ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 نعتذر عن نشر المواد المنشورة سابقاً على النت، نطمح دائما لتقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.... 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:01

Detroit Michigan U.S

 

 

الرهان
د. نجم السراجي

 

  

 

ليست مصادفة أن أصالح ما بيني وبين ذاكرتي.. ثمة اتفاق.. أن أنسى أبضع الزمن ، أمسك الجزء الظاهر منه ، أحذر نفسي ..

يصدف أحيانا وحين تعصف بي ريح الاشتياق أن أنسى .. تتكاثف الذكريات أمام عيني ، أرى صورة أمي ، أفرح للحظة لأني رأيتها ثم أبكي …
وأنا أودع دمعتها حيث المجهول .. بعيداً عن شمسها !! حذرتني من ريح الشمال الباردة ..
ـ قسوة بردها يا بني ، مختلفة ، لا يطيقها جلدك الأسمر ، لكن ... لم تعد تنفع الكلمات ، لا أملك لك إلا الدعاء ، اذهب !
كل يوم تسقي زهور القرنفل والياسمين .. زَرَعَتها بشكل منتظم في زاوية من حديقة البيت الشرقي... تحاكيها ! تشم رائحتي ـ ترى صورتي ـ فيها ،تضمها إلى شفتيها ـ ولدي :
ـ قلبي يراك ، يسمع أنينك المكتوم في ـ تيه أعماقك ، أسر رغباتك ، وجدانك ، حالة وعيك ، صرخاتك الخرساء التي لم تمارس لعبة التمرد بعد.
ولأنها لا ترغب باجترار كلمات العتاب على نفسها لأنها سمحت لي بالذهاب ، ولا تحتمل كذلك ملامة الأهل والجيران ولأنها تعرف أبناءها ، راهنت على عودتي ...
 

***

 

ـ دعيني أمي..أقف في بلد الجليد ولو متوسلاً أمام عينيها ، علـّي أجد فيهما رضىً ، وبين طيات ثوبها مكاناً ألملم فيه بعض أجزائي ، يستطيل بي السراب من خلاله إلى شمس باردة ترقص فوقها حور الأنس " الفلامنكو " فتستحيل تحت أقدامها ثلجاً ..

