12_ دلائل الاعجاز للجرجاني

13_اراء السيد احمد القبانجي في بعض دراساته

     اذ اسهمت جميع هذه المصادر في اثراء البحث ولا ازعم اني قد بلغت الحقيقة من خلاله ولكني حاولت ذلك

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الاول

 

 

الطبيعة

الانسان

الكائنات الحية الاخرى

 

 

 

 

 

1: الطبيعة

     لم تكن الارض في هذه الطبيعة سوى مسطحات مائية ومناطق غمر في معظمها هذا ما حدده علماء الجيولوجيا ولم تكن الطبيعة الا واقعا شرسا ومبهما للإنسان والكائنات الحية الاخرى ومما لا يقبل الشك ان جميع المخلوقات قد تطورت عبر مراحل مختلفة من مراحل هذا التاريخ بضمنها الانسان كما تطورت الارض قبل ذلك . حسبما تشير المكتشفات الحديثة ؛ اذ تعد الارض اقدم من الانسان والكائنات في هذه الطبيعة ؛ اي منذ الانفجار الذي حدث في هذا الكون ؛ هذا الانفجار الذي اسهم في تكوين جميع العناصر التي تمكن الكائن الحي من الاستمرار والبقاء .

     ان الارض هي اقدم عمرا بملايين السنين بالنسبة للإنسان والكائنات الحية الاخرى ؛ الا اننا لا نستطيع ان نحدد قدمها بالنسبة للمجرات الاخرى ؛ وتعد الطبيعة في مجملها نتاجا مبهما للإنسان حتى يومنا هذا .

 

2  : الانسان

     يمكننا القول ان الانسان سعى منذ البدء لاكتشاف الطبيعة والتعايش معها وفق نواميسها الكونية ؛ لما لهذه الطبيعة من تأثير على حياته وسلوكياته العامة ؛ وقد استطاع بفعل تطوره العقلي من تسخير قوى الطبيعة واخضاعها له ؛ اذ استفاد الانسان من الكهوف ؛ ومن الامطار ؛ والرياح ؛ كما استفاد من اختلاف الليل والنهار والنجوم والكواكب  وبدا يحدد حركته وفق ذلك وطريقة تعايشه مع الطبيعة ؛ وقد بقي الموت بقلق الانسان لما له من تأثير على وجوده وحياته المستقبلية ؛ اذ بقي هذا الهامش يشكل المخاوف الرئيسية للإنسان وقد تمكن فيما بعد من ان يضع تصوراته لهذا التحدي الكوني الذي يجهل فحواه ؛ وقد اختلفت هذه التصورات من انسان لآخر ومن مجتمع الى مجتمع اخر كذلك وانعكست على سلوكياتهم فقد مارس الانسان الغناء والرقص والسحر كما مارس القتل بدوافع الفضول للتعرف والتحقق عن ماهية الموت ؛اذ تعد جميع هذه الممارسات نوعا من انواع الطقوس .

3 : الكائنات الحية الاخرى

مثلما وجد الانسان على هذه الارض وهو يجهل ذلك وجدت الكائنات الحية الاخرى ؛ الحيوان | النبات |الحشرات | البكتريا هذه الكائنات التي اسهمت في مجملها بمساعدة الاخر على البقاء من خلال ما تقدمه من طاقة تمكن بعضها من الديمومة والاستمرار ؛ ان الطاقة التي تقدمها هذه الكائنات ؛ هي العامل المشترك في ما بينها وهي النتاج الطبيعي الذي يقترن في دورة الحياة من النشوء الى الزوال فجميع الكائنات الحية في هذه الطبيعة تعتاش على بعضها حتى تستطيع ان تنتج البعض الاخر ويعد ذلك نظاما حياتيا ثابتا وتوازنا دقيقا وفق نواميس الطبيعة .

                                                                                                                                    

 

 

 

 

الباب الثاني

المراحل الاولى لتطور الاتجاهات المتثيولوجية للإنسان

     كنا قد اشرنا في الباب الاول من هذه الدراسة الى ان الانسان كان يخشى الموت ؛هذه الحقيقة التي كانت تقلق الانسان بشكل دائم ومستمر وقد دفعته الى جملة من الممارسات الطقوسية كان اغلبها يصب في الاتجاه المتثيولوجي الديني  وكان الهدف الرئيسي من هذه الممارسات هو ارضاء قوى الطبيعة  وطمأنة النفس البشرية ؛ اعتقادا منه بان قوى الطبيعة هي المسؤولة عن كل شيء ووفق ذلك فقد بدا العقل البشري في عملية التطور والانتاج ؛ فقد مارس الرقص كاتجاه متثيولوجي ؛ وكذلك السحر ؛ والعهر ؛ والبغاء ثم بدأت تتحول هذه الممارسات الى اعتقاد سائد يختلف من مجتمع لآخر طبقا لطبيعة المجتمع وموروثه الثقافي وما يهمنا في هذا المبحث التحولات المتثيولوجية في حياة الانسان  .

     اذ بدا الانسان الغناء والرقص وقرع الطبول كعبادة ثم تحول الى ممارسة السحر كنوع من انواع العبادات هذه العبادات التي اسهمت في اضفاء الطمأنينة للإنسان ان موضوعة التحول في الاتجاهات المتثيولوجية هي الموضوعة التي نسعى الى بحثها في هذه الدراسة | الباب الثاني  | باعتبارها منتجا فكريا بشريا هذا المنتج الذي اسهم في رقي الفكر البشري عبر مراحل مختلفة من التاريخ وسعيه الدائم الى البحث والاكتشاف  . لقد كان ممارسة الرقص للمجتمعات البدائية هو ضرب من ضروب العبادة محاولة منهم لإرضاء قوى الطبيعة كي تستجيب لإراداتهم ؛ وتعد هذه الممارسات تطورا طبيعيا بالنسبة للفكر البشري .

     ان التحول هو الذي انتج الاختلاف في الاعتقاد وطريقة العبادة ؛ فهناك الكثير من المجتمعات البدائية استطاعت بفعل التحول من معتقد لأخر انتاج ثقافات جديدة كان لها الا ثر  الفاعل في تشذيب السلوك والبناء الاخلاقي طبقا لمراحل التطور ؛ اذ اعتمد الانسان في العصور البدائية الاولى على التجريب في ترسيخ المعتقد؛ ومما لاشك فيه ان المصادفات تلعب دورا رئيسيا في ترسيخ المعتقد كذلك ؛ نأخذ مثالا : قبيلة من قبائل الهنود الحمر في الاقوام البدائية تؤدي رقصة كطقس عبادي كي تتوقف الريح فهم يعتقدون بان الريح تستجيب لعباداتهم ولو حدث ان توقفت الريح بعوامل طبيعية مناخية ؛ فان الاعتقاد السائد بان الرقص هو الذي اوقف حركة الريح هذه  .

     لقد كان الانسان البدائي يعي جيدا صراع الطبيعة وقسوتها فأحاط نفسه منذ البدا بتدابير تمكنه من الديمومة والاستمرار ؛ فقد اتخذ الكهوف مساكن له تقيه من المخاطر الاخرى ؛ ثم عمل بشكل فاعل على تكوين تجمعات سكانية لما لها من اثر على حياته الاجتماعية العامة ؛ بعد ان كان يعيش العزلة والانفراد ويعتمد اعتمادا كليا على جهده في المعيشة ؛ اذ يتلخص ذلك في الصيد .

     ان التحول الذي احدثه الانسان البدائي في حياته وانتقاله من العزلة والانفراد الى التجمعات هو الذي استطاع من خلاله ان يؤسس الى وجوده العام الذي مكنه في ما بعد من تكوين ثقافات مجتمعية تختلف من مكان لأخر ومن مجتمع لآخر ايضا . وقد تعددت هذه الثقافات واختلفت فهناك تجمعات مارست النظام المشاعي البدائي ؛ ويعد هذا النظام نظاما متطورا على الانظمة الاخرى في تكوين المجتمع وترسيخ ثقافته  لان الجميع يحصل على الطعام كما يحصل على الجنس ايضا سواء شارك الفرد منهم في عملية الانتاج ام لم يشارك . كما توجد هناك انظمة بدائية اسهمت بازدهار الفنون طبقا لحاجة المجتمع فقد كان السحر يمارس بشكل واسع في اغلب المجتمعات البدائية هذا الفن الذي اسهم في تشكيل المتثيولوجية الدينية وتكوين الاسطورة في ما بعد  . (   را جع ) ( فراس السواح ) ( مغامرة العقل الاولى ) فقد كان السحرة يستخدمون الايقونات ويطلقون الصرخات ويرددون الترانيم وهم الواسطة الوحيدة ما بين عامة المجتمع وبين الالهة . فقد كان يظن الانسان البدائي بان الساحر يستطيع فعل كل شيء ؛ كونه يعرف اسرار الالهة وانها لا تستجيب الا له وقد بقي هذا المفهوم راسخا في عقول النا س من المجتمعات البدائية ؛حتى ظهور الانبياء والكتب السماوية المقدسة وقد تطور هذا المفهوم ليحل الكاهن محل الساحر في العصور البدائية القديمة ؛ كما حل الرسل والانبياء محل الكاهن فيما بعد ؛ وبقي هذا المفهوم  سائدا حتى ما بعد النبوة ليحل الامام او الخليفة محل النبي بعد موته ؛ وكذلك رجل الدين من العترة الصالحة ؛ ان المشكل الرئيسي في هذا الموضوع هو الذي يتأتى من ضعف الناس وعجزهم التام عن فهم الحقائق المتثيولوجية في تحولاتها الفكرية من العصور البدائية حتى يومنا هذا لان المتثيولوجيا في تحولاتها الفكرية ؛ عادة ما تتعلق بالخرافة والايهام ؛ ولان الانسان يسعى الى الطمأنينة في حياة يؤمن بانها فانية فهو يستسلم لهذه الخرافة دون ان يحكم العقل او المنطق في تحليل مثل هذه الظواهر . ان الاتجاه الديني في حياة الشعوب هو الاتجاه الذي يتعلق بالإيمان وبالشعور وهو ذاتي النزعة داخل النفس البشرية كما هو مجرد من القوانين وغير خاضع لمدركات العقل . ان التحول الذي احدثه الانسان في الاتجاه الديني والمعتقدي هو التحول الذي ينبغي دراسته بشكل علمي كونه يدخل في حياة الانسان بشكل مباشر ؛ وقد ادى هذا التحول الى ظهور الفكر الديني ؛ وتعدد الديانات وقد عمل الانسان على اضفاء القدسية على كل تحول ديني او حركة فكرية دينية وسنتطرق الى هذا الموضوع في الفصول القادمة من هذا الكتاب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثالث

التعددية في الديانات والتوحيد

     اشرنا في بداية هذه الدراسة الى ان الاختلاف الفكري والثقافي بين الاقوام البدائية ادى الى ظهور جملة من المعتقدات كما ادى الى ظهور الطقوس العبادية المختلفة ؛ ولم تشهد المجتمعات البدائية الاولى نزاعات على اساس المعتقد او الدين فلكل قبيلة طقوسها الدينية الخاصة بها كما تمتلك كل قبيلة طوطما يمثل اتجاهها العبادي ويميزها عن القبائل الاخرى . وهناك فسحة من الحرية للانتقال من عبادة الى عبادة اخرى ومن معتقد الى معتقد اخر دون ان يترتب على الوضع الجديد اي عقوبات او ضوابط ؛فللإنسان مطلق الحرية في الاعتقاد او العبادة ومن هنا جاءت التعددية ؛ وقد ظهرت العبادات المختلفة ؛ فمنهم من يعبد الشمس  ؛ القمر ؛ الريح ؛ المطر  الى غيرها من العبادات  ؛ وصولا الى مراحل اكثر تطورا في حياة المجتمعات  وهي المراحل التي بدأت باكتشاف الزراعة والانتاج حيث تمكن الانسان  باكتشافه هذا من ان يضع الاسس الاولى للبدايات المدنية فقد قامت التجمعات السكانية وتم انشاء المدن وتأسيس اول واقع حضاري مدني ( راجع ) ( ول ديورانت ) ( قصة الحضارة ) ان الانتقالة التي احدثها الانسان في حياته  بانتقاله من واقع الكهوف والغابات الى التجمعات والبناء المدني تعد الخطوة الاكثر اهمية في تطور الفكر البشري ونشوء الحضارة . هذه الخطوة التي فتحت الباب امام الانسان لإنتاج ثقافات مدنية كان لها الاثر الفاعل في تطور المعتقد وظهور ثقافات دينية جديدة فقد تحولت بعض الاقوام في الحضارات القديمة عن عبادة الشمس ؛ والقمر ؛ والحجر الى عبادة الشخوص باعتبارهم انصاف الهة  (راجع ) ( تاريخ الحضارات ) ( مصدر متعدد)  هذا التحول الذي حدى بالإنسان الى بناء المعابد وممارسة الطقوس الدينية داخلها ؛ فكان لكل اله معبد تمارس فيه شتى انواع العبادات  كما كان البغاء مشاعا في بعض المعابد  وكانت هذه المعابد تدار من قبل الكهان ؛ فهم المسؤولون عن اداء الطقوس الدينية  ؛ وكان الكاهن ذو مكانة رفيعة في المجتمع ويحظى بقبول الجميع ؛ وان الجميع يسعى الى ارضاء الكاهن وطاعته كونه الوحيد العارف بأمور الالهة كما يمثل الكاهن السلطة الالهية في الارض بالنسبة للمجتمع وان غضب الكاهن هو من غضب الالهة  اما من الناحية الاقتصادية فقد كان الكهان ينعمون بأوضاع اقتصادية جيدة فهم يعتمدون في مدخولاتهم على المعابد وما يقدم الى هذه المعابد من اموال واضاحي من قبل عامة الناس ؛ وكذلك من السلطة الحاكمة ؛ اذ تصب جميع هذه المدخولات في صالح الكهان وخدمة المعابد . ولم يكن للكهان اي عمل سوى العبادة فهم يعتاشون على جهد الناس وجهلهم  ان جهل الناس هو الذي يدفعهم للتشبث بآراء الكهان وطاعتهم ولم تكن الطاعة بالنسبة للناس سوى ارضاءا للسلطة الالهية  .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( التوحيد )

     لم يكن التوحيد الا تطورا فكريا اخرا في الاتجاهات المتثيولوجية والدينية  هذا التطور الذي شكل ردة على النظم الاجتماعية التي افرزتها الاتجاهات المتثيولوجية الدينية المتعددة ؛ فقد مثل هذا التطور انعطافا خطيرا في حياة الشعوب  والمجتمعات ؛ فقد تحول الدين الى ايديولوجيا فكرية رافضة الى جميع المعتقدات والاتجاهات الدينية الاخرى باستثناء الوحدانية التي سعى الى تكريسها باعتبارها سلطة مركزية ثابتة تمثل ذات الله . هذه السلطة التي اقترنت بالموحدين كممثلين لها ومبشرين . ووفق ذلك فقد اصبح الله مركز الكون والمنتج الاوحد لجميع الخلائق . ان هذا المفهوم يتقاطع تماما مع الاتجاهات المعتقدية التي كانت سائدة من ذي قبل بل هو رافض لها باعتبارها نتاج معرفي قديم وموروث خاطئ لثقافات انتجها الانسان عبر مراحل تاريخية مختلفة ؛ هذه الثقافات التي يشوبها الخضوع والاستسلام ؛ كما يشوبها الجهل والتخلف وقد حاول الموحدون باتجاههم الجديد عكس ذلك الا انهم لم يتمكنوا من تقديم الشيء الافضل ؛ فقد ظل مفهوم العبادة هو المفهوم السائد  وقد حلت السلطة المركزية بدل السلطة التعددية  ؛ كما حل الرفض بدل القبول للفكر الاخر . ان الانموذج الفكري الجديد للموحدين هو الذي افرز الصراعات الدينية والمعتقدية ؛ وهو الذي سعى الى تكريس العبودية كظاهرة ثابتة وحتمية تتعلق بالإرادة الالهية ؛ هذا من جانب اما من الجانب الاخر فقد وقف الموحدون موقفا معاديا للفنون وتطورها ؛ فقد نهى الموحدون عن ممارسة السحر كفن شائع في ذاك الحين ؛ ومارسه البعض منهم  كما نهوا عن الرقص كطريقة للعبادة ؛ وكذلك حرموا الغناء والموسيقى باعتبارهما من الملاهي ؛ كما كسروا الاصنام ونهوا عن صناعتها وحرموا فن التحنيط والتجميل . ( راجع ) ( تاريخ ديانات الشرق ) ان رؤيا الموحدين الجديدة وطريقتهم في العبادة هي التي افرزت انموذج التضاد والصراعات الدينية والمعتقدية وقد انعكس ذلك على بعض الديانات والمعتقدات  . ان رفض الفكر الاخر هي الاشكالية الكبرى التي افرزها الاتجاه التوحيدي ؛ فقد دفع بالديانات والمعتقدات الى التضاد ؛ والى التعصب ؛ والتطرف وهذا ما لم تالفه المجتمعات المعتقدية من ذي قبل

الانموذج الاخلاقي الجديد للموحدين  ؟

وهنا يكمن السؤال الاكثر اهمية  .

