لحظةَ كنتُ أسيرُ
( أنا ) في دربِ السرد أغدقتُ عليها فيضاً من البهاء بينما أجزَلت ( هي ) عليَّ
وسيعَ بسمتِها التي تذوقتُها عسلاً .. دنوتُ منها فاقتربتْ إلي . وهممتُ بالهمسِ
في مسمعِها أبغي تفريطَ هيامي على خمائلِ انتظارِ البوح فوجدتها ترفع سبابةً
وتكبح سيلَ الإفضاء الذي شارفتُ على سكبِهِِِ ، موصدةً شفتيَّ بـ :
_ اتركْ ذلكَ
لوقتٍ آخر ، ودعني اترجَّلُ في مهمَّةِ القول .. لماذا تريدون الكلامَ دائماً لكم
، يا مهيمنون ؟!
لم أرغب في
صدمِها وأعلانِ أنَّها فتاةٌ على الورق وأنَّ عليها الا تعترض . وما سعيتُ
لايلامِها بالتصريح أنَّها مجرَّد ُمفرداتٍ تشكلت لترسم روحاً تفيض وجسد يتحرك ،
وأني قادر على شطبِها وابعادِها عن فضاءِ القص . لكني قلت :
- سلوى ! .. أنتِ
غيمةٌ تركتُها تتسللّ من سهوبِ روحي . وعندما هبطتُ بكِ على أرضِ الورقةِ شعرتُ
أنّني أخسر ما لا يمكن تعويضَه . نحن نمنحُ شخوصَنا أجزاءً من حياتِنا ونهِبها
اعواماً مهمّةً من ملكيةِ اعمارِنا . فيوم رسمَ سيلانباً " سيليا " من جموحِ
خيالهِ كانت مجردَ طيفٍ ، ويومَ سكبَها على الورقِ صارت حياةً تمورُ بالهياج .
تمردت عليه وراحت تلبّي نداءَ الطبيعة التي أفردت لها ذراعي الحبور . زرع فيها
جموحَ أمٍّ كانت تعشق جِنان الغنى هروباً من يباب الفقر وعنفوانَ أبٍ خرج عن طور
العائلة وأعرافها فتزوجها خادمةً أجيرة تعمل في بيت الأبِ لساعاتٍ ثم تعود إلى
كهفِ الحرمان . وما كانت البنتُ تلك التي اسمُها سيليا آبهةً باصولِ أمِّها
الوضيعة ولا عارفةً بعناد الأبِ نحو اتخاذ قرارٍ يخالف ألاعراف ، فاندفعت بغريزةِ
الانطلاق ، وعاشت عشرينَ عاماً . وفي المحطة الواحدة والعشرين قالت لسيلانباً
ازرق صدري بعدوى السل ودَع السعال يتعالى لأموتَ ميتةً صامتة لا يشيعني فيها غيرَ
حبورِ الغابة وزقزقةِ طيور السنونو كمكانٍ منعزلٍ بكوخٍ في غابةٍ ، تماماً كما
مات أبي " كوستا " في كوخٍ مستأجر ، ومثلما ماتَ جدي " سالميلوس " تلك الميتة
الصامتة المنعزلة في مخزنِ الغلال . "
- سلوى ! شخوصُ
أعمالِنا تعيشُ فينا ، ونعيشُ نحن على سعادةِ تحركّها ... الغرابةُ في الأمرِ
أنَّ السعادةَ التي نجنيها تأتي مستخلصةً من سعاداتِهم وعذاباتِهم على السواء .
سيلانباً كان سعيداً لموتِ سيليا لأنها انهت له الحكايةَ وقدّمته روائياً منقطعِ
الإعجابِ في النجاح . و.....
نهضت نافرةً
يتعالى في صدرِها خفقُ قلبٍ عليل لم تعهده ، وجالت في ذاكرتِها أيامُ فقدِ الاب
مرتحِلاً في مدنٍ بعيدة لا تصلها منه غير تحيات وشوق وعهد عودة قريبة ؛ وعادت
إليها لحظات موتُ الأمِّ بعدما انهكتها اعوامُ الحصارِ وضيّقت عليها أيامُ خيبةِ
الأملِ في شعبٍ نسي أرضَه بعد مَقدمِ النورِ وزوالِ مسببّات الكمدِ وراحَ يحرث في
ثرى الاقتتالِ ويبابِ الضغينة وآهاتٍ ترتفع من صدورٍ احتشدت بحسرةِ خِسرانِ
الآمال . رمقته بعينين تتوهجان غضباً ، قائلة :
- أطلق عليَّ
رصاصَ سردِكَ ، وارتقي إلى الذروة فأنا انتظرُ لحظةَ التنوير وخاتمةً اريدها تقول
" تبّاً لكم ! " .