دعيني أمي .. أغوص في المجهول ، في زرقة عينيها ، في انوثتها المميزة وبياضها المتورد الأخاذ وسحرها الأسطوري ، ارقص لها على أطراف الأصابع ، أغويها كطاووس يمارس طقوس ورقصة إغواء أنثاه المغرمة بطول ذيله وعدد الدوائر المرصعة بعناية عليه .
دعيني أمي .. أذوب في حمرة خديها علـّها تنحت لي تمثالا بركبة حمراء من الثلج النازل بغزارة منذ ليلة أمس وأنا أقضم آخر قطعة من جلدي الأسمر في حضنها .
دعيني أمي ... هل نسيت ِ ذلك الصباح ، أنا لازلت أذكره ، لن أنساه ، الكل بكى فيه : أنا ، أخي ، أختي ، جارتنا أم حامد وبنتها الوحيدة ـ سهاد ـ / كنت حبيبها ولا زلت هكذا قالت لي عيناها وهي تودعني ! ، عمي أيضا ً بكى ، كنت أظن أن الرجال لا يبكون ! لكني رأيته يبكي ورأيتني انظر في عينيك انتظر اول دمعة تعلن حزنها ، انتظرتها طويلا ً ... لم تأت ِ ! أي قوة تختبئ تحت أضلاعك أمي ؟ أي قوة حبست تلك الدمعة في المآقي ؟ أظنها نفس القوة التي دفعت أبي إلى الشهادة ! وجاءوا به ذلك الصباح إليك / إلينا ، جثة / تابوت /علم /طلقات نارية / أهازيج وطنية / وضابط في الجيش يقدم التعازي أثقلت صدره نياشين الحروب . أصبحت بعدها ـ أنا ـ ابن الشهيد ! أنت ِ زوجة الشهيد التي حبست شلالات الدموع في عينيها وزغردت لفقد حبيبها ، حاميها ! وما أن جن الليل وسكنت النفوس ونامت العيون حتى نزلت بهدوء أول دمعة من عينك ِ علقت أولا في طرف انفك ثم ذاب ملحها في مرارة حزنك بين شفتيك ، تلتها دموع وحسرات وألف آه وآه وأكف من هنا وهناك تمسح على رأس أختي الصغيرة لانها باتت يتيمة !
تسلل إلى بيتنا السواد وهو رمز الحزن ، الليل ، الظلام ، الخوف ، الحيرة بين اليقين والشك الذي تسلل هو الآخر إلى فكري حين وجدت نفسي رب أسرة ولم يشتد ساعدي بعد ، كفرت بالقيم وأشياء كثيرة أخرى ، شككت فيها وفي معاني بعض الكلمات :
دمع ، حزن ، شهيد ، أرملة ، يتيم ، بكاء ، قوة خفية ، الملك ، الأرض ، المساومة ، الرحيل ، الغربة، الإيجار، الجامعة ، الشغل ، و.....و....
سألتك ِ يوما :
ـ أمي ! من بقى لنا بعد الوالد ؟ شهادة وفاة ؟ نياشين على صدر ذلك الضابط ... ألـَه ُ الفخر ولنا اليتم والعوز؟ ومنه ثمن الطلقات النارية ساعة التشييع ومنا الدموع ؟ ألـَه كتب الشكر وعلو المناصب ولنا الفقر وراتب تقاعدي لم تنجز معاملته بعد ، أنينك ، وحشة الدار ، غصة في حلق اخي ، يتم أختي ، دمعتها ، ألم الفراق !؟
قلت ِ :
الله ، شرف الشهادة ، اسمك ، اسمي ...وصية أبيك : ــــــ الوطن هو الأم !

 

***


 

" يُمَّه شمال وباردة    ـــ ــ   ـــ   وشلون قلب الوالدة " *


 

***

 

ـ لم أع ِ كلماتها هذه إلا حين عصفت بي ريح الشمال في ليل بارد موحش ، تجمدت أغصان الأشجار فيه وكل الأشياء المتحركة من حولي إلا الثلج النازل وصمتي ووحدتي وذاكرتي ومرارة الأيام ودمعة توسدت هدبا ً تلمع في عيني ....
تتوالى الليالي وتزداد كل يوم الكتل الثلجية من حولي ، أحاطتني ، حاصرتني فوق سرير نومها الحريري ـ توغل بردها إلى تحت جلدي الأسمر ! سلخه عن جسدي ، أراني عريي وأنا في سكرتي ثم ألبسني معطفا من ثلج أبيض وقبعة من برد أزرق ......
صرختُ ! شيء مبهم هوى على صدري !!
هي ، هي ، أراها...
أمطري يا سماء أمي ! اليك ِ خذيني ، اغسلي كل ذنوبي ، دمعك ِ أتطهر به ، ترابك ِ أتعفر به ... دمعة واحدة

( جمرة ) لا تكفي لتطهيري !!
بكيت' كثيراً ؛ كنت' بحاجة لذلك
اهبطي ملاكاً أمي....
اشتقت إليكِ ، إلى كلماتكِ ، إلى صوتكِ ، إلى دفئكِ ، ارغب في البكاء على كتفيكِ ، أعيديني إليك ِ أمي طفلا ينام على صوتك ، على قصة ـ الشاطر حسن ـ وقصة الطوفان وقصة ـ كهرمانه وهي تغلي الزيت لتصبه على رؤوس الأربعين حرامي ـ ، أعيديني إليك ِ طفلاً رضيعاً ( لا تفطميني ) ارتشف من حنانكِ ، اصرخ ، ابكي ، ثم أنام بين يديكِ على نغمات صوتكِ الدافئ وذلك اللحن الحزين الخالد :

ـ دليلول يا الولد يا ابني دليلول ............ *

 

انتهت

النمسا ‏2007‏‏-‏08‏‏-‏31‏