هل قدم الموحدون انموذجا اخلاقيا يحتذى به في دعوتهم للتوحيد ؟

من وجهة نظرنا ان الموحدين قد اثروا بالمجتمعات بالاتجاهات المعتقدية وليس الاخلاقية ؛ لانهم لم يقدموا انموذجا اخلاقيا متقدما عن ما كان سائدا في المجتمعات في ذاك الحين بل اهملوا ذلك ؛ وكان جل اهتمامهم منصبا على تغيير المجتمعات من الناحية المعتقدية في دعوتهم للتوحيد . وقد افرز هذا الاتجاه من الناحية الاجتماعية انموذجا اخلاقيا جديدا في رؤيته للمجتمعات انعكس بالاتجاه السلبي وليس الايجابي ؛ فقد حل الرفض بدل القبول مثلما اشرنا في متن هذه الدراسة ؛ كما حل العنف والصراعات المعتقدية ؛ وقد ابتعدنا كل البعد  عن البناء الاخلاقي في تغيير المجتمعات ؛ والتي ينبغي ان تتقدم الاخلاقيات فيها على العبادات . ورغم ذلك فان البعض منهم حاول التأثير في المجتمعات وتغييرها من الناحية الاخلاقية بالاتجاهات التي تخدم فكرة التوحيد والتي سعى الموحدون الى تعميمها . ان رؤية الموحدين كانت منصبة على العبادة وطريقة العبادة فهم اول من دعى الى عبادة الله الواحد الاحد ؛ وبهذا فقد نقلوا العبادة من الواقع المراي الملموس الى عالم الغيب المجهول  وهنا يكمن المثال الاعظم  . ان هذا الاتجاه هو الذي اسهم في تعقيد الامور من الناحية الدينية ؛ لان الانسان في طبيعته الغريزية يبحث عن الطمأنينة ويخشى المجهول دائما ؛ ولان الغيب مجهول للإنسان فعزز ذلك خوفه الغريزي الدائم فهو ينظر الى الله باعتباره سلطة مركزية مهيمنة  ( يبطش متى يشاء ويصفح متى يشاء ) هذا المفهوم وفق هذا التصور هو المفهوم الخاطئ لان الله لا يمكننا تصوره او ادراكه فمن اين جاءت هذه التوصيفات والتصورات عن الذات الالهية . وحتى نجيب لابد لنا من ان نعود الى الثقافات الدينية القديمة ونلفت عناية القراء الى ان تصور الانسان البدائي كان منصبا بهذا الاتجاه فهو يقرن الخير والشر بالذات الالهية التي كان يعبدها وقد وضع هذا التصور طبقا للظروف البيئية والوجودية التي كانت تحيط به . ولم يخرج الموحدون عن هذا التصور بل كرسوا هذا المفهوم بشكل غريب وقد ارجعوا كل شيء للذات الالهية ؛ واسبغوها بصفات تتقاطع تماما مع الاتجاه العقلي والمنطقي  ( راجع ) ( تهافت الفلاسفة ) ( للغزالي ) ان تصور الموحدين عن الله مستمدا من ثقافات دينية قديمة ما رسها الانسان البدائي الاول وهي ثقافات بدائية بسيطة لا تتعدى حدود التصور للفكر البشري في ذاك الحين . ان التصور شيء والحقيقة شيء اخر؛ فلم يكن بمقدور الموحدين ادراك الحقيقة الالهية رغم كل التحولات المتثيولوجية للفكر البشري ومراحل تطورها ؛ فقد ظل الموحدون يتصورون الله كما كان يتصوره الانسان البدائي الاول بكل جهله وتخلفه كما ظل مفهوم العبادة ثابت والخوف من السلطة الالهية كذلك  . ان مفهوم الخوف هو المفهوم القسري الاخر وهو تصور قديم ايضا حاول الموحدون تكريسه داخل النفس البشرية باعتباره نقطة ضعف الانسان امام السلطة الالهية المهيمنة ؛ هذه السلطة التي تتعمد اخافة الانسان حتى يطيع ويعبد ان هذا المفهوم هو مفهوم مخالف للمنطق وهو تصور خاطئ ايضا  لان الله ليس مخيفا للإنسان بل محبا له بالمعنى المجازي اذا جاز لنا التصور. ولو اخذنا هذان الاتجاهان بدلالة المعنى واقرناهما بالإنسان كصفات غريزية ثابتة فايهما يعطي النتاج الافضل في الطاعة والعبادة ؛ الحب للذات الالهية ام الخوف منها والجواب كالاتي ان الحب اعلى منزلة من الخوف داخل النفس البشرية ؛ وان الطاعة في الحب اسمى من الطاعة في الخوف ؛ وقد تطيع وتعبد خوفا ولكنك لن تحب من تخاف منه ابدا. ان تصور الله مخيفا بالنسبة للموحدين هو تصور ساذج وهو اساءة للذات الالهية ايضا ؛ فقد نقلوا تصورات قديمة مارسها الانسان في اغلبها خاطئة دون ان يدركوا ذلك فهم نقلوا هذا التصور طبقا لوعيهم ولتلك الثقافات  ام من الناحية الاجتماعية فلم يكن للموحدين منزلة تذكر سوى انهم اناس اعتمدوا التوحيد في عباداتهم للاختلاف مع المعتقدات الاخرى . وقد اعتمدوا بذلك على جهل الناس في الاتجاهات المعتقدية؛ هذا الجهل الذي اسهم في تغيير المجتمعات واصطفافها الى جانب الموحدين باعتبارهم دعاه للتغيير الديني وهو بالضرورة تغيير للنظم السياسية التي كانت تعاني منها المجتمعات ؛ فقد امن الناس بهم وصدقتهم لان الانسان عادة ما يؤمن بالخرافة والتظليل . ان التغيير في التوحيد لم يكن منصفا من الناحية الاجتماعية كونه لم يراع الابعاد الاخلاقية للمجتمعات فقد ابتعد كثيرا عن هذا المضمون واعتمد العبادة كمنهج ثابت للتوحيد ؛ وبذلك اصبحت العبادات تتقدم على الاخلاقيات ؛ وقد ظلت المجتمعات التوحيدية تمارس القتل والعنف والعبادة في ان واحد ؛ دون ان يتحقق فيها ادنى مبدا من مبادئ العدل الاجتماعي .

 

( فلسفة التوحيد )

     لقد بنى الموحدون فلسفتهم على الاختزال وقد تم اختزال جميع الالهة  باله واحد وتم تذكير الله بدل التأنيث الذي كان سائدا في جمع الالهة فاصبح الله مذكرا واحدا كما تم احلال الغيب والمثال باعتبارهما يمثلان العالم الاخر والمنتهى الابدي لجميع الخليقة  ويعد هذا الاتجاه في التفكير اول اتجاه فلسفي فكري لديانات الشرق ؛ هذا الاتجاه الذي يسعى الى تنظيم حياة الانسان وكبح جماحه من خلال عالم الغيب الاخر . الا ان المشكل في هذا الموضوع يكمن في العالم الاخر عالم الغيب ومبعث الانسان من جديد فقد عجز الموحدون تماما باتجاههم الفكري الجديد من الوصول الى الحقيقة ؛ ومعالجة القضية الغيبية وفق مفهوم فلسفي عقلي ؛ فقد اعتمدوا على العرفان بدل البرهان في اتجاههم الديني هذا الاتجاه الذي يؤمن بمحدودية العقل والذي يرجح الايمان بالا معقولات ومنها قضية البعث . فقد عالج الموحدون هذه القضية بالإيمان ؛ اذ اشترطوا الايمان كمنهج ثابت للتسليم بالقدرات الالهية الغيبية باعتبارها قدرات خارج مدركات العقل  وان العقل نسبي محدود لا يمكنه الوصول الى الحقيقة ( راجع ) ( تهافت التهافت ) ( لإبن رشد ) و بهذا فقد اصبح الايمان كضرورة حتمية بدل الادراك  . ان هذا الاتجاه هو الاتجاه الذي اسهم في تظليل الناس وابتعادهم التام عن مديات العقل والمنطق في رؤيتهم للذات الالهية  . وكم هو مؤسف  ان نتصور الله وفق هذا المفهوم التوحيدي الذي اساء كثيرا لتلك الذات  . فقد دون التوحيديون معارفهم عن الله  ( راجع ) ( السيد احمد القبانجي ) ولكن بطريقة خاطئة  مبنية على التضاد والغاء الاخر ومبتعدة كل البعد عن الجانب الاخلاقي . ان رؤية الموحدين عن الله هي رؤية قاصرة مستمدة من ثقافات قديمة مثلما اسلفنا ؛ وقد سعى الموحدون الى توصيف الله وفق رؤاهم التي لا تتعدى حدود المخيلة وخصوصا في الديانة الاسلامية فقد كان التوصيف وفق الاتي  العظيم ؛ الجليل ؛ القدير ؛ المحيي ؛ المميت     ؛ المذل ؛  الجبار ؛ القهار  الى غيرها فمن اين جاء هذا التوصيف والتصور لعقل نسبي محدود  يرجح الايمان كمنهج للتسليم بالقدرات الالهية الغيبية باعتبارها قدرات خارج مدركات العقل ؛ وان كان العقل عاجز وغير مسلم به فكيف له ان يضع مثل هذا التوصيف .

 

 

 

 

 

الباب الرابع

ما حقيقة الرسل والانبياء ؟

      وفق المفهوم الديني للموحدين فان الرسل والانبياء من عند الله ؛ وان مفهوم الرسول عند الموحدين هو المبلغ بالرسالة الالهية للناس جميعا وقد خصه الله واختاره كحامل لهذه الرسالة ؛ وقد انحسر دور الرسل والانبياء بالموحدين فقط  باعتبارهم قد اولوا الطاعة لله  . وقد ظهر منذ خليقة ادم الى ظهور الاسلام الاف الرسل والانبياء تعاقبوا على الناس عبر مراحل مختلفة من التا ريخ البشري . اما مفهوم النبي فهو المبعث في قومه وصاحب اعجاز الهي  . هذا هو المفهوم العام للرسل والانبياء  . والسؤال الذي نود الاجابة عنه  يتمحور حول المشتركات ما بين الله ورسله وانبيائه من جانب اما من الجانب الاخر فهو يتعلق بالعقل البشري في استيعابه لفكرة الوجود من عدمها ؛ وهل كان بحاجة الى خطاب عن طريق الرسل والانبياء . واعتقد ان لا هنالك مشتركات ما بين الله ورسله وانبيائه بالمنظور العقلي المنطقي لأننا لا نستطيع ان نتصور ماهية الله كما اننا لا نستطيع ان نسبغه بالصفات ؛ فان قلنا الله يتكلم ؛ فالكلام صفة بشرية وليس الهية ؛ وان سلمنا بان هنالك مشتركات فقد اسبغنا على البشري صفات الهية لا يمكننا ادراكها او تصورها حتى  ( راجع ) ( فلسفة الفارابي )  .

     اما فكرة الوجود فهي مدركة من قبل الشعوب والمجتمعات ومقرونة بالله قبل ظهور الرسل والانبياء فقد بنيت على وعي معتقدي ديني منظم شابه التحول من مرحلة لأخرى ومن معتقد ودين لآخر كما كان هناك بناء ا اخلاقيا للمجتمعات تمكنت من خلاله من تنظيم الحياة المجتمعية والتي مكنتها من الديمومة والاستمرار حتى هذا الوقت . ان فكرة الرسل والانبياء هي فكرة واهية فارغة من محتواها تتعلق بالخرافة والمخيال ؛ وحقيقة ذلك ان العقل المدني هو الذي انتج كل هذا التراكم الحضاري ولم ينتج الفكر الديني اي شيء يذكر  ؛ هذا الفكر الذي اعتمد الروحانيات في تحليل الظواهر ؛ فعلاقة الروح بالمادة على سبيل المثال والتي حاول الفكر الديني معالجتها علاقة مبهمة غير مدركة بالنسبة للعقل كما هي غير مدركة بالنسبة للفكر الديني ؛ ومثال ذلك  . عندما وجه السؤال التالي الى الرسول محمد هل يستطيع ربك ان يحيي هذا العظم الرميم وان يعيد له الروح من جديد ؟  ؛ ( اجاب ) حسب الآية التالية ( قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحيها الذي انشاها اول مرة) فهو يعود بالإجابة الى الابهام والى العموميات  كونه لا يعرف الحقيقة ؛ حقيقة النشوء والزوال  (راجع ) ( البخاري ) و ( صحيح مسلم ) ان حقيقة النشوء والزوال والبعث هي حقائق مبهمة للفكر البشري ؛ كما هي مبهمة حقيقة الله  فان اعتمدنا الدين كمنهج للحياة حتى نستطيع ان نبلغ الحقيقة فإننا بذلك نعتمد الخرافة والتظليل وان اتبعنا المنطق في تحليل كل هذه الظواهر فالمنطق عاجز كذلك من الوصول الى الحقيقة  . ان قدرة الله تتجلى في خلقه لهذا الوجود المنظم الذي نستطيع من خلاله ادراك القدرة وليس الله ؟؟  ان ادراك القدرة شيء وادراك الله شيئا اخرا  ؛ ولا يمكننا ادراك القدرة الا بالعقل والمنطق وليس الدين ؛ لان الدين منتج فكري بشري يسعى كذلك الى اكتشاف الحقيقة عبر وسائل غير دقيقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الخامس

 

الديانات السماوية الثلاث ومعجزات انبيائها 

 

 

اليهودية

المسيحية

الاسلامية

 

 

 

اولا :      الديانة اليهودية     

النبي  موسى  :     

      يعد النبي موسى نبي اليهود وكان قائدا عسكريا في جيش الفرعون في مصر حسبما    تشير بعض   المصادر التاريخية وقد انتقل مع بعض من جنوده من مصر الى ارض كنعان  وكان موحدا يؤمن بالتوحيد وقد اختلف مع الفرعون في مصر  وقد تكون اسباب الاختلاف دينية  بعد انتقاله الى ارض كنعان دعى موسى قومه الى التوحيد الا انهم ابوا واستكبروا الا القلة منهم ؛ وكان اعجازه الالهي انه كليم الله  ومن هذه النقطة سوف نبدأ حتى نستطيع ان نتبين من هذا الامر ؛ باي لغة كلم الله النبي موسى ؛ تقول المصادر الدينية للموحدين بان الله كلم النبي موسى بلغة الاشارات ولو اخذنا تحليل هذه الظاهرة بالمنطق العلمي ؛ فان جميع لغات العالم هي عبارة عن اشارات ورموز ذات دلالات ؛ والكلام غير اللغة  ؛ فعندما نقول كلم بمعنى ان هناك منطوق لساني ومشترك واحد بين الاثنين هو النطق ؛ والنطق للكلام لمخاطبة العاقل  ؛ اما الاشارة والرمز فهما غير منطوقين نأخذ مثالا علميا على ذلك . لغة الصم والبكم يتم نقلها من خلال الاشارات والرموز وتعتمد على النظر في عملية التخاطب يتم من خلالها استلام الاشارة لدلالة المعنى .

     اما ما دار بين الله وموسى فهو لم يبن على النظر والرؤيا لاستلام الاشارة لان موسى لم ينظر الى الله ولم يره فكيف له استلام الاشارة حتى يتم المعنى المفترض ؛ فمعجزة الكلام عبارة عن تهيأت كانت تتراءى لموسى اثناء قيامه في خلواته للعبادة 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التوراة الكتاب المقدس لدى اليهود

     هل حقا ان التوراة هو كتاب الله حسبما تشير بعض المصادر وان كان كذلك فباي طريقة انزل التوراة ومن الذي نقل هذا الكتاب اذا كان موسى لم يكلم الله من خلال الاشارة مثلما ذكرنا انفا .

