|
لا
أحد منا يعرف لماذا رسخت في ذهنه جملة دون غيرها كان قد تعلمها مذ كان
طفلاً في المدرسة. قدحت تلك الجملة في رأسي كالومضة عندما أردت من
ابنتي أن تردد بعدي بالعربي الفصيح مقطعاً من قصة قرأناها في الصف
الثاني الابتدائي.
" فقال الخروفُ العنيدُ: رُحْ .. رُحْ .. الخروفُ العنيدُ لا يريدُ أنْ
يعبرَ النهرَ!"
وبينما راحت ابنتي تردد المقطع، أدركتُ في تلك اللحظة صعوبته، وهي تعيد
وتعيد حتى بح صوتها، ثم قالت بنبرة
شاكية
حزينة:
ـ
ماما.. ماما! أنتِ ما منتبهة عليّ.
عندما
وصلت بودابست في نهاية عام 1979 كان جواز سفري قد قارب على النفاد.
فكرت: لابد من تمديده. وفي العام التالي حملته ذاهبة إلى السفارة
العراقية. دخلتها متوجسة من رفضهم للتمديد. جلست في غرفة الملحق
الثقافي الذي لم أعرف اسمه حتى هذه اللحظة. استقبلني الرجل وبيده ورقة
وضعها أمامي قائلاً.
ـ
تفضلي إملئي هذه الاستمارة واكتبي لنا تعهداً بأنك غير منتمية إلى أي
حزب....
قاطعته قبل أن يكمل ما اعتدنا سماعه.
ـ مو
صار ألف مرة كتبته.
ـ ما
يخالف خلي تصير ألف وواحد.
كتبت
(صك الغفران) وسلمته الورقة التي قرأها بتمعن ثم قال:
ـ هاي
شنو ست اعتقال مو إنتي فاهمة ومثقفة شلون تكتبين أنتمي بدون ياء؟
ـ مو
تعرف أستاذ لم أداة جزم تحذف حرف العلة وبما أن أنتمي معتل فانحذفت
الياء. (قلتها مركزة على كلمة معتل) وما كان يدور في رأسي وقتذاك هو
أنهم سبب علتنا.
شكرتهم على التمديد وخرجت كاتمة في صدري فرحة أعجز عن وصفها الآن.
كانت
بناية السفارة تقع في مكان جميل، على جبل يتوسط بودابست، مطلاً على نهر
الدانوب. شعرت بلسعة برد فرحت أركض وكأنني أملك أجنحة كادت تخفق لتطير
بي في الأعالي.
انتهت
علاقتي بالسفارة وملحقها الثقافي آنذاك، حتى التقيت بسيدة مجرية بحثت
عني كثيراً مصرة على دعوتي إلى بيتها لتخبرني بأنها عاشت في العراق مع
زوجها وابنتيها لمدة ثلاثة وعشرين عاماً أثمرت تجربتها كتابا عن العراق
باللغة المجرية. كانت السيدة تتكلم اللهجة العراقية بشكل جميل مما جعل
الملحق الثقافي يطلب منها تدريسه اللغة المجرية كي يستطيع التفاهم مع
الناس في الحياة اليومية.
أما
الدروس فكانت عبارة عن مرافقته إلى الأسواق الشعبية وغيرها. وذات يوم
ذهبا إلى سوق شعبي مشهور يؤمه الزوار من جميع أنحاء العالم للتفرج على
بنايته الجميلة ولشراء ما هو مجري مميز، لكن عيني صاحبنا وقعتا على
امرأة شقراء مكتنزة بعض الشيء ليشتري منها كل ما تبقى لديها من الدجاج
وطالباً منها عنوانها إن لم يجدها في السوق لكي تساعده في شراء خروف.
