|
تزدهي حقول
الأدب المسرحي بالكثير مما أبدعه الفكر الإنساني من ثمار أضافت لمسيرة
ذلك الفن مزيدا ً من التنويع على مستوى الشكل والمضمون ، في محاولات
مستمرة وجادة تتماهى مع روح العصر للوقوف عند أعتاب جديدة في محاكاة
الواقع الإنساني وفق نظرة فلسفية تنتمي لإتجاه فكري ما ، ولم يكن من
قبيل الصدفة ما أفرزته مسيرة الأدب المسرحي من إتجاهات ومدارس ومذاهب
حملت كل منها معايير وسمات شكلت الأرضية التي بموجبها تتم عملية البحث
عن المعنى الكامن للكيان الإبداعي ، وتبقى حاجة المجتمع الإنساني لأي
إطار معرفي يصنف المنجز الإبداعي ، هارولد بنتر أحد أهم رواد مسرح
العبث و اللامعقول المنحدر من بيئة إنجليزية لم يكن يشكل له المسرح
هاجسا ً أساسيا ً في بواكير حياته على الرغم من تردده على قاعات
المسارح لمشاهدة عرض ما ، بل أن ذهابه الأول إلى المسرح كان بقصد
مشاهدة الممثل الإنجليزي ( دونالد رولفت ) وهو يؤدي دورا ً في إحدى
مسرحيات شكسبير ، ولإعجابه الشديد بالممثل المذكور ظل يتردد بنتر على
ذات العرض لمشاهدة ممثله المفضل حتى وصل الحال به إلى مشاركته بتأدية
أحد الأدوار وبالفعل قام هرولد بنتر بتمثيل أحد الأدوار الثانوية من
ذلك العرض الشكسبيري ، وبعد بلوغه سن العشرين بدأ هارولد بنتر بتبني
المسرح بوصفه هما ً إبداعيا ً ، ففي تلك الفترة طلب معونة مالية بهدف
دراسة الفنون المسرحية في الأكاديمية وقد درس لمدة فصلين دراسيين بعدها
ترك الدراسة ، الأمر الذي فرض عليه الالتحاق بالخدمة العسكرية لاسيما
في تلك الفترة إذ كان العالم يشهد أحداث الحرب العالمية الثانية بيد
أنه رفض الالتحاق بالخدمة مما عرضه للمحاكمة كمعارض للخدمة العسكرية ،
وكانت معارضته لأسباب إنسانية محضة للتعبير عن رفضه المطلق لفكرة
الحروب ، وبعد تلك الفترة عمل بنتر مع فرقة مسرحية متنقلة إسمها (ماك
ماستر) وجال معها آيرلندا على مدى عدة شهور حيث كان يعمل بإسم مستعار
هو (ديفيد مارون) وظل يحمل ذلك الإسم لمدة تسع سنوات كما عمل ممثلا ً
مع فرقة السير ( دونالد رولفت ) وإلى جانب إهتماماته المسرحية نظم بنتر
الشعر وكتب النثر ، كما أنه خاض غمار الفن الروائي عندما كتب رواية
تحمل سمات السيرة الذاتية لكنه سرعان ما أقر بعدم رضاه عنها كرواية ،
لقد تميز هارولد بنتر عن سواه من كتاب العبث أنه كان يحب التمثيل كثيرا
ً بالرغم من كونه يؤلف المسرحيات فقد قدم دورا ً في مسرحية ( حفل عيد
ميلاد ) التي كانت من تأليفه وفي فترة لاحقة كلف بكتابة مسرحية لقسم
الدراما بجامعة بريستول وكتب باكورة أعماله ( الغرفة ) وتعد هذه
المسرحية بدايته على طريق النجاح وقد أتبعها بمسرحيته ( الحارس الليلي
) التي حققت نجاحا ً باهرا ً ، كما أنه كتب للإذاعة والتلفزيون
البريطاني مسرحياته ( الخادم ) ، ( أكل القرع العسلي ) ، (
الحادث ) ، ( الوسيط ) ،
( المجموعة ).
إن نظرة عميقة لنصوص
هارولد بنتر كفيلة بأن تظهر لنا مدى ثورة هذا الأديب على النهج الواقعي أو الطبيعي
للمسرح الحديث خاصة وأن الواقعية أصبحت في تلك الفترة على نطاق أوربا السمة أو
الموجة التي ركبها أغلب كتاب الدراما المسرحية في القارة المذكورة ، حتى وصل الحال
أن بعض الكتاب جنحوا إلى الواقعية بعد أن كتبوا في التعبيرية كما هو الحال مع
الكاتب السويدي ( أوغست ستريندبرغ ) ومع كل تجارب الواقعية وإنتشارها فإن ذلك لم
يمنع من ظهور تيار العبثيين من الكتاب الذين جاءوا نتيجة الإنطباع الذي تولد لديهم
في أعقاب الحرب العالمية الثانية وما خلفته من دمار على المجتمعات و البنى المختلفة
لها ، لذلك فقد ضرب بعرض الحائط كتاب العبث بمن فيهم هارولد بنتر كل المفاهيم
والمعايير التي كانت تقاس عليها الدراما فقد حاولوا إيجاد أطر جديدة لنظرية أرسطو
للدراما ولاسيما فيما يتعلق في الصراع و تمظهرات المكان والزمان وذلك ما تجلى في
أعمالهم فالمتتبع لبناء وصيرورة النص العبثي يلاحظ جليا ً الآلية الجديدة التي تظهر
عليها عناصر كالعقدة والصراع فلم تظهر العقدة بقالبها التقليدي بل استبدلت بالحوار
المبتور التلغرافي الذي تغلب عليه اللهجة العامية أو السوقية أحيانا ً كما أن بناء
الشخصيات وفق المنطق الأرسطي يختلف تماما ً عما هو في النص العبثي ، وكذلك عنصر
المكان الذي جعله العبثيون محدودا ً للغاية كما في مسرحية ( الغرفة ) أما عامل
الزمن فقد تحول وفق المنظور العبثي إلى عنصر غير ذي أهمية ، ومع كل تلك المدارس
المسرحية التي ازدهرت في القرن العشرين يبقى مسرح العبث مهما ً للغاية لاسيما عند
الأوربيين الذين ابتكروه لأنه يعكس واقعهم المؤلم المتمثل في طبيعة المجتمع الذي
يعيشون والعلاقات الإنسانية الهشة التي تغلفه ، ومازال العديد من النقاد يعتقدون أن
مسرح اللامعقول أو العبث لم يتجه نحو وجهة واضحة المعالم فهو وعاء عائم يتيح المجال
للإجتهاد ، وتلك سمته الأساسية التي إذا ما تغيرت فإنه سينتهي كفكرة ومضمون ومغزى
وبالإضافة إلى هارولد بنتر الذي دخل المسرح عبر نصوص شكسبير كممثل واجترح مع رعيل
من الكتاب الأوربيين هذا الاتجاه المسرحي فإن هناك نخبة من أهم الكتاب الذين كتبوا
روائع مسرحية أمثال صموئيل بيكيت ، ويونسكو ، وسارتر و غيرهم.
وتوج هارولد بنتر مسيرة
عطائه بحصوله على جائزة نوبل في العام 2005 ، بيد أنه بعد ذلك آثر الابتعاد
عن كتابة النص المسرحي وظل يكتب المقالة السياسية بعد أن أصبح شاهدا ً على ما يمر
به المجتمع الإنساني من الحروب المتكررة والاجتياحات ، ولم يتوان بنتر عن رفضه
للحرب ضد العراق وعلى ما يجري في فلسطين وغيرها من أماكن التوتر في العالم .
|