     من المرجح ان التوراة قد كتب قبل موسى بكثير ؛ وهو منتج فكري ادبي مثل ثقافة المجتمع العبراني وقد اختلف الرواة على هذا الكتاب فمنهم من قال ان رجالات الدين اليهود قبل موسى قد دونوا هذا الكتاب وهو عبارة عن تعليمات ووصايا لتنظيم الحياة المجتمعية ؛ وقد جاء موسى متطفلا على ذلك من خلال اطلاعه على الثقافات اليهودية القديمة والثقافات الاخرى عندما كان في مصر ومنهم من يقول انه كتب في عهد موسى اذ استقدم موسى بعض الاحبار من اليهود العارفين بقضايا السحر وامور الدين لصياغة هذا الكتاب  والعمل به كدستور ثابت من عند الله  . ورغم اختلاف الرؤى فان هذا الامر يبقى مشكوك في صحته ؛ وما يهمنا في هذا المبحث هو اصل النص التوراتي بالمنظور العقلي كي نتبين مرجعية هذه النصوص وانتماءها  . ان اغلب هذه النصوص كانت تنتمي لثقافات بوذية قديمة كما كان البعض منها يمثل النصوص الاسطورية في انتمائه وهي امتداد لتدوين تلك الاساطير اذ تتقارب النصوص التوراتية والانجيلية والقرآنية على مذهب واحد باختلافات نسبية ؛ هذه الاختلافات التي تمثل بعض التشريعات وطريقة بنية النص اما الخطوط البيانية لتلك النصوص فهي واحدة ويرجح ان من عمل في هذه النصوص له معرفة بديانات الشرق القديمة ؛ ومنها النصوص الاسطورية ؛ كما ان اغلب هذه النصوص في الكتب الثلاث يؤكد وحدانية الله كما يؤكد علاقة الله بالرسل والانبياء ؛ ان تقارب النصوص في الكتب الثلاث بهذه الطريقة لم يأت عبثا بل جاء للتأكيد على ان تلك النصوص من عند الله حسب مضامينها  . واذا اخذنا النص التوراتي بالتحليل ؛ فهو نص نثري سردي يعتمد الاسطورة والتغريب في بنائياته وهو نص قابل للتأويل في بعض الاحيان وينطبق هذا القول على الكتب الاخرى باستثناء بعض النصوص المكية في القران فقد جاءت على نمط يسمى بسجع الكهان هذا الاسلوب الذي استخدم من قبل الكهان في الجزيرة العربية اثناء تأدية الطقوس العبادية  . ان مرجعية النصوص الكتابية هي مرجعية اسطورية  وهناك تفاوت ما بين نص ونص في جميع هذه الكتب ؛ وهذا التفاوت في مستوى البناء النصي اثناء عملية النقل او الترجمة فهناك النص الضعيف في بنيته والذي ينم عن مزاج سيئ لمنتجه اثناء عملية الانتاج في الاطار الذي اسلفنا ؛ وهناك نص خارق ينم عن مزاج رائع ايضا ؛ ان هذا التفاوت هو الذي يدلل على ان الية الاشتغال بهذه الطريقة هي الية تجريبية فكيف للذات الالهية ان تعلن عن مضامين افكارها وان تجرب في هذا الاسلوب ؟ ان هذه النصوص تشترك بخصوصية واحدة فهي تؤكد على العبادة  مثلما اسلفنا كما انها تخاطب الشعور والعاطفة وتبتعد كل البعد عن المنطق العقلي  نأخذ مثالا على ذ لك . ( عصا موسى ) ( فأوحينا الى موسى ا ن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) حسبما ورد في القران  : فانشق البحر ودخل موسى ومن معه ونجى من كيد الكافرين . هذه الرواية بهذه الطريقة ؛ ثم نأتي لتفكيك هذا الخطاب  ؛ ونقول ان كان الله قد اعطى موسى الاعجاز عن طريق الكلام فلماذا يعطيه اعجازا اخرا عن طريق العصا التي كان يحملها وهل حقا ان عصا موسى قد شقت البحر بالمنظور العقلي ان هذه الرواية هي ضرب من ضروب الميتافيزيقيا لان موسى لم تكن لديه القدرة بالدفاع عن نفسه  ولو كان عكس ذلك لما توانا موسى باستخدام قدراته ضد الكافرين حسبما تشير الرواية  . وفي موضع اخر ورد في القران ايضا  ( قال القها يا موسى فالقاها فاذا هي حية تسعى ) وهنا تحولت العصا التي كانت في يد موسى الى حية واستطاعت ان تهزم جميع الافاعي الاخرى التي استقدمها السحرة من اليهود ؛ ومعنى ذلك ان موسى كان ساحرا وليس نبيا ؛ فان كان السحر مباحا لموسى فلماذا لا يكون مباحا للنبي محمد ايضا . ان التأكيد القرآني على نبوة موسى وعيسى بمواضع مختلفة هو تأكيد على شرعية التوراة والانجيل بانها كتب سماوية ؛ وان ما ابلغ لموسى  هو ذاته ما ابلغ لعيسى وكذلك للنبي محمد عن طريق تلك الكتب  ونعتقد من وجهت نظرنا  ان الديانات السماوية الثلاث  هي منتجا يهوديا صرفا لان اليهود هم اكثر مراسا ومعرفة بالاتجاهات الروحانية  ان هذا التوالي باستنساخ ذات الفكرة ؛ هو الذي يدفعنا للخوض في التفاصيل وصولا للحقيقة ؛ لقد كان المجتمع العبراني مجتمعا يمارس السحر ؛ فخص الله موسى بالسحر طبقا لهذه الثقافة حسبما ورد ؛ علما بان السحر على مر العصور هو مخالف للحقيقة ؛ فان كان النبي لا يعيش الحقيقة فكيف لنا ان نعيشها نحن وكيف له ان يحمل خطابا الهيا اصلاحيا للمجتمعات وهو يجانب الحقيقة  . ان التطور المتثيولوجي في الاتجاهات الدينية والتحولات التي احدثها الفكر البشري في سعيه لمعرفة الله هي الموضوعة المنطقية للتصور وليس العكس ؛ لان الله لا يسعى لمعرفة حقيقة خلقه كونه منتجا له وهو اعرف في كل شيء ؛ ان فكرة السحرة والكهان والرسل والانبياء قد بنيت على الوعظ واصلاح المجتمعات  باعتبارهم العارفين بأمور الدين والعبادة وهم الاقرب الى الله في طاعاتهم وعباداتهم لذا خصهم الله بهذه المنزلة ؛هي فكرة حسب اعتقادنا غير صحيحة ولا تمثل الحقيقة في شيء ؛ والحقيقة ان جميع هؤلاء كانوا يسعون الى المنافع الاجتماعية  ؛ متخذين الدين او المعتقد وسيلة لتحقيق مثل تلك الاهداف ؛ فهم يدركون جيدا جهل الانسان في الاتجاهات الدينية والروحانية ؛ وخوفه الغريزي الدائم من حقيقة الموت والمجهول ؛ فقد سعوا جيدا لتدعيم هذا الخوف داخل النفس البشرية وتحديدا التوحيديون منهم . فقد انتقلت عبادة الناس من خلالهم الى الله عالم الغيب المجهول ؛ المثال الاعظم  . كما ان فكرة البعث التي سعى الموحدون الى تدعيمها هي فكرة اعتقادية مثلما اسلفنا ؛ لأنها لا تستند الى منطق عقلي بل اعتقادي وهي تأكيد دائم على اخافة الانسان من الذات الالهية في حال البعث من جديد  . لقد صور الموحدون الله مجربا في خلقه غير عارفا بهم ؛ وان حياة الدنيا ساحة اختبار للخليقة في الطاعة والعبادة  . لقد عمل موسى كموحد وفق هذا المبدأ ؛ فقد اخاف الناس كي يتمكن من تحقيق فكرته المنشودة  .

 

 

 

الديانة المسيحية

     عيسى ابن مريم المجدلية ( يسوع )  ابن الله هو نبي قومه وصاحب اعجاز كذلك ومعجزته من عند الله احياء الموتى وكتابه الانجيل  .

     وبناءا على هذا المفهوم فان عيسى يشترك مع الله بخصوصية واحده هو احياء الموتى وقد جاء هذا الاعجاز حسب المصادر التوحيدية  :  ومفاده بان الناس كانوا يموتون بكثرة في تلك المرحلة وان اعجاز عيسى هو للتوازن حتى يستمر الخلق ومن ناحية اخرى فهو تأكيد على نبوة عيسى من عند الله ودعوة الناس لعبادة الله . ووفق ذلك فان عيسى يمتلك قدرة الله على احياء الموتى ؛ وقد قام بإحياء الكثير من الناس قبل موته حسبما ورد في الانجيل والكتب السماوية الاخرى . والسؤال الذي نود الاجابة عنه ؛ هو ماذا سيفعل الله لو عكف الناس عن عبادته واتجهوا لعبادة عيسى ؛ اليس هذا هو اشراك بالله وفق المنهج التوحيدي ؟ ؟ ان قضية عيسى هي القضية الاكثر لبسا واشكالية من سواها  في الديانات السماوية الثلاث . فهي منافية للمنطق ؛ لان عيسى لو كان بإمكانه احياء الموتى  من الناس ؛ لكان بإمكانه ايضا احياء نفسه من الموت عندما صلب ؛ هذا اذا سلمنا بانه قد صلب فعلا  . اما اذا ذهبنا بالاتجاه الاخر وفق المنظور الاسلامي بان عيسى قد رفع الى السماء وانه شبه لهم وان عملية الصلب لم تتم بعيسى ؛ وانما بشخص اخر يشبهه فهي اشكالية ايضا ؛ تتعارض تماما مع الفكر الديني للديانة المسيحية  لان موضوعة الصلب بالمنظور المسيحي قد وقعت فعلا  وان عيسى قد فدى قومه وكفر عن ذنوبهم في هذا الصلب . وقد ذكر الانجيل ذلك ؛ فأي الكتابين السماويين هو الاصح الانجيل ام القران .وحتى لا نذهب بعيدا فإننا نعرض الاتي كي نتبين من حقيقته في دعوته للنبوة والتوحيد . لقد دعى عيسى قومه لعبادة الله وانه نبي مرسل من عنده وقد جاء بالهدى للناس واتخذ من الانجيل منهجا له ؛ باعتباره كتاب الله ؛ وعندما نتفحص هذا المنهج فإننا نجده مخالفا لمبدا التوحيد تماما فقد ادعى عيسى بانه روح الله ؛ وهو ابن الله ومعنى ذلك ان روح الله قد حلت بعيسى  ؛ وان الله قد اتخذ ابنا له ووريثا شرعيا لسلطته المطلقة ؛ وهذا القول منافيا للمنطق  ؛ لأننا لانعرف الكينونة الالهية ؛ وابعاد صيرورتها ؛ كما لانعرف طريقة الاتصال التي تمت بين الذات الالهية والجنس البشري والمتمثل بمريم المجدلية  ؛ وهل حقا تم هذا الاتصال حسبما يشير المصدر القرآني الاتي  ( وارسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ) . ومعنى ذلك ان روح الله جاءت على هيئة بشر ثم قامت بالاتصال بمريم  ثم جاء من بعد ذلك الحمل والانجاب ؛ ان هذا التغريب في هذه العلاقة والذي يعد ضربا من ضروب الفنتازيا الساخرة ؛ لا يمكننا ان نقرنها بالذات الالهية العظيمة والتي انتجت هذا الكون بشكله الدقيق المنظم ؛ وان جاز لنا ان نصف الله فلا يمكننا توصيفه الا بالعقل الفاعل المنتج الى كل شيء ( راجع ) ( فلسفة الفارابي ) فكيف للعقل الالهي الراجح ان يخاطب الناس بهذه الطريقة  . وان اولنا النص بالاتجاه الاتي ؛؛ ان تمثيل الشيء ليس حقيقة الشيء فمعنى ذلك ان عملية الاتصال لم تتم بمريم من قبل الذات الالهية ؛ وانما جاءت عن طريق اخر ؛ ووفق ذلك فان عيسى لاشرعية له ؛ وان مريم قد ارتكبت اثما عظيما  . ان نبوة عيسى في التوحيد لا يمكننا ان نسلم بانها حقيقة بل هي مجرد ادعاءات ؛ ولكننا نستطيع ان نجزم بان عيسى كان رجلا مصلحا  ؛ تمكن من اصلاح الواقع المجتمعي في ذاك الحين ؛ كما ان عيسى هو اكثر الموحدين عقيدة واصلبهم موقفا في اتجاهه هذا ؛ فقد ضحى بنفسه نصرة للمبدأ الذي كان يؤمن بانه ضرورة حتمية ان ايمان عيسى بالتوحيد هو ايمانا مطلقا ؛ فقد سعى من خلاله الى ان يقارب بين العبادة والاخلاق في رؤيته للواقع المجتمعي ؛ وان يقرن الاخلاق بالعبادة وهذا النهج هو مخالف تماما للاتجاه التوحيدي  الذي سار عليه الموحدين ؛ الذين اهملوا الجانب الاخلاقي للبنية المجتمعية واتجهوا للعبادة كما حاول البعض منهم من فرض رؤاه الفكرية والمعتقدية عن طريق العنف .

( رؤية النبي عيسى )

( ان الانبياء لا يحملون السلاح )

     هكذا كانت رؤية النبي عيسى ؛ فقد كان رجلا صالحا محبا للسلام ؛ وكان يؤمن بان التغيير في الاتجاهات الفكرية الدينية لا يمكن ان تأتي بالعنف ؛ وانما بالإيمان في حقيقة الفكرة ؛ وان الانبياء يتعا طون الفكر كاداة للتغيير في المجتمعات وليس السلاح فقد صلب عيسى ولم يشهر سيفا لممارسة القتل او للدفاع حتى عن نفسه  .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الديانة الاسلامية

 

     ان الديانة الاسلامية هي خاتمة الديانات السماوية ومما لاشك فيه انها استطاعت ان تؤثر في حياة الشعوب والمجتمعات وقد اعتنق الكثير من الناس هذه الديانة في عموم العالم من المشرق حتى المغرب ؛ كما اصبحت في بعض البلدان هي الديانة الرسمية ؛ والمصدر الرئيسي للتشريع في تلك البلدان . وقد اختلف الاسلام عن الديانات السماوية التي سبقته من ناحية المنهج كما اختلف في تشريعه ايضا ؛ الا انه توافق تماما معها في اتجاهها التوحيدي واقر كتبها كما اقر انبيائها.

 

 

 

 

النبي محمد

 

     النبي محمد ابن عبد الله ابن عبد المطلب هو نبي قومه وصاحب اعجاز كذلك ؛ ومعجزته من عند الله هو القران ؛ ويعد القران كلام الله وهو الكتاب المقدس لعموم المسلمين ؛ كما يعد النبي محمد هو خاتم الانبياء والرسل . ولد النبي محمد في الحادي عشر من ربيع الاول من عام الفيل فاختلف المسلمون على ذلك فمنهم من قال انه ولد في الثاني عشر من ذات العام ؛ والاختلاف وارد لان الثقافة العربية ثقافة شفاهية وليست تدوينية ومن الصعب التسليم بها . وقد مات ابوه عبدالله وامه حامل به وقد تربى في بيت عمه ابو طالب بعد ان ماتت امه كذلك حسبما تشير المصادر التاريخية الاسلامية ولم يكن له اخا او اختا من ابويه فقد كان الطفل الوحيد الذي عاش لهما  . وقد عاش النبي محمد منذ طفولته حياة غير مستقرة من الناحية الاجتماعية ؛ وقد انعكس ذلك على مجمل حياته الاخرى ؛ وكان اثرها بالغا في بناء شخصيته العامة فقد كان تواقا منذ صباه الى العزلة والانفراد والى التأمل وقد منحه ذلك دفقا حسيا عاليا في الجوانب الروحية السامية والتي استنهضت كل قواه المادية وفعلتها كطاقة كامنة في عملية الانتاج الفكري في ما بعد ؛ وقد مرت حياة النبي محمد في جملة من الاطوار اختلفت من مرحلة لأخرى طبقا لتراكم وعيه ونضجه ؛ وطبيعة المرحلة التاريخية وما يشوبها من افرازات ؛ فقد بدا في مرحلة شبابه اكثر اندماجا وتقبلا للمجتمع من المرحلة التي سبقتها فاكسبه ذلك وعيا مجتمعيا عاليا ؛ تمكن من خلاله ان يحظى باحترام الجميع ؛ وقد بني هذا الاحترام على الوعي المتقدم الذي كان يتمتع به النبي محمد ؛ والذي مكنه من تسويق آرائه وافكاره وان يكون لها تقبلا من قبل المجتمع . ان مرحلة الشباب بالنسبة للنبي محمد ؛ هي مرحلة المعرفة والبناء الفكري ؛ كما هي مرحلة الاطلاع على الثقافات الاخرى والاحتكاك معها ؛ بدوافع البحث والاكتشاف والتقصي ؛ وقد تم ذلك من خلال تنقله المستمر اثناء قيامه بأعمال التجارة . هذه المهنة التي اكسبته جملة من الثقافات الانسانية والعلوم والمعارف . ولم يكن من الناحية الاقتصادية ينعم بوضع جيد فقد كان فقيرا فامتهن التجارة لتامين العيش واعتمد بذلك على اموال الناس من المجتمع المكي الذين كانوا يثقون به وتحديدا على اموال خديجة الكبرى والتي اقترنت به في ما بعد  .

     بعد النجاحات الاقتصادية والاجتماعية التي حققها في المجتمع المكي اتجه لممارسة دور الاصلاح وفض النزاعات التي كانت تحدث في ذاك الحين ؛ وكان رايه راجحا ومقبولا من قبل الجميع ؛ وقد اتفق الجميع على حسن سلوكه ورجاحة عقله واتخذوه بذلك مرجعا للحكم في احايين كثيرة لفض الخلافات التي كانت تحدث ؛ وكان حكمه مطاعا في ذلك ؛ وقد ذاع صيته في جميع ارجاء مكة .

     بعد اقترانه بخديجة الكبرى ؛ والتي كانت تكبره في السن بدأت اوضاعه الاقتصادية والاجتماعية تشهد المزيد من الاستقرار ؛ فقد امنت اموال خديجة له العيش الكريم دون جهد في ذلك ومنحته الطمأنينة الكاملة ؛ هذه الطمأنينة التي كان يبحث عنها طوال حياته ؛ فانصرف بعد ذلك لممارسة العزلة والتأمل مجددا ؛ هذه الممارسة التي اعتاد عليها منذ صباه .

     ولم تكن العزلة والتأمل بالنسبة اليه الا اتجاها فكريا رافضا لسلوكيات المجتمع المكي في ذاك الحين ؛ هذه السلوكيات التي يشوبها الجهل والتخلف والانحطاط  . فهو لم يؤمن بتلك السلوكيات المجتمعية ولم يمارسها ؛ وخصوصا السلوكيات التي مثلت الاتجاهات المعتقدية والدينية  .

     لقد كان النبي محمد تواقا للمعرفة والتعلم كما كان ثائرا ضد القيم البالية التي كانت سائدة في ذاك الحين  .

من خلال محاولاته الدائمة في الاصلاح في منظومة القيم الاخلاقية في البنية المجتمعية ؛ هذه القيم التي كانت مستمدة من موروث اجتماعي خاطئ . ولم يكن النبي محمد بالرجل الامي مثلما وصف ؛ بل كان يجيد القراءة والكتابة ؛ كما كان يجيد بعض اللغات الاخرى وخصوصا اللغة الآرامية المندثرة حسبما تشير بعض الدراسات ؛  فهو ذو اطلاع واسع من خلالها على اخبار الرسل والانبياء والثقافات الدينية القديمة التي سبقته ؛ لقد اشتغل النبي محمد عند خديجة الكبرى بالتجارة ؛ هذه المهنة التي تقتضي القراءة والكتابة ؛ كونها لم تكن في الاطار الضيق والمحدود ؛ وانما على نطاق واسع لعموم المجتمع المكي ؛ ان قضية امية النبي محمد لا يمكنها ان تنطلي الا على العقل الساذج ؟ 

     لقد مارس النبي محمد القراءة والكتابة منذ صباه وكان سريع الحفظ سريع البديهية ؛ كما كان يسلم بالمعرفة لرقي الانسان فمن اين لأمي جاهل ان يسلم في تلك المعرفة ؟ كما ان مفهوم الامي هي منقصة من الناحية الاجتماعية ومثلبة في البنية الشخصية فهي نقيض المعرفة تماما وهذا المفهوم يتناقض مع الشخصية المحمدية ؛ والتي اصطفاها الله في تبليغ الرسالة الاسلامية ؛ حسبما يزعم الفكر الديني الاسلامي .