انتهى
الدرس بشراء الدجاج. أما الدرس التالي فقد ُخصص للعودة إلى السوق
والبحث عن بائعة الدجاج. ولسوء حظه كان التوقيت سيئاَ وهو في الثامن
عشر من نوفمبر ـ تشرين ثاني والذي صادف فيه عيد الاسم للسيدة التي تدعى
أرجيبت ( إليزابيث ). لذا لم يهدأ له بال وظل مصراً على الذهاب للبحث
عن الشقراء أرجيبت حتى لو كانت في جهنم. وقبل أن ينطلقا اقترحت عليه
المعلمة المجرية أن يشتري باقة ورد بمناسبة عيد الاسم قائلة لبائعة
الورد:
ـ
أرجو أن تعملي أغلى باقة ورد لهذا الحمار!
لم
يكن من السهل العثور على مكان سكن أرجيبت الواقع في منطقة جبلية راقية.
لم يصدقا عينيهما عندما وقفت السيارة عند العنوان الذي احتفظ به. لم
يجرؤ في البداية على النزول من السيارة. ضربت المعلمة الجرس فتقدمت
منهم سيدة عجوز استفسرت منها المعلمة عن أرجيبت والتي عرفا منها( أنها
الست أرجيبت المدرّسة) ذهبت إلى الصالون لتسريح شعرها كي تحتفل مع
زوجها العقيد في وزارة الداخلية وأولادها بعيد اسمها.
صعق
التلميذ النجيب، ولم يصدق ما قيل عن فاتنته التي تلطخت يداها قبل أسبوع
بدم الدجاج، وحتى مظهرها الخارجي لم يدلل على تعلمها أو غناها. مضى
يسوق سيارته خوفاً من العقيد، خائباَ، بائساَ لا يملك حيلة سوى أن يأمر
المعلمة أن ترافقه إلى قرية لشراء الخروف الذي لا يقوى أو يجرؤ على
العودة إلى البيت بدونه. سلمت المعلمة أمرها لله وانطلقا نحو القرية
المنشودة. وهناك بدأ المزاد بينه وبين البائع حتى استقرا على الثمن.
" لكن
الخروفَ العنيدَ لا يريدُ أن يركبَ السيارة َ"
لقد
اضطر التلميذ النجيب إلى فتح الباب الخلفية ليجبر الخروف على وضعه في
مكان الحقائب، إلا أن المعلمة تراجعت خطوة إلى الوراء عندما وقعت
عيناها على ما رأته مستفسرة من تلميذها بلهجتها العراقية الجميلة:
ـ هاي
شنوووو؟؟؟
ـ شنو شنو؟.. صندوق ويسكي. ( قالها متلعثماً )
لكنها لم تكف عن الأسئلة.
ـ وهاي الخيمة شنو؟
اضطرب وانفعل ثم رد بعصبية:
ـ غير عبالي راح أطلّع أرجيبت.
مضى نهار بأكمله دون أن يتعلم كلمة من درس اللغة المجرية، لكن فعلته
تلك هل علمته (ربما) درساً في الأخلاق؟.
أوصل معلمته إلى دارها، دافعاً لها حسابها الذي كان يوازي سعر الخروف.
لقد حان موعد الدرس القادم، لكن التلميذ كان قد نسج خطة جديدة وهي
التخلص من المعلمة الكبيرة السن وإبدالها بابنتها الشابة التي تجيد
قراءة وكتابة العربية مستغلا حاجتهم المادية. لم ترفض الأم بعد أن
اتفقت مع ابنتها التي وافقت بشرط أن تعلمه في بيتهم.
لم تتطور لغته بقدر ما تطورت أساليب إغوائه ومعاكسته وتحرشه بالفتاة
التي خرجت من غرفة التعليم لتلقي بتلميذها خارج الشقة صارخة:
ـ إطلع برة! بطّلت بعد ما أنطي دروس.
هكذا انتهت حكاية الملحق اللاثقافي كما أسمته معلمته مع اللغة المجرية
ومعلمتها.
عاودت زيارتي للعائلة لبضع مرات، ثم انقطعت علاقتي بها تماماً ومضى كل
منا في سبيله حتى التقيت صدفة بعد أعوام طويلة بالمعلمة المجرية في سوق
البراغيث الذي يشبه سوق الهرج عندنا. كنت استمتع بزيارته بعد أن تنام
ابنتي بعد الغداء، هناك يسمع المرء لغات عديدة ويمكن الحصول على كل
شيء. سمعتها تحاسب البائعة البولندية محاولة تخفيض سعر كمية كبيرة من
صبغ الأظافر وأحمر الشفاه وفرش الشعر، إضافة إلى تماثيل خشبية شعبية
صغيرة. سررت للقائها غير المتوقع، ودعوتها إلى شقتنا التي تبعد مسافة
ثلاثمائة خطوة عن السوق.