 

 

 

 

 

العزلة

الخلوات

التعبد

 

 

 

 

 

 

     في غار حراء في احد جبال مكة ؛ كان يمارس النبي محمد من خلال عزلته وخلواته التعبد ؛ فقد كان يؤمن بالتوحيد ؛ كما كان يؤمن بجميع الرسل والانبياء الذين سبقوه في هذه الدعوات ؛ ومطلعا على ثقافاتهم وعلى ثقافات الامم الاخرى ؛ فقد حاول نقل ذات الفكرة وتطبيقها على المجتمع المكي ؛ هذا المجتمع الذي كان يعيش الجاهلية في اغلب واقعه الاجتماعي . ولم يكن التعبد الا ممارسة ذهنية روحية ؛ ومرانا مستمرا لهذه الروح ؛ لإخضاع المادة وتفجير طاقاتها الكامنة من الناحية الروحية . ان سيطرة الروح على المادة هي التي تعطي القوة والمنعة لتلك المادة في مواجهاتها مع الطاقات والقدرات الاخرى ؛ وقد نجح النبي محمد في ذلك نجاحا ساحقا ؛ فهو يقوم بإسقاط القدرات الروحية ؛ على القدرات المادية ؛ وحلحلة جميع قضايا المادة واشكالياتها بالقدرات الروحية  فمن خلالها يتم اخضاع القدرات المادية اخضاعا كاملا  كما يتم التسليم بتلك القدرات . هذه الممارسة هي التي كانت طريقته الوحيدة للتعبد في غار حراء اذ يصحب هذه الممارسة تعطيلا للقدرات الجسدية البدنية ومخاض عسير اثناء القيام بها والتي يتم من خلالها الاندماج بالغيبيات وتصورها من الناحية الروحية بهذه الطريقة . فقد كان يدخل في الغيبوبة والسمو الروحي ويبدا عقله الغيبي الباطن بالتصور والتفكر ثم يتم استلام هذا التصور عن طريق منظومة عقلية اخرى ؛ هذه المنظومة التي نسميها بالعقل الظاهر بعد الانتهاء من هذه الممارسة  ؛ فتظهر تصوراته وافكاره الروحية المخزونة سالفا في عقله الباطن على هيئة تعليمات او وصايا . ومن هنا يمكننا ان نشخص قضية الوحي والاتصال بالذات الالهية ؛ ان عملية الايحاء كانت تتم ولكن بين منظومتين عقليتين مختلفتين ؛ المنظومة العقلية الباطنية ؛ والمنظومة العقلية الظاهرية  ؛ وان جميع التصورات والافكار والثقافات القديمة المخزونة في العقل الباطن ؛ كانت تظهر اثناء عملية الاسترخاء والقيام بهذه الممارسة  .

 

 

 

( قضية الوحي الالهي )

 

مثلما اشرنا انفا في متن هذه الدراسة ان عملية الوحي كانت تتم بين منظومتين عقليتين مختلفتين هما الظاهر والباطن بمعنى اخر انها كانت تتم بين النبي محمد وذاته ولا علاقة للذات الالهية بهذه القضية  . فقد نقل النبي محمد تصوراته واحاسيسه ومشاعره الذاتية  اثناء خلواته وممارساته الروحية الغيبية فهو يجهل من الناحية العلمية ان هناك عقلا ظاهرا وعقلا باطنا ؛ فقد كان يتصور اثناء القيام بممارساته الروحية هذه ان مايمليه عليه عقله الباطن من رواسب ثقافية منسية فيه وتجليات تظهر من خلال هذه الممارسة هو عبارة عن وحي الهي ؛ وقد خصه الله دون سواه في هذا الوحي ؛ وقد تلبسته هذه الفكرة واعتنقها ثم اصبحت بعد ذلك جزا من عقيدة راسخة كانت تتبلور في ذهنه يوما بعد اخر . وخصوصا بعد ان اعطت هذه الفكرة ثمارا جيدة من الناحية العملية ؛ فقد صدقته زوجته خديجة بعد ان اطلعها على هذا الامر ؛ ولم يكن بوسع النبي محمد التراجع عن فكرته هذه وسناتي الى تفاصيل هذه القضية في الصفحة القادمة . لم يكن بوسع

النبي محمد التراجع عن فكرته هذه لأمرين رئيسيين . اولهما : انه كان مؤمن باعتقاده انه نبي ومرسل من عند الله ؟ ووفق هذا المفهوم الروحاني فان طاعة الله واجبة في تبليغ هذه الرسالة  . اما الامر الثاني : فانه قد افصح عن هذه الفكرة الى زوجته خديجة وقد صدقته بذلك ؛ وهذا اول دافع معنوي من الناحية العملية في امكانية تطبيق فكرته هذه على ارض الواقع ومن الممكن تقبلها من الناحية العقلية للمجتمع المكي في ذاك الحين . ولو عدنا الى رواية النبي محمد عندما كان يتعبد في غار حراء ونزول الوحي الالهي عليه  حسبما ذكرها الى زوجته خديجة وحسبما تشير اغلبية المصادر الاسلامية الى ذلك فإننا نجد تناقضا كبيرا في هذه الرواية في فهمه للنبوة تقول الرواية : بينما كنت اتعبد في غار حراء فاذا بالوحي ينزل علي من السماء واسمع صوتا يقول لي اقرا ؛ فقلت له  ( لست بقارئ ) وورد في موضع اخر ( ما انا بقارئ ) فأعادها علي لثلاث مرات ثم قال ( اقرا باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرا وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم ) . فأخذت ارتعش من شدة الخوف  وعدت الى البيت وقلت لزوجتي دثريني ؛ وبقيت ارتعش تحت دثاري ولما سألتني زوجتي اجبتها بالواقعة التي حدثت معي فقالت ( ابشر يا محمد انها من علامات النبوة ) ولو اتينا الى تحليل هذه الرواية التي وردت على لسان النبي محمد وزوجته كذلك ثم اشارت اليها اغلب المصادر الاسلامية مجتمعة ؛ فإننا نجد التناقض الاتي في هذه الرواية . اولا : هل خديجة اعرف من النبي محمد بالنبوة واخبار الرسل والانبياء كي تبشره بان هذه هي من علامات النبوة ؛ وهو يجهل ذلك .  ثانيا :  كيف لنبي لا يعرف نفسه انه نبي الى ان يتم تبليغه عن طريق شخص اخر لا علاقة له في الموضوع  . وتستمر الرواية ؛ وفق الاتي : فأخذته زوجته الى ابن عمها  ( ورقة ابن نوفل ) وهو من العارفين بأخبار الرسل والانبياء وعرضوا عليه رواية النبي محمد فأجاب ( يا محمد انك نبي هذه الامة وانني اخشى عليك ؛ فلا تعلن امرك هذا ) ووفق هذه الرواية فان ورقة ابن نوفل اعلم من النبي محمد بنبوءته كذلك ؛ فقد تم اخباره بانه نبي من قبله . والسؤال الذي يمكننا ان نطرحه في هذا الخصوص ؛ هو لماذا لم يخبر الوحي النبي محمد بانه نبي ومرسل من عند الله ؛ بدل من ان يتم اخباره عن طريق خديجة وورقة ابن نوفل  ؟؟

والجواب بسيط جدا ؟ ان التصور خلاف الحقيقة فلم يكن النبي محمد يعرف ان تصوره واعتقاده بانه نبي سوف يكون مقبولا على ارض الواقع ؛ لذلك لم تكتسب هذه القضية الدرجة القطعية لديه حتى يستطيع ان يقرنها بالوحي وفضل ان يروي هذه الرواية حتى يرى ردود افعالها على ارض الواقع من قبل المجتمع ؛ كي يستمد شرعيته . اما من الناحية الاخرى فقد يكون هناك خطا في نقل هذه الرواية وان كل الذي روي في هذا الخصوص هو مجرد تلفيقات لا اساس لها من الصحة وهذا وارد ايضا ؛ لأننا لا يمكن ان نسلم بالثقافة العربية مثلما اسلفنا .

 

 

( مفهوم الوحي )

هناك خطا شائع يقع فيه اغلب رجالات الدين من المفسرين للنصوص القرآنية والحديث ؛ هذا الخطأ الذي بنيت عليه الاتجاهات الفقهية الاسلامية . فهم يقرنون الوحي بالملك ( جبرائيل ) باعتباره الواسطة التي تم من خلاله نقل القران من عند الله الى نبيه محمد ؛ ويطلقون عليه تسمية  ( الوحي ) بمعنى اخر ان جبرائيل  هو الذي اوحى الى النبي محمد بهذا القران وان القران هو كلام الله ومن عند الله . ان هذا المفهوم هو المفهوم الخاطئ ؛ لان الوحي او الايحاء شيء والملك جبرائيل شيئا اخرا ؛ فعندما نقول ان جبرائيل قد اوحى بمعنى انه قد اشار ؛ وان الايحاء يتم بجملة من الوسائل منها اللسانية عن طريق الكلام ومنها الاشارة كما يتم عبر الرؤية المرئية للشخص الاخر وحالته ؛ فهي التي توحي الينا ؛ مقدار الفرح ؛ او الحزن ؛ او السخط ؛ او الرضى  . وبهذا فان تسمية الملك جبرائيل بالوحي هي تسمية لامعنى لها لان الايحاء من عند الله. اما القضية الاخرى في عملية الايحاء هي القضية الاكثر اهمية والتي تتعلق بالمفهوم الايحائي ايضا ؛ فعندما نقول اوحى بمعنى اشار والاشارة تختلف اختلافا كليا عن المعنى الحرفي في نقل الشيء ؛ فهي تمثل ومضة وعلى الاخر اي مستلم الاشارة او الومضة تدوين معارفه وفق هذه الاشارة او الومضة المستلمة ؛ فعندما نقول ان القران كلام الله فهذا منافيا للمفهوم الايحائي الذي جاء به الله ايضا . لأننا نفهم الايحاء وفق سياقه المعنوي هو الاشارة للتدليل على معنى جزئي وليس شمولي ؛ كما ان الايحاء هو تصوير للموحى اليه ؛ يتم من خلاله الاخير نقل تصوراته وانطباعاته الذاتية وليس العكس .

ووفق هذا فيمكننا ان نقول ان ما جاء به النبي محمد هو مجرد تصورات وانطباعات وجدانية ذاتية مثلت ثقافته ولا علاقة لها بالذات الالهية المبهمة

 

(  سلطة الله وملائكته )

من المسلم به  ان الله صاحب السلطة المطلقة وهو القادر على كل شيء والعارف في كل شيء وان سلطته كلية مطلقة وليست جزئية . ووفق هذا المفهوم فان الله القادر والعارف لا يحتاج من ينوب عنه في تنفيذ اوامره ؛ فلماذا يتخلى الله عن سلطته الى الملائكة . ولماذا يشركها في هذه السلطة  . اليس من الواجب اتباع الله المطلق وليس الله الجزئي والمتمثل بالملائكة ؛ ان مفهوم الملائكة وفق الفكر المحمدي هم جند الله وطاعتهم من طاعة الله ؛ وان هذا الجند المتعدد يأتمر من قبل الله طبقا للواجب المكلف به ؛ فتعددت واجباتهم ومسمياتهم فمنهم من يبلغ ومنهم من يميت الى غيره كما اختلفت مسمياتهم ايضا جبرائيل ؛ عزرائيل ؛ اسرافيل ؛ الى اخره من المسميات وجميعهم واجبي الطاعة ان هذا المفهوم وهذه التقسيمات مبنية على تصور وان هذا التصور هو تصور بشري يندرج ضمن البنية الهرمية للسلطة هذه البنية التي اعتاد عليها الانسان منذ عصور قديمة والتي تتلخص بالاتي  الملك ؛ الوزراء ؛ الجند  ( راجع ) ( فلسفة الفارابي ) فانعكست هذه الصورة القديمة في المخيال المحمدي وقد تم تخيل الله من قبله بهذه الطريقة  . ان رؤيته لله في هذه الطريقة هي رؤية مادية وضعية تتناقض تماما مع طريقته الوجدانية في التفكير . لان الله ليس بشيء ولا يمكننا توصيفه ايضا ؛ فكيف لنا ان نتصوره بهذه الطريقة ؛ كما ان الله ليس بعاجز عن تنفيذ اراداته وهو الاقدر في كل شيء فلماذا يتخذ الجند او الملائكة في تنفيذ مثل تلك الارادة  .فالملائكة تصور وان التصور لا علاقة له بالحقيقة  ؛ كما هي الشياطين كذلك فهي مقرونة بالشر حسب المفاهيم الدينية القديمة وهي تصور ايضا لان الخير والشر فطرة وثقافة مجتمعية داخل العقل البشري .

 

القران كلام الله المقدس 

القران   : هو كتاب من عند الله وقد ذكر باللغة العربية وتم نقله الى النبي محمد من خلال الوحي عن طريق الكلام اذ يعد القران هو كلام الله المقدس حسب الفكر المحمدي . ولو سلمنا بهذا القول من الناحيتين المنطقية العقلية والوجدانية الايمانية ؛ فهذا يعني ان الله يتكلم وقد تكلم باللغة العربية وخاطب نبيه عن طريق الوحي ومعنى ذلك ان الله يمكننا توصيفه فقد اتصف بالكلام ؛ والكلام صفة بشرية ؛ ويجوز لنا ذلك . ؟ والسؤال الذي يبقى واردا ؛ لماذا لا تنسحب الصفات البشرية الاخرى على الذات الالهية كما انسحبت صفة الكلام ؛  وهل يجوز لنا ان نصف جزا وجزء ؛ كما هل يجوز ان يشترك الله معنا بصفة الكلام دون الصفات الاخرى

( راجع ) ( تهافت التهافت ) ( ابن رشد ) وحتى نجيب لابد لنا من ان نضع القارئ امام اتجاهين الاتجاه الاول هو العقلي المنطقي و الاتجاه الثاني الايماني الوجداني فمن الناحية العقلية لا يمكننا ان نعقل ان الله يشترك مع البشر في الصفات التي اسلفنا ؛ لان الله مطلق منزه عن اي شيء كما هو ليس بشيء وله كل شيء ايضا باستثناء الصفة والتوصيف في ذاته . اما من الناحية الوجدانية ؛ فان الوجدان الايماني يجوز الاعتقاد وان الاعتقاد في اللامعقول وارد وقد تفاوتت درجات الايمان من شخص لأخر طبقا لتفاوت الوجدان داخل النفس البشرية من الناحيتين الشعورية والحسية .

وان الله يمكنه الاشتراك مع البشري في الصفات الحسنه وليس السيئة حسب المفهوم الوجداني  . فهو يتصف بالقدرة ؛ والجمال ؛ والرحمة وهذه صفات يعتنقها الانسان ويتمثل بها من الناحية الوجدانية  . وكثيرا ما يخطئ الوجدان وتنتفي الحالة الايمانية في الشيء اذ تترجح المعقولات على اللامعقولات المعتقدية . ونعود مرة ثانية الى القران كلام الله ونسلط الضوء على ركنين اساسيين هما اللغة والكلام في هذا الكتاب لبيان الفروق بين السياق اللغوي والسياق الكلامي كي تتضح الصورة امام القارئ للتمييز بين القران الكلامي ؛ والقران اللغوي . اولا : تخضع اللغة الى سياق ثابت ؛ كما تخضع الى قواعد ثابتة ؛ ووفق هذه القواعد فهي غير قادرة على الحراك التا ريخي ؛ كما ان اللغة مقروءة مستقرة ؛ قابلة للتأويل اللغوي ولها جملة من التصاريف . ثانيا : الكلام يخضع الكلام الى سياق متحرك وغير ثابت ؛ وغير خاضع الى قاعدة لغوية كذلك فهو منطوق لفظي سمعي متحول في سياقاته ؛ حر في حركته  ؛ فعندما نقول ان القران هو كلام الله فهذا يختلف تماما عن ما نقول ان القران هو لغة الله ؛ لان الله لا لغة لديه ؛ وان اللغة هي نتاج فكري بشري تختلف من مجتمع لآخر طبقا لاختلاف المجتمعات ؛ وقد تطورت اللغات عبر مراحل تاريخية مختلفة الى ان وصلت الى هذا الانموذج ؛ كما ان اللغة مجموعة من الاشارات والرموز ذات دلالات معنوية وان صفة الكلام غير صفة اللغة ؛ فعندما نقول ان الله تكلم فالمعنى يختلف تماما عن ما نقول ان الله لغي اي من اللغو ؛ وهنا يجب الفصل بين لغة القران الكلامية وبين لغة القران اللغوية  ؛ لان لغة القران اللغوية قد نقلت شفاهيا عبر الكلام عن طريق الوحي حسب الادعاء المحمدي وتم تدوينها على شكل لغة فيما بعد ؛ وهذا المفهوم يتنافى تماما مع المفهوم الراجح ان الله لا لغة لديه ؛ كما يؤكد باليقين الذي لا يقبل الشك ان القران هو جزء من معارف النبي محمد عن الله ؛ ؟  وان الوحي عبارة عن تصور ذهني للعقلين الظاهر والباطن للنبي محمد . 

 

 

 

 

قدسية القران

لقد جاءت قدسية القران على لسان النبي محمد ؛ ولكننا لا ندري ايهما المقدس في القران كلام الله ام لغة الله ؛فان كان الكلام فكيف نقدس شيئا لم نسمعه وانما تم نقله الينا ولا يمثل ثقافتنا بل ثقافات اخرى . وان كانت اللغة فقدسيتها باطلة لأننا نستخدمها في مواضع مختلفة قد لا تتوافق مع الاتجاهات الدينية الايمانية ؛ هذه المواضع التي من شانها ان تفقدها قدسيتها . فحتى لا يحدث التباسا عند القارئ فإننا نجيب ؛ لقد قدس النبي محمد القران باعتباره كلام الله ومن عند الله ؛ وبما ان الكلام قد ورد باللغة العربية فان اللغة العربية مقدسة ايضا بجميع الفاظها ومعانيها البذيئة منها وغير البذيئة باعتبارها لغة ادم ؛ كما هي لغة اهل الجنة  ؛ ووفق هذا السياق جاءت قدسية الدين ؛ وبيت الله الحرام ؛ والمسجد الاقصى ؛ وجميع المساجد ؛ والمراقد ؛ وتعممت هذه القدسية لتشمل الارض التي عليها المساجد ؛ والمراقد واصبح كل شيء مقدس في الاسلام . ان القدسية واردة في الاتجاهات الدينية المتثيولوجية لان الانسان يسعى لإيجاد مثالا عظيما يقتدي به هذا المثال الذي يشكل بالضرورة اعتقاده ؛ وهو بالضرورة مقدس داخل النفس البشرية لان القدسية تحتم الطاعة في كل شيء . نأخذ مثالا على ذلك : لقد قام نبي الله ابراهيم الخليل بتكسير الاصنام في الجاهلية القديمة وردا على ذلك فقد قام الناس بتحريق نبي الله ابراهيم كونه تجاوز على مقدساتهم فهم يعدون الاصنام الهة مقدسة ووفق ذلك فان الاصنام لم تقل للناس قدسوني او دافعوا عني ؛ بل الناس هي التي اضفت القدسية على هذه الاصنام وهي التي دفعتهم الى عملية التحريق هذه . ان القدسية التي اضفاها الانسان على معتقده الديني هي التي شكلت انموذج ( التابو ) داخل المعتقد ؛ وهي التي منعت حراكه التاريخي ؛ وافقدته بذلك خصوصيته الفكرية بالجدل والاختلاف ؛ ان قدسية الفكر هي افة الفكر لان الافكار جميعها عندما تقدس تموت .

 

 

 

 

(الاسلام والاخلاق )

 

كنا قد اشرنا في الفصول السابقة من هذه الدراسة الى ان الموحدين قد اهملوا الجانب الاخلاقي للمجتمعات ولم يفعلوا دورهم في هذا الخصوص ؛ وانما اتجهوا للتوحيد وللعبادة محاولة منهم للتأثير على المجتمعات وتغييرها في الاتجاهات المعتقدية وليس الاخلاقية الا القلة منهم فقد حاول البعض ان يؤثر بالمجتمعات عن طريق منظومة القيم الاخلاقية وان يقرن البناء الديني والمعتقدي في البناء الاخلاقي .

ان الاسلام كدين توحيدي قد حاول ذلك عن طريق النبي محمد فقد سعى الى ان يقرن القيم الاخلاقية بالدين والعبادة ؛ كما سعى الى ان يكرس الجهد الاخلاقي لمصلحة الدين باعتبار ان المنظومة الاخلاقية والمنظومة الدينية هي منظومة واحدة ؛ وقد حث النبي محمد في بداية الدعوة على ذلك ؛ من خلال احاديثه وخطبه ؛ نأخذ منها الاتي  ( انما بعثت لكي اتمم مكارم الاخلاق ) ففي هذا الحديث انه يحاول ان يقرن الاخلاق بالدين باعتباره نبي ومرسل من عند الله ويمثل الديانة الاسلامية ؛ فهو يؤكد من خلال حديثه بان هنالك اخلاق انسانية ولكنها ناقصة؛ ولا يمكن اتمامها الا بالدين وعن طريقه . ان تأكيد الدين على القيم الاخلاقية هو تلبية لحاجة الدين لان الدين منظومة عبادية تقوم على اساس معتقدي ؛ وما يعتري هذا المعتقد من ممارسات طقوسية دينية ؛ اما الاخلاق فهي منظومة قيمية اجتماعية تقوم على اسس معرفية شخصانية تتطور بتطور المجتمعات ومراحلها التاريخية ؛ فالأخلاق هي الانجع في بناء المجتمعات من الدين لان القيم الاخلاقية تتقدم على القيم الدينية  ؛ وقد كان يدرك النبي محمد ذلك ؛ لذا فهو يحاول ان يسقط القيم الدينية على القيم الاخلاقية باعتبارهما منظومة واحدة ؛ ويعمل من خلال هذه المنظومة بالاتجاهين ؛ لان اساس دعوته هي للتغيير الديني وليس الاخلاقي ؛ وقد بنيت على هذا الاساس ؛ ولو كانت بالاتجاه الاخلاقي لما اقتضت الضرورة ان يطرح نفسه انه نبي بل مصلحا اجتماعيا فهي تكفي لذلك . ان التفاوت بين الدين والاخلاق ؛ هي المشكل الرئيسي الذي يعاني منه المجتمع الاسلامي ؛ كما يعاني منه قبل ذلك الفكر الديني الاسلامي برمته ؛ لان المسالة لم تكن واضحة فيه كونه استلمها عن طريق النبي محمد بهذه الطريقة / مربكة / مشوشة . لان الدين ليس الاخلاق كما ان الاخلاق ليست هي الدين ؛ فقد اختلف الفكر الديني الاسلامي وتناقض باتجاهاته حول هذه القضية ؛ كما اختلفت المجتمعات الاسلامية في تعاطيها مع هذه الموضوعة فتارة تتقدم القيم الاخلاقية على القيم الدينية ويحدث العكس كذلك ؛ فهناك من يقدم القيم الدينية على القيم الاخلاقية باعتبار ان الدين والعبادة كفيلان بإصلاح النفس البشرية فيما اذا كانت سيئة ؛ وعن طريق العبادة تتشذب الاخلاق لان الانسان وفق هذا المفهوم الاسلامي خلق ليعبد الله الواحد الاحد ولا يشرك به شيئا سواء اتصف بالأخلاق ام لم يتصف بها ؛ ان القضية الاخلاقية بالنسبة لأصحاب هذا الاتجاه هي قضية ثانوية ؛ وان العبد المؤمن وان كانت اخلاقه سيئة فهو الصالح في نظر الله فهم يؤكدون على العبادة لتقديم الطاعة لله بصرف النظر عن اي اتجاه اخر ؛ لان العبادة هي الطريق الامثل للطاعة . ولم يخرج هؤلاء عن الاتجاه القديم للفكر المحمدي ؛ فقد مارس النبي محمد هذا الاتجاه بعد خروجه من مكة فقد كان يحشد الناس لاتباعه واتباع دينه بصرف النظر عن خلفياتهم الاجتماعية الدينية والاخلاقية فقد كان يقول : ( ان الاسلام يجب ما قبله ) . ومعنى ذلك ان في الاسلام صفحة جديدة وبداية اخرى ؛ وان الانسان لا يؤاخذ على ما اقترفه من جرائم سابقة كونه كان جاهلا قبل الاسلام . ؟ ان هذا المفهوم هو الذي اتاح للمجرمين وقطاع الطرق في الدخول الى الاسلام ؛ كما يتنافى تماما مع الاتجاه الاخلاقي الذي كان يدعو اليه النبي محمد ؛ فقد فضل المجرمون الاسلام لأمرين رئيسيين : اولهما التخلص من ملاحقة الاعراف الاجتماعية التي كانت سائدة من ذي قبل ؛ اما الامر الثاني فهي المكانة التي سوف يحظى بها من قبل النبي محمد في اعتناقه الاسلام . ووفق ذلك فقد اصبح المجرمون وقطاع الطرق هم القادة للجيوش الاسلامية كما صبحوا اكثر اجراما وفتكا من ذي قبل وتحت غطاء شرعي اسلامي . هذا الغطاء الذي اباح لهم التقتيل بالناس وترويعهم كما اباح لهم السلب والنهب والاغتصاب بشكل لا اخلاقي ولا انساني ولاديني حتى .

ان الجريمة حسب مفهومنا واحدة سواء شرعن لها ام لم يشرعن . ؟؟  وما الانفال الا دليلا قاطعا على ما ذهبنا اليه في هذا الفكر فمن خلالها يتم القتل والسلب والاسترقاق بدوافع ( انى نحرركم من عبوديتكم ) ونهديكم الى سراط مستقيم ؛ فأي استقامة هذه التي تتأتى من خلال القتل ؟ . انك تقتل الاباء في الحرب او الغزو فلماذا تسلب اموالهم وتسترق ابنائهم ونسائهم بهذه الطريقة البشعة ؛ ؟ فان كانت العدالة السماوية وحرية الانسان لا تتحقق الا بهذه الطريقة ؛ فهي عدالة ناقصة ولسنا بحاجة اليها . ؟؟؟

ان هذا التناقض في الشخصية المحمدية هو الذي اربك المجتمع الاسلامي واختلف الناس فيما بينهم فقد كان يدعو الى الاخلاق من قبل ان يكون نبيا فهو رافض لسلوكيات المجتمع الجاهلي في ذاك الحين بل كان ثائرا ضدها في بداية الدعوة الاسلامية ايضا ؛ وقد كان اكثر تهذيبا وتواضعا وخلقا فصدقته الناس واحبته بشكل لم يكن له مثيل على الاطلاق في تاريخ الجزيرة العربية فقد كان الرجل الاوحد الذي حاز على ثقة الناس ؛ ولم يتأت ذلك اعتباطا ؛وانما جاء كنتيجة حتمية لما كان يتمتع به من خلق عال . ورغم ذلك فقد تحول عن جميع اخلاقياته بعد خروجه من مكة فقد بدا انه صاحب سلطة سياسية يتعاطى مع المتغيرات السياسية والحروب اكثر مما يتعاطى مع قضايا النبوة والاخلاق فقد تحول في رؤيته للمجتمعات من الاصلاح الفكري الى الحروب . 

( حروب النبي محمد )

لقد خاض النبي محمد جملة من الحروب والغزوات اغلبها كانت هجومية وليست دفاعية باستثناء معركتين هما ( احد ؛ والخندق ) وقد كانت اول معركة يخوضها النبي هي معركة بدر وانتصر بها انتصارا ساحقا رغم القلة العددية . ثم نأتي لتحليل الدوافع والاسباب الموجبة لهذه المعركة هل قامت هذه المعركة لأسباب فكرية مفادها التغيير الفكر للمجتمع المكي كي يتخلى عن عبادة الاوثان ويتجه لعبادة الله الواحد الاحد ؛ حسبما يريد النبي محمد . والجواب كلا ؛ فقد قامت بدوافع ثأرية ؛ لان اسياد مكة قد اخرجوا اصحاب النبي محمد من مكة وقد اطلق عليهم فيما بعد بتسمية ( المهاجرين ) وحسبما روي بان المكيين قد سلبوا جميع اموال وممتلكات اصحاب النبي محمد هذا من جانب اما من الجانب الاخر ؛ فقد قامت لان النبي محمد حاول التعرض الى القافلة التي كانت متجهة الى مكة وكان على راسها ( ابو سفيان ) اذ ادرك الاخير ان النبي محمد واتباعه قد خرجوا لنهب هذه القافلة فغير مسارها وقد نجى بذلك ؛ ولم تكن هذه القافلة الا قافلة تجارية تحمل المؤن من الطعام الى اهل مكة . وقد قامت المعركة عند ابار بدر ؛ وبدا المسلمون اتباع النبي محمد اكثر حنكة ومهارة عسكرية ؛ كما بدا النبي محمد بانه رجل حرب وقائدا عسكريا لا غير ؛ فقد امر قبل بدا المعركة بان تطمر جميع ابار بدر لمنع الطرف الاخر من الوصول الى الماء ؛ فقد كان يدرك الاهمية الاستراتيجية للماء في هذه المعركة ؛ فأحال دون وصولهم اليه ؛ هذه النقطة هي التي حسمت المعركة لصالح النبي محمد . كما ان النبي محمد يعرف جيدا كيف يشحذ الهمم ويرفع الطاقات المعنوية للمقاتلين من خلال تأثيره الروحي عليهم ؛ فهو يعدهم بالفوز الكبير برضى الله ؛ فيندفعون تحت تأثير هذه الروحانيات للقتال بشكل كبير . ومن خلال هذا العرض فان الاسباب الموجبة للمعركة لم يكن الغرض منها التغيير الديني او المعتقدي بل كان الهدف الرئيسي لهذه المعركة الحصول على الاموال والغنائم ورد الثأر وهذا الحال ينطبق على جميع غزواته الاخرى ؛ فقد كان الهدف الرئيسي الحصول على الغنائم والاموال ؛ وقد وجد اتباع النبي في معاركه هذه ضالتهم فهي توفر لهم فرصة الامتلاك والتملك ؛ وفق تشريع الهي هذا التشريع الذي جوز لهم القتل في المعارك للحصول على الاموال والنساء من الغنائم . فقد تسابقوا لذلك كونهم رجالات حرب ؛ ويعرفون جيدا هذه الحرفة كما يعرفون مسالك الطرقات الصحراوية ؛ وينطبق هذا على النبي محمد كذلك ؛ فقد سعى في حروبه هذه الى الهيمنة السياسية والاقتصادية ؛ فقد تحول عن فكرته الاولى والمتمثلة بالنبوة والاصلاح والهداية الى السياسة والحرب ؛ واصبحت فكرته الاولى فكرة ثانوية كان يغذيها بين حين واخر حسبما تقتضي الظروف التاريخية والاجتماعية  . وقد كان النبي محمد تواقا للحصول على الغنائم فهي تمثل الاقتصاد لبناء كيانه الاسلامي والذي كان يسعى من خلاله الانطلاق الى الاممية كما كان يحب النساء ورؤوفا بهن فقد كان ينظر لهن بعين الاحترام والتقدير وهذه نظرة تختلف عن ما كان سائدا في المرحلة الجاهلية فقد اعتاد المجتمع الجاهلي على ازدراء المرأة واحتقارها . ففي الحروب مثلا كانت الغنائم تعرض على الرسول ثم يقوم هو بالاختيار حسب التشريع في الآية القرآنية الاتية ( واعلموا  ان ما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل )  فقد كان يلقي ببردته على الاشياء التي يحب ان يقتنيها فتصبح جزا من ممتلكاته وله الحق بالتمتع فيها او اعطائها لمن يشاء باستثناء النساء فهن ملكا اليه مطلقا حتى بعد موته فلا يجوز لهن الاقتران باي شخص اخر .

وقد حصل في احد الغزوات التي قام بها على القبائل اليهودية ان اعجبته امرأة يهودية جميلة تدعى ( صفية بنت حيي ) كان قد راها من بين الغنائم ثم القى ببردته عليها خشية ان تصبح جارية فقد كانت سيدة في قومها فأخذها ودخل عليها في ذات اليوم الذي قتل فيها اباها ؛ واخاها ؛ وزوجها  . ( راجع تاريخ الطبري ) وتقول بعض الروايات عندما دخل عليها في خيمة قد اعدت له تأخر في الخروج من الخيمة كي يبارك له صحابته هذا الاقتران ؛ وعندما خرج اخذ احد الحراس من الواقفين على باب الخيمة بالتكبير واخذ يكبر ؛ فانزعج النبي محمد من ذلك فقال له بلهجة غاضبة ويحك لماذا تكبر فليس الوقت هو وقت صلاة ؛ فأجاب خشيت عليك يا رسول الله منها فقد قتلت ابيها واخيها وزوجها وتزوجتها ثم تأخرت بالانصراف عنها وقد ظننت بان سوءا قد اصابك منها  . اننا نعرض هذا للقارئ الكريم حتى يقف على الحقيقة ولا نبغي الاساءة للدين او المعتقد او لشخصية النبي ؛ لأننا لا نسعى الا الى الحقيقة وحدها لا غير .

 

 

 

 

( النصوص القرآنية )

التناص الاسطوري _ النسخ

التناص الاسطوري : لقد تطابقت بعض النصوص القرآنية في بعض جوانبها مع النصوص الاسطورية من الناحيتين الشكلية والمضمونية ؛ هذا التطابق الذي يدلل على ان النصوص القرآنية هي نصوص وافدة على الجزيرة العربية ؛ كما هي وافدة على الثقافة العربية اذ يوجد هناك الكثير من الافكار داخل الفكر الديني الاسلامي والذي مثلتها هذه النصوص هي افكارا لا تنتمي الى الثقافة العربية ؛ مما يدلل على ان الفكر الديني الاسلامي هو فكرا وافدا ينتمي الى ثقافات اخرى ومعارف اخرى كان قد اكتسبها النبي محمد من خلال حياته ؛ كما ان الفكر الديني الاسلامي في بعض جوانبه هو فكر مدني في منطلقاته وان الجزيرة العربية لا مدنية فيها ؟  نأخذ مثالا على التناص : هذا النص في سورة يونس ( ان ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام ثم استوى على العرش ) فهو يتناص تماما مع النص الاسطوري الاتي في قصيدة الخلق البابلية . ( خلق الاله مردوخ السماء والارض في ستة ايام بعد ان كانت خالية وخربة ) . ( ملحمة كلكامش ) ( ترجمة طه باقر ) هذا التناص في شكله ومضمونه لم يكن واردا من عند الله بل من عند النبي محمد وهو يؤكد بالدليل القاطع على ان النبي محمد كان عارفا بالمتثيولوجية الدينية القديمة وقد جاءت معرفته من خلال اجادته الى اللغات المندثرة واختلاطه بالمجتمعات وتحديدا مع اصدقائه من اليهود . كما ورد في سورة المائدة ( وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالأنف والاذن بالأذن والسن بالسن  ) وهذا تناص ايضا يتطابق بشكل كلي وكامل مع القوانين الاجتماعية التشريعية التي وردت في مسلة حمورابي ؛ حيث يشير النص البابلي القديم الى الاتي ( العين بالعين والسن بالسن ) الى ذلك . بمعنى ان هناك قوانين تشريعية لتنظيم الحياة المجتمعية قبل الاسلام بآلاف السنين وان النبي محمد كان عارفا بها . كما ان طريقة العبادة وتحديدا الصلاة منها فهي طريقة بوذية قديمة كانت تمارسها المجتمعات الاوسطية في اسيا باختلافات جزئية بسيطة . ان موضوعة التناص هي الموضوعة التي يمكننا من خلالها ان نحدد معارف النبي محمد وثقافاته ؛ فهي لم تات اعتباطا وانما جاءت على شكل قراءات مستمرة واطلاع على الثقافات الاخرى ؛ التي اثرت به وتأثر بها حيث تم تخزينها في عقله الباطن عبر مراحل مختلفة من حياته الاجتماعية ؛ كما تم نسيانها من قبله بشكل غير ارادي ؛ ثم بدأت تظهر فيما بعد على شكل نصوص وتشريعات ؛ نتيجة للممارسات الروحية الغيبية التي كان يقوم بها دون دراية منه ايضا فهي تظهر على شكل تناصات مع النصوص الاسطورية المخزونة سالفا في عقله الباطن والتي اكتسبها من خلال القراءة والاطلاع ومثلت معارفه المنسية .  وهناك الكثير من النصوص القرآنية تتطابق تماما مع نصوص اسطورية اخرى ومفاهيم دينية اخرى مثلت ثقافات المجتمعات القديمة ؛ ولا نريد ان نغرق هذه الموضوعة بالأمثلة .و لكننا نود ان نشير الى قضية النبي عيسى والتي وردت في القران ؛ هي فكرة مأخوذة عن تصورات المجتمعات البابلية والفرعونية القديمة في رؤيتهم للحكام على انهم انصاف الهة ؛ وان هذا التطابق في هذا المفهوم هو تطابق معرفي يدل على ان النبي كان عارفا بثقافات وممارسات المجتمعات القديمة . وينطبق هذا الشيء على ممارسات النبي موسى والذي ورد في اغلب سور القران ولكن بتصور اخر ان النبي موسى قادرا على التكلم مع الله وان الله يستجيب له بالصفح عن الناس ؛ فقد كان يمارس موسى السحر ويخيف الناس وقد كانت عامة الناس تطلب من موسى ان يكلم الله للصفح عنهم وان يمدهم بالخير والرفاه ؛ ان هذا المفهوم مستمد من المفاهيم الاسطورية القديمة ؛ عندما كانت عامة الناس تتضرع للحاكم الذي كان نصفه بشر ونصفه الاخر اله بان يستجيب لمطالبهم فهو الحاكم البشر والاله بذات الوقت . وان الاستجابة تتعلق بالإرادة البشرية والالهية . 