لقد كانت تعيش وحيدة بعد زواج ابنتيها وغياب زوجها، لم يكن مرتبها
التقاعدي كافياً لعيشها، لذا بدأت بشراء تلك الأشياء بثمن بخس لتبيعها
إلى صاحبة محل بسعر مضاعف، وبهذه الطريقة تستطيع دفع تكاليف دواء
القلب. مضت فترة لا بأس بها وهي تكرر زيارتها للسوق ولنا حتى إلغاء
السوق من الساحة وانتقاله إلى مكان بعيد عنا، مما أدى إلى قطع العلاقة
من جديد.
رن صوت الهاتف، وكان صوتها غريباً حتى أنني لم أتعرف عليه في اللحظات
الأولى. طلبت مني راجية زيارتها، واتفقنا على موعد الزيارة. ذهبت
بمفردي قبيل الظهيرة. فتحتْ باب شقتها الصغيرة جدا ( والتي سأمتنع عن
وصفها احتراماً لذكراها) لكم أسعدتها زيارتي، لم أتطلع حوالي وأردتها
أن تعلم أنها كانت مركز اهتمامي وليس المكان. منذ شهور وهي طريحة
الفراش حتى أنها سئمت من حياتها قائلة بالمجرية:
ـ المسألة غاية في البساطة، لن أشتري الدواء وسينتهي كل شيء.
لم تستطع بيع جميع الأشياء الصغيرة، وبقيت ملفوفة بأوراقها المتعددة
الجنسيات، فتحتْ إحداها ساحبة من بينها تماثيل خشبية صغيرة، وضعتْها في
يدي كهدية لابنتي وكان أحدها تمثال لعروس وعريسها، والآخر لراعي
الأغنام مع كلبه وتماثيل أخرى. ثم رفعت صندوقاً خشبياٌ صغيراً، وبيد
مرتجفة وأصابع مرتبكة فتحته لتخرج منه ظرفاً عتيقاً استلت منه بحذر
رسالة كانت تفخر بها:
ـ انظري من كاتب الرسالة؟
اندهشتُ غير مصدقة ما رأيتُ. كانت بخط وتوقيع رئيس الوزراء الزعيم
(الأوحد) عبد الكريم قاسم الذي وافق على زيارتها له وتكريمها.
مرت أسابيع لم أسمع أخبارها.
عاد زوجي من مكتبه، لم يبتسم كعادته، ناولني الجريدة (Népszabadság)
مرددا بنبرة حزينة:
ـ مع الأسف، ماتت المعلمة آجنَشْ القريشي.
عادت المعلمة آجنَش القريشي إلى وطنها بعد ثلاثة وعشرين عاما ولم تستطع
شراء قبر، لقد ذُرَ رفاتها على أرض المقبرة، ولكن أين حلّقت روحها فوق
بلادها أم فوق العراق الذي أحبته من كل قلبها؟؟
رحلت خالة آجنش كما نادتها ابنتي وبقيت التماثيل الخشبية الصغيرة تزين
رفوف غرفة ابنتي التي شبت وستدخل هذا العام كلية الآداب قسم اللغات
الشرقية. لتدرس العربية الفصحى.
طلبتْ مني معرفة ما كتبت.
لم أحكِ لها عما كتبتُه الآن... ستقرأه هي بنفسها.
ولأغيّر الموضوع سألتها مازحة: كيف سترد على الأستاذ إذا سألها إن
كانت تعرف التكلم بالعربي الفصيح ؟ فصاحت مبتهجة:
ـ طبعاً ـ طبعاً أعرف... رح .. رح .. الخروف العنيد لا يريد أن يعبر
النهر...
15 آب 2007
|