( النسخ )

ان مفهوم النسخ بالمعنى اللغوي الالغاء ؛ فقد اول فقهاء المسلمين النسخ على انه الغاء للأحكام الشرعية التي تضمنتها النصوص القرآنية الواردة سابقا وان الالغاء يمثل الاحكام الشرعية فقط وليس النص وقد بنيت هذه الرؤيا وهذا التأويل وفق المفهوم التالي ؛ ان النص القرآني هو كلام مقدس من عند الله وفي لوح محفوظ ؛ ومعنى ذلك ان الله قد تكلم سالفا ؛ ولا ندري كلامه هذا منذ الازل ام جديدا حادثا ؛ ورغم ذلك فان الفقه الاسلامي ؛ لا يجوز نسخ كلام الله او الغاءه وقد اول هذا الالغاء باتجاه الاحكام التشريعية فقط ؛ باعتبار ان لكل مرحلة تاريخية خصوصيتها في التنزيل اي بالتنزيل القرآني ؛ وان الانسان لا يمكنه ان يتقبل التشريعات والاحكام السماوية دفعة واحدة ؛ فقد جاءت بالتدريج كي يتم قبولها والتعامل معها . ان هذا التأويل حسب اعتقادنا مجانبا للحقيقة لان الحقيقة ليس كما اولها فقهاء المسلمين فقد تم الغاء نصوصا قرانيه كاملة جاءت على لسان النبي محمد وقد تم هذا الالغاء من قبله ؛ باعتبارها ليست نصوصا الهية وانما جاءت على لسان الشيطان ومنها النص الاتي ( تلك الغرانيق العلا وان شفاعتهن لترتجى ) فقد سارع النبي محمد الى الغاء هذا النص بعد ان اعترض عليه صحابته ؛ ولا ندري ما حقيقة لسان الشيطان في هذه القضية . ولو لم يكن هنالك اعتراض على هذا النص من قبل صحابته والمقربين اليه لما تم الغاءه ؛ ان عملية النسخ او الالغاء في النص القرآني الكامل قد مارسها النبي محمد بمبررات مختلفة فهو يجوز لنفسه ما لا يجوزه لغيره ؛ ان جميع فقهاء المسلمين قد بنوا فقههم على القران والسنة وهما عن لسان النبي محمد فتعددت الاتجاهات الفقهية واختلفت ايضا ؛ ويمكننا ان نجزم ان جميع الاتجاهات الفقهية في الاسلام لم تدرك الحقيقة ؛؟؟؟ لان الحقيقة لم تكن واضحة بالنسبة اليهم  ؟ لكنها واضحة بالنسبة للنبي محمد فقد كان يعرف جيدا ان المسلمين سيختلفون من بعده في الاتجاهات الفقهية فقد كان يقول : ( سوف تنقسم امتي الى اثنا وسبعين فرقة جميعها في النار الا فرقة واحدة ناجية ) فهو يدرك جيدا ان جميع الفرق ستختلف بينها فيما بعد وليس هنالك ناجيا منهم لان النجاة من وجهة نظره الفوز برضى الله والنجاة من النار ومن وجهة نظرنا نحن ادراك الحقيقة .

ان عملية النسخ في النصوص القرآنية هي الصيغة التجريبية التي كان يمارسها النبي محمد على المجتمع المكي ؛ فهو يشرع ويجوز حسب حاجته الى ذلك وطبقا للمتغيرات الفكرية والتاريخية والاجتماعية فعندما يطلق فكرة ما فهو يرقب ردود افعال الناس المحيطين به ومدى تقبلهم لهذه الفكرة في لحظتها واثنا ء استرساله في الكلام فهو يقرا في الوجوه علامات الرضا ؛ كما يقرا علامات السخط ؛ فان لقي كلامه الاستحسان فهو يحاول ان يتمم فكرته بشكل كلي وكامل ؛ وان لقي العكس من ذلك فهو يقوم بتغيير مسار كلامه وبتأويله ؛ وقد تلمس ذلك جليا من خلال القران والاحاديث فهي تؤول وتفسر بأشكال مختلفة لأنها غير واضحة وغير محددة ولا ينطبق هذا على جميع النصوص بل على البعض منها . نأخذ مثالا على قولنا هذا في التأويل وليس النسخ . ( نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم انى شئتم ) فقد اختلف الفقهاء والمفسرين على شرح هذا النص او تأويله وتحديدا في كلمة ( انى ) فهي تستخدم وفق القاعدة اللغوية ظرفية للزمان والمكان ؛ فان اولنا النص باتجاه الظرف الزماني فهذا يعني متى تشاؤون ؛ اما باتجاه الظرف المكاني فيعني ذلك كيف ما تشاؤون ؟؟  ان الاختلاف الفقهي وارد ولكن ليس بهذه السقطات ؛ فالإشكالية هنا ليس بالفقه وانما في بنائيات النص اللغوية والبلاغية لان الفقه يبنى على ذات النص ؛ فعندما يكون النص مربكا وغير واضحا فهو يقودنا لسوء الفهم وكذلك للاختلاف  . ان قضية النسخ في الاحكام هي القضية التي يجب الوقوف عليها وبحثها مليئا لأنها واحدة من اكثر الامور تعقيدا في الفكر الديني الاسلامي ؛ كونها تمثل الاحكام الشرعية للذات الالهية حسب المفهوم الاسلامي وان النسخ في الاحكام يعني التجريب . ولا يمكن للذات الالهية ان تكون ذات مجربة على الخلق ؛ لان احكامها ثابتة ومعدة سلفا ؛ فهي لا تنزل الى مستوى ادراك الناس او وعيهم وتتعامل معهم وفق هذا المفهوم فهذا ليس من شانها فهي منزهة عن ذلك وان احكامها احكاما قطعية وخصوصا في عملية التشريع  . ان المفهوم القائم من وجهة نظرنا على تدخل الذات الالهية في كل شيء هو مفهوما قاصرا ؛ لان الله قد اطلق نظاما محددا في عملية انتاجه لهذا الوجود ؛هذا النظام الخاضع للنواميس الكونية التي انتجها الله وهي بدورها خاضعة لجملة من القوانين العلمية واشتراطاتها . ناخذ مثالا على ذلك : عندما تنعدم الامطار من جراء عوامل بيئة وجغرافية ؛ فان الناس تتجه للصلاة ة وللعبادة كي يستجيب الله ثم يقوم بانزال المطر ففي الفكر الديني الاسلامي هناك صلاة يقوم المسلمون بادائها تسمى صلاة الاستسقاء عسى ان يستجيب الله لدعائهم في ذلك  . ان هذا المفهوم هو ذاته المفهوم القديم الذي كان يمارسه الانسان البدائي الاول ؛ فقد كان يدعو الله من خلال ممارسته للطقوس العبادية التي كان يقيمها كي يستجيب الله فينزل المطر  . ان هذا المفهوم هو مفهوم ساذج  وسطحي لان الله لا علاقة له بالمطر ؛ كما لا علاقة له في دعاء الناس وصلواتهم ؛ ان النسخ المتتالي للأحكام الشرعية بهذا التناقض هو الذي يفند فكرة الله العارف من وجهة نظرنا لان الله حسبما نعتقد عارفا في كل شيء ؛ فلماذا لا يكون عارفا في خلقه وقدراتهم على الاستيعاب في تقبل الاحكام الشرعية حسب المفهوم المحمدي . ان تفنيد فكرة الله العارف في عملية النسخ والالغاء للأحكام الشرعية قد جاءت من قبل النبي محمد دون ان ينتبه لذلك . فقضية اجتناب الخمر التي صدرت  حسب التشريع في النص الاتي ( يا ايها الذين امنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ) . هي قضية لا علاقة لها بالذات الالهية ولم يكن حكمها التشريعي من عند الله ؛ بل من عند النبي محمد ؛ وجاء التشريع في هذه القضية كردة فعل على خسارة المسلمين في معركة احد لان البعض منهم كان مخمورا اثناء عملية القتال حسبما تشير الى ذلك بعض المصادر التاريخية ..

 

( التنزيل والتأويل )

ظهر علم التنزيل بناءا على تنزيل القران على النبي محمد من قبل الوحي وهو علم يهتم بدراسة هذا الجانب ويعد التنزيل بالنسبة للمسلمين من العلوم المهمة التي تابعت سير نزول القران واحكامه .

اما التأويل فهو علم لاحق يهتم بتأويل الآيات القرآنية التي نزلت على النبي محمد باعتبارها آيات لها ظاهرا ولها باطنا من ناحية المعنى وتحتاج الى مأول فقيه في ذلك . ان هذه القضية هي القضية المختلف عليها في الفقه الاسلامي بكل اتجاهاته ؛ لان بعض النصوص القرآنية لا يمكن فهمها من الظاهر فهي تحتاج الى عالم ماول فقيه في ذلك حسب المفهوم الاسلامي ؛ بغية الوقوف على المعنى وادراكه لان الفقه والتأويل نتاج فكري معرفي قائم على الفهم الحقيقي لذات النص ؛ كما هو قائم اولا على الايمان المطلق بالله ورسوله وبالقران كلام الله ومن عنده . فهناك خصوصية ايمانية للمأول الفقيه قد خصه الله بها فهو الوحيد القادر على ادراك التأويل والبت به ؛ ولأننا لا نستطيع ان نحدد من هو المأول الفقيه الذي خصه الله ؛ ثم نسعى الى الاخذ بتأويله لان الكثير من الناس قد مارسوا الفقه والتأويل وقد تعددت المناهج الفقهية في ذلك واختلفت كذلك ؛ كما اختلف التأويل في رؤيته للنص من عالم الى عالم اخر وتضاربت الاحكام في هذا الخصوص ؛ فهناك من يشرعن في تجويز الشيء ؛ وهناك من يرفضه ؛ ويعده حكما باطلا طبقا لفهمه ولإدراكه ؛ فاختلف المسلمون كعادتهم في ذلك وتعددت آرائهم كما تعددت احكامهم ؛ واتجهنا اتجاهات مختلفة واخذ يكفر بعضنا البعض الاخر طبقا لذلك . ان قضية التأويل من وجهة نظرنا ؛ تتعلق باللغة وليس الكلام ؛ لان المأول لم يسمع الله يتكلم ؛ بل نقل الكلام اليه عن طريق اللغة . ؟ ؟ فهو يقوم بتأويل اللغة وليس الكلام ومن المسلم به ان اللغة تخضع للتأويل ؛ لان المفردة اللغوية تأخذ اكثر من دلالة للمعنى ؛ فعندما تدخل في  جملة محددة  فان سياق الجملة البلاغي هو الذي يحدد معنى هذه المفردة في موقعها ؛ وبهذا فقد تختلف المفردة من ناحية المعنى عما اذا كانت مفردة مستقلة في ذاتها . ان استقلال المفردة شيء وبنيتها داخل النص شيئا اخرا لأننا نأخذ سياق النص البلاغي دفعة واحدة للتدليل على المعنى ؛ كون الجملة داخل هذا السياق مركبة من اجزاء ؛ وان هذه الاجزاء تمثل المفردات اللغوية ؛ وهي بالضرورة لا تعطي مفهوما للجملة الا من خلال سياقها الكلي الذي تم بنائه فيها . ( راجع دلائل الاعجاز للجرجاني ) . هذه القضية هي التي ادت الى الاختلافات الفقهية والتأويلية في الفكر الديني الاسلامي ؛ ولا علاقة للخصوصية الالهية في هذا الفقيه او ذاك مثلما يزعم الفكر الديني الاسلامي ؛ كما ان سوء الفهم لذات النص قد ادى الى ذلك ايضا ؛ لان وعي ومستوى التلقي يختلف من شخص لآخر ؛ ولان النصوص القرآنية هي نصوصا غير واضحة في بعض اجزائها ؛فمن البديهي ان يختلف الفقه على ذلك . ؟ ثم نعود مرة اخرى الى التنزيل ؛ كي نستقرئ الحقيقة في هذه القضية ؛ فمن وجهة نظر الفقه ان القران قد انزل على النبي محمد على شكل آيات بينات محكمات ومتشابهات ؛ ولا نريد ان ندخل الى قضية الاحكام او التشابه ؛ فهي قضية لا تعنينا في هذا الباب من هذا المبحث ؛ ولكن ما يعنينا هو اصطلاح التنزيل ؛ هل ان القران قد انزل فعلا من عند الله ؛ ام انه معارف النبي محمد عن الله  ؟؟؟ ومن وجهة نظرنا انها معارف النبي محمد عن الله ؛ لان توالي وتتابع نزول النصوص القرآنية كانت حسبما تقتضي حاجة النبي محمد الى ذلك ؛ فكلما احتاج الى معالجة قضية حياتية او اجتماعية ؛ يكون هنالك تنزيلا قرآنيا يتم من خلاله اعطاء الحلول لهذه القضية ؛ فعندما يكون النبي محمد تواقا للسلم فان النصوص القرآنية تنزل لتدعيم هذه الفكرة وفي اطارها ؛ وعندما يكون تواقا للحرب فان النصوص القرآنية النازلة تحث على الحرب وعلى الجهاد ؛ وهذا يعني ان القران كان ينزل حسب الرؤية والحاجة المحمدية  ؟؟ نأخذ مثالا على ذلك : عندما ادرك المشركون النبي محمد وصديقه ابو بكر الصديق في الغار الذي اختبأى فيه بعد خروجهما من مكة بدا ابو بكر يرتعش خوفا على النبي محمد حسبما تشير الرواية  ؛ لان المشركين كانوا على باب الغار ؛ فخشي النبي من ان يسمع المشركين صوت ابي بكر وهو يرتعش ؛ فاحب ان يطمئنه النبي من خلال الآية التي نزلت بحقهما في هذا الخصوص ؛ وقد نزلت هذه الآية في الغار بحضور ابي بكر .

كما نأخذ مثالا اخرا : الآية التي نزلت بحق علي ابن ابي طالب في اعطائه طعامه لثلاثة ايام و هو صائم وبقائه جائعا  . ومثالا اخرا كذلك : الآية التي نزلت بحق عائشة في تبرئتها من التهم التي الصقت بها  .فمن خلال هذا نستدل على ان التنزيل في الآيات القرآنية كان يرد حسب حاجة النبي محمد الى ذلك .

 

 

 

 

 

 

( السور المكية والسور المدنية )

من الواضح للعيان ان سور القران تنقسم الى قسمين فقط  ؛ القسم الاول السور المكية وهي التي نزلت على النبي محمد قبل خروجه من مكة ؛ اما القسم الثاني فهي المدنية والتي نزلت عليه في المدينة بعد خروجه من مكة ؛ وتمثل هذه السور في مجملها القران كلام الله وما نريد الاشارة اليه وتبيانه هي الفروق ما بين السور المكية والسور المدنية في رؤيتها للمجتمع المكي وللمجتمعات الاخرى وما تحمله من مضامين اخلاقية واحكاما تشريعية في ذات الوقت . اولا : السور المكية : هي السور التي كانت تحمل المضامين الاخلاقية في رؤيتها للمجتمعات بشكل عام المكية والاممية ؛ فقد حثت السور المكية من ناحية المعنى على البنى الاخلاقية للمجتمعات فقد دعمت الاتجاه الاخلاقي ؛ من خلال ما طرحته من مضامين اخلاقية وانسانية ومنها الصدق / والامانة / والعدل / والمساواة / والتآخي / والتسامح /  الى غيرها من مضامين ؛ كما حثت على التعلم والمعرفة ؛ ان هذا الاتجاه هو الاتجاه البدئي الذي مثل النواة الاولى للفكر الديني الاسلامي  فقد كان رائعا في مضامينه الاخلاقية والانسانية ؛ كما كان رائعا في تشريعاته ايضا ؛ فقد نظم الحياة الاجتماعية للناس بشكل لم يسبق له مثيلا على الاطلاق في تاريخ المجتمع المكي ؛ ونعتقد من وجهة نظرنا ان هذه الدعوة لا تختلف كثيرا عن العدالة الالهية في رؤيتها للوجود بشكل عام ؛ هذه العدالة التي حققت نظاما من التوازن في كل شيء ثم اتاحت لنا الوجود ؛ ومن وجهة نظرنا ايضا ان الاسلام قد تحقق فيه المفهوم الاممي في بداية دعوته فقط . فقد اتصف بالأخلاق اكثر مما اتصف بالعبادة واستقطب الكثير من الناس وفق هذا المضمون . لان الناس تسعى من خلال الدين الى الله ؛ ومن خلال الله الى العدل الاجتماعي ومكارم الاخلاق في وجوده العظيم المنظم .

ثانيا : السور المدنية ؛ ان السور المدنية قد اختلفت اختلافا كليا عن السور المكية في طريقة بنائياتها ومضامينها ؛ هذا الاختلاف الذي شكل ردة في الفكر الديني الاسلامي في رؤيته للمجتمعات ؛ فقد حثت السور المدنية على الحروب والغزوات ؛ كما اختلفت في تشريعاتها ايضا من خلال الناسخ والمنسوخ ؛ فقد تحرم فيها ما كان جائزا في المراحل السابقة ؛ كما بدا الفكر يأخذ منحا سياسيا اكثر مما هو دينيا في رؤيته للحياة ؛ وعلى هذا الاساس فقد تحول الفكر عن مضامينه الاخلاقية الى المضامين السياسية والاقتصادية ؛ ووفق ذلك فقد انضم الكثير من اسياد قريش الى الاسلام ليس بدوافع ايمانية بل سياسية تحكمها المصالح الاقتصادية ومنهم ( ابو سفيان ) و (خالد ابن الوليد ) على سبيل المثال ؛ فقد كان هؤلاء من المعارضين للفكر الديني الاسلامي بل من الرافضين اليه بشكل كبير ؛ ومارسوا القسوة والعنف مع المسلمين في مراحل سابقة ؛ ورغم ذلك فقد بقيت مكاناتهم محفوظة في انتمائهم للإسلام وفق مبدا ( الاسلام يجب ما قبله )  ان الابتعاد عن البنى الاخلاقية في الدين هو الذي اسهم في انهيار الفكر الديني وسقوطه في نظر المجتمعات ومنها المجتمع المكي فقد اصبح الانتماء الى الاسلام انتماءا مصالحيا وليس عقائديا دينيا او اخلاقيا ؟؟ وقد اسهم في ذلك ايضا هي طريقة الانتماء الى الدين فهي تقوم على اساس التوحيد وتلاوة الشهادتين بغض النظر عن اي شيء اخر .

فمن يدخل الاسلام لا يجوز له التحول فيما بعد لأي اتجاه ديني اخر اذ يقام عليه الحد حسب المفهوم الاسلامي ومعنى ذلك يتم قتله بطريقة تم التشريع اليها في هذا الخصوص .

ان القتل هو المفهوم الجديد للإسلام بعد خروج النبي محمد من مكة ؛ فقد كان سائدا مفهومي السلام والتسامح قبل ذلك ؛ هذان المفهومان هما اللذان اسهما في اعتناق اغلبية الناس الاسلام .

ان التحول الفكري للدين الاسلامي عن اتجاهه الديني الذي قام عليه هو الذي اظهر تناقضات هذا الفكر ؟؟ في تعاطيه مع الحياة فقد ظهر الاسلام الايديولوجي كاتجاه يمثل الفكر وليس العقيدة او الدين ؛ هذا الفكر الذي يغلب المصالح السياسية والاقتصادية على الاتجاه الديني ؛ فقد كان الرسول مفاوضا سياسيا مع المجتمعات الاخرى اكثر مما هو نبيا ؛ في خلافاته معهم ؛ وفي مصالحه الاقتصادية فقد تخلى عن دعوته الدينية من خلال النص القرآني الاتي ( لا اكراه في الدين لقد تبين الرشد من الغي ) فهو لم يكره احدا بالتخلي عن دينه ودخول الاسلام بعد هذا النص ؛ فقد حل مفهوم الجزية بدلا عن ذلك ؛ فمن يريد البقاء على دينه فعليه دفع الجزية للمسلمين ؛ فأصبحت الجزية هي البديل عن اعتناق الاسلام ؛ ولا نعتقد من وجهة نظرنا ان الله يفكر بهذه الطريقة ؟؟؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( الاعجاز القرآني )

ان مفهوم الاعجاز يتعلق بالقدرة ؛ وينطبق هذا الاصطلاح وفق المفهوم الديني التوحيدي على الانبياء الذين جاءوا بمعجزاتهم ؛ وهي بالضرورة من عند الله حسبما ادعوا ومنها الاعجاز القرآني في الاسلام .

اذ يعد القران كلام الله ؛ وفيه اعجازا كليا وهذا يعني ان لا احد يستطيع الاتيان بمثل هذا الكلام والذي يقوم على اساس اللغة ؛ بمعنى اخر ان لا احد يستطيع ا ن يأتي بمثل هذه اللغة من ناحية الاسلوب ؛ والمعنى ؛ والبيان ؛والبلاغة  الى غيرها . فمن ناحية الاسلوب يمكننا القول ان اسلوب القران مختلف تماما عن الاساليب الاخرى التي كانت سائدة في الثقافة العربية ؛ وهذا ما يميزه لان الثقافة العربية لم تالف مثل هذا الاسلوب . ان اختلاف الاسلوب لا يعني الاعجاز ؛ وانما المغايرة وقد تكون المغايرة في الاسلوب هابطة وضعيفة وقد تكون متينة جدا ؛ وهذا يتوقف على بنية النص من جميع النواحي ؛ ان بنية النصوص القرآنية في بعض جوانبها  مستمدة من النصوص الاسطورية القديمة وهو اسلوب لا ينتمي للثقافة العربية ؛ وقد اضفي اصطلاح الاعجاز على هذه النصوص للتمييز فقط . ان الاعجاز لا ينطبق على النصوص القرآنية ؛ فمنها الضعيف جدا كالنص الاتي ( انى اعطيناك الكوثر فصلي لربك وانحر ان شانئك هو الابتر ) فأي اعجاز مثلا في هذا القول فهو من ناحية الصورة والمعنى والبلاغة لا يمكنه ان يرتقي الى نشيد الانشاد والذي ورد في الانجيل ؛ كما لا يمكنه ان يرتقي للشعرية العربية في معلقاتها السبع التي علقت على جدار الكعبة  . ان قضية الاعجاز هي قضية فارغة المحتوى ؛ وهو راي قد اطلق في ذاك الحين يخص الاسلوب وطريقة بناء النص لا غير.

 

 

 

( مفهوم الصلاة )

ان الصلاة هي طقس عبادي وهي الصلة ما بين المسلم المؤمن وبين الله ؛ كما هي تنهى عن الفحشاء والمنكر حسب المفهوم الاسلامي وادائها فريضة ملزمة على المسلم من قبل الله ؛ وان ترك الصلاة هو كفر ويعد من الكبائر بالمنظور الاسلامي . تتم الصلاة عن طريق التكبير وتلاوة الشهادتين والقيام والسجود والركوع وقراءة آيات من القران والدعاء اذ يتم الاتصال بالله بهذه الطريقة  . وقد قسمت اوقات الصلاة الى خمسة اوقات  ؛صلاة الصبح ؛ صلاة الظهر ؛ صلاة العصر ؛ صلاة المغرب ؛ صلاة العشاء ؛ .اما عدد الركع فتختلف باختلاف مواعيدها ؛ للصبح ركعتان ؛ وللظهيرة اربع ركع ؛ وللعصر اربع ركع ايضا وللمغرب ثلاث ركع ؛ وللعشاء اربع ركع وهناك صلوات اخرى ؛ هي صلاة العيد ؛ وصلاة الجنازة ؛ وصلاة الزيارة وكل هذه الصلوات يجب ان يسبقها الوضوء . ان مفهوم الصلاة يقوم على اساس التعبد والخضوع والتذلل وطلب الحاجة من عند الله ؛ كما يقوم على اساس الطاعة ؛ ولا ندري ؛ هل الصلاة هي من عند الله ام من عند النبي محمد . اذ تقول بعض الروايات الاسلامية عن النبي ؛ ان جبرائيل قد صلى امام النبي بهذه الطريقة ؛ وقد نقل النبي هذه الطريقة عنه ؛ وقد كانت الصلاة في بادئ الامر اكثر من ذلك الا ان النبي طلب من الله تقليلها اذ تم تقليلها بعد ذلك الى الحالة التي هي عليها الان . ان الاستجابة من قبل الله الى النبي محمد في ما يريده هي الاشكالية ؛ فهذا يعني ان الله يغير اراداته طبقا لإرادة النبي ؛ ومعنى ذلك ان اراداته تتغير بتغير الواقع البشري من حال الى حال ؛ ومن مرحلة الى مرحلة اخرى ؛ وبهذا المعنى فان الله يصبح اداة تنفيذية مسيطر عليها من قبل النبي ؛ فهي تستجيب لما يريده النبي وليس العكس .؟؟؟ وقد ظهر ذلك واضحا من خلال الآية التي وردت في سورة الاحزاب  ( ان الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) وحسبما اشرنا الى مفهوم الصلاة في هذا الجانب فان الله يخضع الى النبي ويتذلل اليه عن طريق الصلاة فهي طريقة للعبادة ؛ الا ان فقهاء الاسلام يذهبون الى تأويل هذه الآية بطريقة اخرى ؛ فالجميع يجمع على ان صلاة الله وملائكته على النبي ليس بمفهوم الخضوع والتذلل ؛ وانما للمباركة ومعنى الصلاة من قبل الله على النبي هي مباركة له وثناءا عليه  .؟؟ ولا ندري كيف تم تأويل النص بهذه الطريقة ؛ لان النص واضح من ظاهره ولا يحتاج وفق سياقه هذا الى تأويل ؛ ان تبرير تناقضات النبي التي وردت في القران من قبل فقهاء المسلمين لامعنى لها ؛ فهي تضيف ركاما على ركام ؛ ولا ندري لماذا لا يتم مواجهة الحقيقة ؛ ونقول ان هنالك تناقضات قد وردت في سلوك النبي كما وردت في القران ويتم معالجتها بطريقة قد ترضي الله ولا تغضبه ؛ ؟؟؟ لان الله حسبما نعتقد يفضل المعرفة ويقدمها على اي شيء اخر .

 

( مفهوم العصمة )

ان مفهوم العصمة هو مفهوم خاص وليس عام ؛ ومن ناحية المعنى فهو يعني الخلو من الذنوب والمعاصي ؛ فقد اختلف المسلمون على هذا المفهوم وهذا شانهم دائما ؛ فمنهم من ذهب في رايه بان العصمة قد انحسرت في النبي وال بيته من الائمة المعصومين الاثنا عشر ؛ ومنهم من اقرن العصمة في النبي وصحابته ؛ كما ذهب فريق اخر في رايه بان العصمة محسورة في النبي فقط عند نزول الوحي عليه وهي عصمة مؤقتة  . فتعددت الاجتهادات في هذا الجانب واختلفت ايضا ؛ وقد ادى هذه الاختلاف الى انقسام المسلمين فيما بينهم وقد ذهب بعض فرق المسلمين الى تكفير الفرق الاخرى باعتبارهم خارجين عن سنة الله ورسوله في رؤيتهم للعصمة . اما وجهة نظرنا في هذا الموضوع وحسبما نعتقد هي وفق الاتي : ان العصمة هي لله وحده فهو المنزه عن كل شيء ؛ وهي عصمة ابدية مطلقة ؛ لان الذنوب تتأتى من الخطيئة ؛ وان الله لا خطيئة لديه فهو الكامل في كل شيء . فقد رأيت من الواجب ان اوضح بعض الحقائق في مفهوم القدسية ؛ هذه الحقائق التي قد تكون بعيدة عن موضوعة العصمة ؛ لأنها تمثل القدسية لله وللنبي وللمعصومين  وهي موضوعة الاختلاف . ان فهم المقدس لدى المسلمين هو فهما خاطئا ؛ لان القدسية لا تعني التطرف لما هو مقدس في الاعتقاد بل هو اصطلاح تحتمه العلاقة بين الفرد والشيء الذي ينتمي اليه وهو اصطلاح صيغ من قبل الانسان فعندما ننتمي الى الله فهذا يعني اننا نحبه ومعنى الحب يختلف اختلافا كليا عن معنى التقديس ؛ لان الله لم يطلب  منا ان نقدسه بل نتمثل فيه كأنموذج يستحق العظمة  . ان تقديسنا للأشياء كما للشخوص هو تقديسا ساذجا لامعنى فيه ؛ لأننا نضفي القدسية بطريقتنا نحن لا بطريقة الله ؛ لان الله لم يقل ان كلامي مقدس وانبيائي مقدسون ؛ ان فهمنا الخاطئ للقدسية هو الذي جعلنا نختلف فيما بيننا ويكفر بعضنا البعض الاخر فالقران مثلا لم يقل قدسوني وانما ورد ذلك عن لسان النبي محمد وحتى لا نذهب بعيدا فإنني اود ان اشير الى واقعة نبي الله ابراهيم الخليل في تكسيره للأصنام لما هو مقدس في الجاهلية الاولى والتي سبق وان تم ذكرها فما الذي سوف يحدث لو عكسنا هذه الواقعة في المجتمع الاسلامي وقام احد الناس بتحريق القران والتجاوز على الله امام انظار المسلمين هذا السؤال اتركه للأخر كي يجيب عليه . ولكني اقول ان جاهلية المسلمين اكثر بكثير من الجاهلية الاولى لأننا ننظر الى الله والى الانبياء بنفس الطريقة التي كان ينظر اليها في الجاهلية الاولى بل اسوء من ذلك ؛ فقد قام المسلمون في التا ريخ الاسلامي بقتل المعتزلة لآرائهم كما قاموا بقتل الحلاج ايضا والامثلة كثيرة في ذلك. ان من يدفع هؤلاء المسلمين للتصرف بطريقة وحشية بشعة هي القدسية وليس الله .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( نظام الحكم في الاسلام )

ان نظام الحكم في الاسلام هو نظاما وراثيا يتم من خلاله نقل السلطة ؛ وليس ديمقراطيا مثلما يذهب البعض في تفسيره للآية القرآنية التالية ( وامرهم شورى بينهم ) لان النبي لم يستفت احدا في سلطته الدينية والسياسية بل استمد تفويض الناس اليه من خلال نبوته كونه نبيا حسبما ادعى ؛ وبذلك فهو يعد الزعيم الروحي والسياسي في ذات الوقت وواجب الطاعة حسب المفهوم الاسلامي . اما الشورى التي وردت في القران فهي لا تعني الاستفتاء على سلطة هذا النظام بل لإدارة شؤون النظام من خلال القرارات التي تتخذ بالتشاور بين النبي وصحابته المقربين . ان الشورى قد فسرت على انها نظاما ديمقراطيا وهي حكم الشعب والأغلبية في تداولها للسلطة ؛ ولو كان الامر كذلك ؛ لكان بإمكان النبي ان يستفتي الناس على سلطته السياسية وليس الدينية ؛ كما ان نظام الحكم في الاسلام نظاما دكتاتوريا ينطلق من ايديولوجيته الدينية فهو ليس تعدديا ؛ ولا يسمح للفكر المناوئ بمقاسمته السلطة . وقد سبب ذلك اشكالية فيما بعد ؛ ادت الى انقسام المسلمين بعد وفاة الرسول مباشرة الى فريقين على هذا المفهوم الصحابة من جانب وعلي ابن ابي طالب واتباعه من الجانب الاخر ؛ فكلا الفريقين يذهب لتفسير نظام الحكم بشكل مختلف ؛ ومما زاد في اشكالية هذه القضية هي خطبة الوداع والتي القاها الرسول قبل موته ؛ والذي يذهب البعض في تفسيرها على انها تفويضا صريحا لعلي ابن ابي طالب باستلامه للسلطة ؛ اما البعض الاخر فيذهب في تفسيرها على انها ثناءا على علي ابن بي طالب ومديحا له لا غير . وان نظام الحكم في الاسلام ؛ هو نظام الشورى حسبما ورد في القران كلام الله .

ومن وجهة نظرنا ان القضية لا تحتاج الى تفسير ؛ لان الشورى لا تعني السلطة لنظام الحكم ؛ بل ادارة شؤون هذا النظام ؛ وان السلطة الدينية والسياسية بيد الفقيه العالم اسوة بما كان معمولا به في فترة الرسول فهو صاحب السلطة الدينية والسياسية في ذات الوقت ؛ فالإشكالية في هذا الموضوع هي المفهوم ؛ لان السلطة لا تعني النظام كما ان النظام لا يعني السلطة .؟؟ 

 

(العدالة الإسلامية )

ان مفهوم العدالة هو مفهوم نسبي وليس مطلقا وقد سعى الفكر الديني الاسلامي الى تحقيق العدل من خلال تشريعاته ورؤيته الى ذلك . فمن الناحية الاجتماعية تم التشريع الى جملة من القضايا ؛ واعدت هذه التشريعات قوانين الهية ثابتة تم العمل بموجبها لتحقيق مفهوم العدل ومنها الميراث ؛ والملكية ؛ والخمس ؛ والزكاة ؛ والزواج ؛ والطلاق ؛ الى غيرها من القضايا . والسؤال الذي نود ان نطرحه في هذا الخصوص ؛ وفق الاتي : هل تحقق مفهوم العدل الاجتماعي في مرحلة الرسول من خلال هذه التشريعات ؛ وان كان كذلك ؛ فهذا يعني ان المجتمع الاسلامي في تلك المرحلة مجتمعا مستقرا من الناحية الاجتماعية ؛ ويسوده العدل بحكم القضاء المنصف والتشريع .

وحتى نجيب لابد لنا من ان نوضح للقارئ الكريم الاتي ؛ هذا الايضاح الذي يتعلق بمفهوم العدل الالهي ؛ والعدل البشري ؛ لانهما مفهومان مختلفان . اولا العدل الالهي : ان العدل الالهي هو عدلا كليا مطلقا ؛ وقد تم تحقيقه من قبل الله ؛ وتم قبوله منذ الفطرة الاولى لجميع الخليقة؛ فعدله يتمثل في الخير وتحقيقه تحقيقا كاملا ؛ فمن العدل الحياة ومن العدل الموت ايضا ؛ فعدالة الله شملت كل شيء في الوجود وتمثلت في كل شيء  ثانيا : العدل البشري : ان العدل البشري هو عدل نسبي لا يمكنه تحقيق المطلق او الوصول اليه ؛ فهو يصيب ويخطئ في التشريع كما يصيب ويخطئ في قضائه ايضا ووفق ذلك فيمكننا ان نقول ان العدالة الاسلامية لم تتحقق لافي مرحلة الرسول ولافي غيرها فهي نسبية وليست كلية ولا تستند الى حقيقة الله فهي قد بنيت على تصور للعدالة الالهية ولا تمثلها في شيء .

 

 

 

 

( الاقتصاد الاسلامي )

لم يقم الاقتصاد الاسلامي على عملية الانتاج وادواته في مرحلة النبي محمد ؛ خلاف الشعوب والمجتمعات الاخرى ؛ وانما قام على اساس الحروب والغزوات والرعي وبعض الحرف البسيطة الاخرى ؛ كما قام على اساس الخمس والزكاة بالنسبة للمسلمين والجزية التي كانت تأخذ من غير المسلمين . فمن خلالها يتم تداول راس المال بطريقة غير منظمة ومن خلالها ايضا يتم بناء اقتصاد المجتمع الاسلامي ؛ وقد خصص لهذا الغرض فيما بعد بيتا يسمى (بيت المال ) وقد كان اقتصاد المجتمع الاسلامي من اضعف اقتصاديات الشعوب والامم الاخرى ؛ فهو لم يتحول في اقتصادياته الى الانتاج ووسائل الانتاج ؛ اسوة بالمجتمعات الاخرى وانما تحول للحروب والغزوات بدوافع ومبررات عديدة ومنها الدين . وقد ادى ضعف الاقتصاد في المجتمع الاسلامي الى تفشي جميع الامراض الاجتماعية ؛ ولم يستطع الاسلام القضاء على الفارق الطبقي في اقراره لنظام الخمس والزكاة فهما ضريبتان شرعيتان وواجبتان التنفيذ الا ان اغلب الناس لا تؤدي ذلك ؛ لعدم ايمانهم بهذه القضية وعدم ثقتهم بان هذه الاموال سوف تذهب للفقراء والمحتاجين وبناء نظاما اجتماعيا جيدا في التكافل وقد بقي الاقتصاد الاسلامي يعاني الكساد ويعتمد على الحروب والغزوات والتي كانت تكلفه الكثير ؛ حتى مرحلة علي ابن ابي طالب الذي اجرى من خلالها جملة من الاصلاحات على نظام المسلمين الاقتصادي ؛ واولها ايقاف الحروب والغزوات والغائها الغاءا كليا ؛ عدم اخذ الجزية من غير المسلمين ؛ ثم قام بنقل الخلافة من المدينة الى الكوفة وحث المسلمين على العمل ومنها الزراعة لوفرة المياه في ارض ما بين النهرين ؛ هذه الاصلاحات هي التي بدأت بإنعاش الاقتصاد الاسلامي . ان اشكالية الاقتصاد الاسلامي هي اشكالية الفكر الديني الاسلامي ؛ والذي يعتمد على الله في كل شيء ؛ مما يضعف قدرات الانسان وثقته بنفسه ؛ لان الفكر يسلم بان الارزاق مقسمة من عند الله سواء شارك الانسان في عملية الانتاج ام لم يشارك .

 

( نظام القضاء في الاسلام )

لقد كان القضاء في الاسلام بيد النبي محمد في حياته ؛ فهو النبي العارف والذي يقضي بين الناس ؛ فقد كانت سلطته دينية وسياسية في ذات الوقت .

بعد وفاة النبي وفي مرحلة الخليفة عمر ابن الخطاب تم فصل نظام القضاء عن السلطة السياسية حسبما تشير بعض المصادر ؛ فاصبح القضاء يستند الى سياق الشرع الديني وليس الى سياق الدولة ونعتقد ان عملية الفصل هذه حتمتها ظروف تاريخية؛ ومنها فقه تلك المرحلة ؛ لان الخليفة ليس كما النبي في فقهه فقد يخطئ وقد يصيب في رؤيته للنص ؛ وقد تأتي احكامه خاطئة مما يحمله ذلك اثما وفق المفهوم الاسلامي فهو لا يريد ان يتحمل اثما في احكامه ؛ فيفضل ان يحيل القضاء الى فقيه عالم في ذلك ؛ فقد كلف الخليفة عمر ابن الخطاب ؛ علي ابن ابي طالب في البت بقضايا الفقه وتحديدا في مسالة القضاء ؛ فكان الخليفة عمر ابن الخطاب يعتمد اعتمادا كليا على علي ابن ابي طالب في بعض احكامه ؛ اضافة الى آرائه

التي كان يعتمدها فشكل ذلك ثنائيا رائعا في تسيير شؤون الدولة لعدالة الخليفة عمر ابن الخطاب من جانب وفقه علي ابن ابي طالب من الجانب الآخر.  فاصبح القضاء منذ ذلك الوقت نظاما مستقلا في ذاته والجميع خاضعا له من الخليفة حتى اضعف الناس من الرعية . 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( التنزيل القرآني  بحق ابي لهب )

لم يصلنا شيء عن حياة ابي لهب ؛ فنحن لانعرف الكثير عنه ؛ وكل ما نعرفه انه عم النبي محمد ومن اشد المعارضين اليه ؛ وقد نزلت بحقه وحق زوجته اية قرآنية تم من خلالها تخليدهم في نار جهنم ؛ اما سيرته فهي مبهمة منذ ولادته حتى مماته ؛ ونعزو ذلك الى سيطرة المسلمين على السلطة ؛ هذه السلطة التي سعت الى تدوين التاريخ فيما بعد حسب مصالحها .

ان قضية ابي لهب يجب الانتباه اليها بدقة واخذها بالتحليل المنطقي وليس التاريخي ؛ لان ابي لهب اكثر عقلانية من سواه في معارضته للفكر الذي طرحه النبي محمد فقد كان الرجل وجوديا لا يؤمن باللاهوت حسبما نعتقد فهو يتعامل مع الحقيقة الالهية من خلال الوجود ؛ وقد يكون هو اكثر ايمانا من النبي محمد بحقيقة الله ؛ ورغم ذلك فان الواقع المجتمعي قد فرض ارادته من خلال التحول المعتقدي والديني للإسلام ؛ وتم بذلك اقصاء ابي لهب اقصاءا كليا وكاملا ؛ وخصوصا بعد نزول الآية القرآنية بحقه ؛ ان حياة ابي لهب مثلما اسلفنا مبهمة ؛ فنحن لانعرف عن سيرته شيء هل هو الاكبر ام الاصغر في اخوته وما هو وضعه في المجتمع المكي من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما اننا لانعرف حياته الشخصية هل كان غنيا ام فقيرا وما موقعه بين اسياد مكة وكيف كانت اخلاقه بالتعامل مع المجتمع المكي وهل متزوج اكثر من زوجة وكم له من الاولاد وما موقفهم فيما بعد من الاسلام ومن النبي محمد ؛ كما لانعرف كيف كان مماته ؛ هل قتل ابي لهب ام مات بشكل تلقائي والكثير من التساؤلات تبقى مبهمة ؛ ولكننا نستطيع ان نستقرئ العلاقة بين ابي لهب وبين النبي محمد . اذ نعتقد ا ن ابي لهب اكبر من النبي محمد بكثير ؛ وقد كان سيدا في قومه اسوة بأخوته الاخرين كما كان يملك مالا ويعد من الاغنياء حسبما تشير الآية القرآنية التي نزلت بحقه ؛ ومن المرجح ان علاقته بالنبي محمد كانت جيدة قبل ان يدعي النبي النبوة ؛ فليس من المعقول ان لم يكن هنالك تواصلا بين العم وابن الاخ ؛ فمن المؤكد ان النبي محمد قد دخل بيت ابي لهب وعاش لفترات في كنفه ؛ واكتسب منه على اقل تقدير بعض المعارف بحكم التجربة التي كان يتمتع بها. ومعنى ذلك ان لابي لهب على النبي محمد بعض الفضل وليس العكس .

اما خلافهما فقد جاء لاحقا بعد ان اعلن النبي محمد نبوءته وكذبه بذلك ابي لهب واصبح من اشد خصومه ومعارضيه وقد كان بإمكانه ان يقتل النبي محمد نظرا لما كان يتمتع به من مال ونفوذ الا انه لم يفعل ذلك  ؟؟؟ بل فضل ايذائه بطرق مختلفة كي يثنيه عن دعوته هذه ؛ وعندما فشلت جميع السبل ؛ وانصرف النبي محمد في دعوته والتي من خلالها تمكن من ان يكسب الكثير من الناس الى الاسلام واصبح لديه اتباع ومؤيدين ؛ فقد قام النبي بتحريض المسلمين ضد ابي لهب من خلال الآية التي انزلها بحقه ؛ فاصبح بذلك ابي لهب في نظر المسلمين ليس الكافر المشرك فحسب بل الخالد في نار جهنم وعليه لعنة الله ورسوله .

ولم يشهد الفكر الديني الاسلامي عبر تاريخه ان نزلت اية بحق احد من معارضي الاسلام بهذا الحجم وهذا المستوى فهناك الكثير من معارضي الاسلام قد مارسوا ابشع الجرائم بحق المسلمين ولم ينزل شيئا بحقهم بل على العكس عندما دخلوا الاسلام اصبحوا اسيادا واحتفظوا بمكاناتهم بل اصبح البعض منهم من الصحابة  في نظر البعض من المسلمين ومنهم ( ابو سفيان ) الذي مارس العنف ضد النبي محمد والمسلمين اكثر مما مارسه ابي لهب فقد قام ابو سفيان بتسخير جميع امواله لقتل المسلمين كما دفع المال هو وزوجه الى ( وحشي ) لقتل ( الحمزة ) عم النبي في معركة احد والجميع يعرف ما مكانة حمزة في الاسلام كما لم ينزل شيئا بحق ( وحشي ) قبل اسلامه والذي قام بقتل الحمزة . كما دخل الاسلام ( خالد ابن الوليد ) الذي مارس ابشع الجرائم ضد المسلمين واصبح فيما بعد من قادة الجيوش الاسلامية ؛ واطلق على سيفه تسمية ( سيف الله ) . فالقضية لا تتعلق بأذية ابي لهب للرسول او للمسلمين لان ابي لهب لم يمارس القتل ضد احد ؛ بل تتعلق برفض الفكرة التي جاء بها النبي محمد ؛ فقد كان ابو لهب رافض لهذه الفكرة وغير مصدق بها ؛ وهذا يعني من الناحية العملية اجهاض الفكرة واسقاطها في نظر الناس ؛ فقد كان النبي يخشى من ان تجهض فكرته هذه وان لا تصدقه الناس ولا يتبعه احد مما يؤدي الى عدم تحقيق فكرته التي سعى بكل جهده الى تحقيقها ؛ فحياة المسلمين لا تهمه بقدر ما تهمه فكرته التي سعى الى تحقيقها وكم هو مؤلم ان يحظى المجرمون والقتلة بالمكانة الاجتماعية كمكافئة على جرائمهم ؛ ويخلدون بعد مماتهم في جنان الله بينما يخلد ابي لهب وزوجه في نار جهنم ؛ اننا نعتقد ان ذلك ليس من العدل الالهي  .؟؟؟ 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( عقلانية علي ابن ابي طالب )

لم يكن علي ابن ابي طالب الا زعيما روحيا عاقلا ؛ كما كان يقدم الاخلاق على كل شيء ؛ فان اردنا ان نفخر عبر تاريخنا في شيء فعلينا ان نفخر بأخلاق علي ابن ابي طالب ؛ ؟؟؟ فهي المنجز الوحيد الذي شكل نقطة اشعاع حضارية في تاريخ الفكر الديني الاسلامي . ؟؟؟ فقد كان علي ابن ابي طالب  الخارج الوحيد عن جميع سياقات الدين الخاطئة ؛ فهو يرى الدين بمنظور اخلاقي وهو الاقرب الى الله في رؤيته هذه من اي شخص اخر .؟؟ فقد سعى علي ابن ابي طالب بعقلانيته الى نقل الدين من التصور الميتافيزيقي الى المنطق العقلي ؛ بفلسفة لم تعرفها الجزيرة العربية قبله على الاطلاق ؛ فقد كان يؤمن بالله وليس الدين ؛ فهو يرى الدين على انه خطابا معرفيا قاصرا ؛ وان الحقيقة الالهية ليست هي الحقيقة الدينية ؛ وان الخطاب الديني مبني على معارف وتصورات وضعية في رؤيتها للذات الالهية ؛ فقد كان يدرك ذلك جيدا ؛ فهو يخاطب الله بطريقة رائعة عندما يقول له ( اللهم اني عبدتك لا خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكني وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك ) فهو لا يعتقد لافي جنة الله ولا في ناره ؛ وانما بعظمته  ؛ فهو يؤمن في تلك العظمة ويطيعها ويتبعها بالأخلاق وليس العبادة ؛ لان العبادة في منظوره هي الاخلاق / والعقل / والمنطق / والمعرفة ؛ وليس المعنى الحرفي للطقس العبادي الذي يقوم به المسلمين فهذه هي طريقة لا تقدم ولا تؤخر وادائها هو توافق مع السياق الديني في العبادة المتبع في ذاك الحين .

ان عبادة علي ابن ابي طالب الى الله ليس بمفهوم العبادة فهو يدرك ان الله لا عبيد له وهو منزه عن ذلك ؛ فعبادته تتم بالنسبة اليه بطريقة التمثل به من ناحية الاخلاق ؛ والمنطق ؛ والعقل ؛ فهما الكفيلان بالطاعة للذات الالهية .

لقد استطاع علي ابن ابي طالب ان يفلسف ما جاء به الدين بطريقة لامثيل لها ومن الصعب تقبلها بالنسبة للعقل العربي فهو يعالج النص الديني بالتأويل حتى وان كان نصا هابطا او ضعيفا ؛ فهو يقوم بنقله لفضاءات اخرى اكثر رقيا وقبولا للمنطق وللعقل ؛ فمن خلال التأويل يقوم بمعارضة النص والخروج عن سياقه واحكامه وبناء نصا تأويليا جديدا على غرار النص ويتصرف بالطريقة التي يقرها المنطق ؛ فقد اسقط علي ابن ابي طالب مفهوم القتال لنصرة الدين او نشره ؛ لان الدين في مفهومه لا يحتاج الى قتال ؛ بل الى خلق ووعي ومعرفة ؛ كما اسقط مفهوم الجزية فالناس احرارا في دنياهم كما هم احرارا في اموالهم ؛ كما اسقط مفهوم العبادة وجعلها شكلية ثانوية وقدم الاخلاق عليها ؛ كما اسقط مفهوم الكفر للديانات الاخرى وتعامل معها تعاملا اخلاقيا ؛ مما اكسبه ذلك احترام المجتمعات حتى يومنا هذا واصبح في نظر الناس فيلسوف الدين والمنطق والاخلاق .

 

 

 

 

 

 

( خلاصة البحث )

لقد اتممنا بحثنا فيما يخص انتاج المتثيولوجية الدينية للفكر البشري عبر فصول هذا الكتاب وقد قسمت البحث الى خمسة ابواب رئيسية واشتملت على فروع ؛ وقد قمنا ببحث المتثيولوجيا الدينية منذ العصور البدائية حتى الديانات السماوية الثلاث وقد اعتمدنا بعض المصادر للتدليل على الاحداث التاريخية فقط اما الاستنتاج فهو استنتاجنا فيما يخص البحث ؛ وقد اظهرنا في هذه الدراسة نمو وتطور المتثيولوجيا الدينية طبقا لتطور الفكر البشري ؛ كما اظهرنا الاختلافات في الاتجاهات الدينية والمتثيولوجية ؛ هذه الاختلافات التي ادت الى الحروب والنزاعات ؛ في بعض المراحل التاريخية ؛ كما ادت الى الاختلافات الاثنية والطائفية في المنظور البشري للاتجاه الديني ؛ وقد حاولنا ان نوضح اشكالية المقدس ؛ وان نعالج هذه الاشكالية بطريقة علمية ؛ لأننا نعتقد ان لا مقدس في هذا الوجود وقد اظهرنا ذلك ؛ كما حاولنا التعريج على العبادات ؛ واظهار التطابق بينها باختلافات جزئية بسيطة وقد سقنا الامثلة على ذلك ؛ لان العبادات تختلف باختلاف المتثيولوجيا الدينية ؛ كما تختلف ايضا في المتثيولوجية الواحدة ؛ كما حاولنا اظهار مفهوم التناص والتطابق في النصوص التي جاءت بها الكتب السماوية مع المتثيولوجيات الدينية القديمة من خلال النصوص الاسطورية التي جاءت عبر الترجمات ؛ كما حاولنا اظهار معارف الانبياء عن الله حسب رؤيتهم الشخصانية ؛ وقد حاولنا كذلك ان نرفع القدسية عن الديانات السماوية الثلاث بدوافع البحث العلمي ؛ وقد اخذنا بالتفصيل الديانة الاسلامية باعتبارها خاتمة المتثيولوجية الدينية ؛ كما هي خاتمة الديانات ؛ وتم تحليلها بالمنظورين العقلي المنطقي والوجداني الايماني ؛ وقد وجدنا من الضرورة التنويه الى ذلك ؛ اذ قمنا في هذا التنويه في مقدمة الكتاب وفي خلاصته ؛ لأننا لا نخشى من التطرف في الديانات الاخرى بقدر ما نخشى من التطرف الاسلامي ؛ فنحن لا نبغي الاساءة للدين او لشخوص الانبياء الكرام ؛ مثلما قد يفهم البعض ؛ بل نسعى للبحث العلمي ؛ اذ نعتقد ان ذلك هو من الواجب الاخلاقي  .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( الفهرست )

المقدمة                                                          5

منج البحث                                                  12

المصادر                                                      13

الباب الاول                                                                 15

الطبيعة                                                      16

الانسان                                                         17

الكائنات الحية الاخرى                                         18

الباب الثاني                                                19

المراحل الاولى لتطور الاتجاهات المتثيولوجية للإنسان

الباب الثالث                                                           25

التعددية في الديانات والتوحيد

الباب الرابع                                              38

ما حقيقة الرسل والانبياء

 

الباب الخامس                                           42

الديانات السماوية الثلاث ومعجزات انبيائها

 

الديانة اليهودية                                         43

الديانة المسيحية                                        52

الديانة الاسلامية                                       57

العزلة والخلوات والتعبد                                  64        

قضية الوحي الالهي                                   67

 

مفهوم الوحي                                            71

سلطة الله وملائكته                                      72

 

القران كلام الله المقدس                                 74

قدسية القران                                           78

الاسلام والاخلاق                                      80

حروب النبي محمد                                    85

النصوص القرآنية                                    90

التناص الاسطوري والنسخ                            90

النسخ                                                   93

التنزيل والتأويل                                      99

السور المكية والسور المدنية                        105

الاعجاز القرآني                                       110

مفهوم الصلاة                                         112

 

مفهوم العصمة                                         114

نظام الحكم في الاسلام                         119

العدالة الاسلامية                                       121

الاقتصاد الاسلامي                                    123

نظام القضاء في الاسلام                                         125

التنزيل بحق ابي لهب                                 128

عقلانية علي ابن ابي طالب                           134          

خلاصة البحث                                       137 

Text Box: تصميم الغلاف    كونستانتين  لوبون