ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 نعتذر عن نشر المواد المنشورة سابقاً على النت، نطمح دائما لتقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.... 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:01

Detroit Michigan U.S

 

 

الكرايسارات السبعة*

للكاتب المجري: جيكموند موريس

ترجمة: اعتقال الطائي

 

 

 حسنا فعلت الآلهة حينما نظمت مصير البشر، بحيث جعلت بإمكان الإنسان الفقير أيضا أن يضحك من القلب.

 لا يُسمع البكاء ـ النحيب من كوخه فحسب، بل الضحك المنبعث من القلب كان كافيا أيضا. وتلك حقيقة أيضا، وهي أن يضحك الإنسان الفقير لمرات عديدة، في الوقت الذي كان يجب عليه أن يبكي.

    أعرف هذا العالم جيدا. لقد عاش جيل عائلة شوش والتي ينحدر منها أبي أسوأ حالات الفقر المدقع. في ذلك الزمن عمل أبي بالمياومة في معمل صنع المكائن. لم يجد في ذلك لا هو ولا غيره ما يدعو إلى الفخر، بالرغم من أنه كان حقيقة.

   وتلك حقيقة أيضا، وهي أنني لن أضحك من القلب في سنيّ حياتي المقبلة، كما ضحكت في بعض أعوام طفولتي.

   كيف لي أن أضحك، وهي غائبة عني، ذات الوجه المتورد، أمي المرحة، التي استطاعت أن تضحك بحلاوة طفولية،  وكيف كانت الدموع في النهاية تنهمر من عينيها وهي تكركر، وأمسكَ بها السعال حتى كاد يخنقها..

   وهي أيضا لم تضحك قط كما حدث في عصر ذلك اليوم الذي أمضيناه في البحث عن الكرايسارات السبعة. بحثنا، ووجدنا. ثلاثة في درج ماكنة الخياطة، واحدا في خزانة الملابس.. أما الأخرى فعثرنا عليها بصعوبة.

   لقد عثرت أمي بنفسها على الثلاثة الأولى. واعتقدت بأنها ستجد الأخرى في درج ماكنة الخياطة، لأنها اعتادت أن تخيط بالأجرة، وما دفعوه لها وضعته هناك دائما. كان درج ماكنة الخياطة بالنسبة لي كمنجم الذهب الذي لا ينفد، فبمجرد أن أدس يدي فيه تظهر مائدتي السحرية المفروشة.

  حدقتُ فيه طويلا، عندما كانت أمي تبحث فيه، فرأيت إبرة، كشتبانا، مقصا، قطع شرائط، حبلا، وزرّا. نبشتْ كل شيء ثم حملقتْ باستغراب لتقول:

ـ لقد اختبأت.

ـ ما هي؟

ردت أمي مكركرة:

ـ الفليسات.

وسحبتْ الدرج قائلة:

ـ تعال يا ولدي الصغير! لنبحث عن الشريرات. الكرايسارات المحتالة.

   جلستْ على الأرض القرفصاء، ووضعتْ الدرج بشكل كما لو أنها خشيتْ من أن تطير منه الكرايسارات، وقلبتْه بحركة واحدة كمن يقلب قبعة لاصطياد فراشة.

   لا يمكن للمرء أن يظل صامتا إزاء ذلك دون أن يضحك.

ـ إنه هنا، موجود في داخله ـ ضحكتْ ولم تسرع برفعه ـ وحتى لو وُجِد واحد، فلابد من أن يكون هنا.

   قرفصتُ أنا الآخر وبدأتُ أتلصص، ألا يظهر في مكان ما كرايسار لماع؟ لم يتحرك هناك أي شيء. في الحقيقة لم نكن على يقين تماما بأن شيئا ما موجود بداخله.

   تبادلنا نظرة عجلى، وضحكنا على النكتة الطفولية.

  لامستُ الدرج المقلوب على قفاه.

ـ بسْت ـ أفزعتني أمي ـ بهدوء كيلا يهرب، أنت لا تعرف بعد أي حيوان سريع هذا الكرايسار. يركض بسرعة عجيبة. يتدحرج فقط، ولكن كيف..

   كنا نميل يمينا ـ شمالا. لقد جربناه من قبل كثيرا، وعرفنا كيف يتدحرج الكرايسار بخفة.

   عندما استعدنا قوانا، رحتُ ماداً يدي ثانية لأقلب الدُرج.

ـ ياي ! ـ صاحت أمي علي من جديد، ارتعبتُ وسحبتُ يدي كما لو أن أصابعي لامست الموقد.

ـ حذارِ أيها المبذر الصغير. كيف يسرع ليمهد له الطريق!. لحد الآن هو ملكنا مادام هنا تحت الدرج، دعه يمكث هناك لوقت قصير. أنت تعلم أنني أريد أن أغسل الملابس. لذا يجب علي توفير الصابون، وأحتاج لشرائه على الأقل إلى سبعة كرايسارات، ولن أحصل عليه بسعر أقل، عندي الآن ثلاثة، وبحاجة إلى أربعة أخرى، هناك واحد يسكن في بيته الصغير، لكنه لا يحب أن يزعجه أحد، لأنه إذا غضب، سيذهب ولن نراه ثانية أبدا. إحذر إذاً ! الفلوس حساسة جدا، يجب على المرء أن يتعامل معها برقة واحترام. لأنها تستاء بسهولة مثل السيدات النبيلات.. وأنتَ ألا تعرف شعرا مداهناً، ربما يمكننا أن نغوي به الحلزون ونخرجه من بيته؟.

    ضحكنا من القلب خلال ثرثرتنا حتى استلقينا على ظهورنا. بالطبع أعرف شعراً. لكن إغواء الحلزون كان غريبا جداً.

عمي يَ الكرايسار اطلع برة               

احترق بيتك  قم إطلع برة  *               

 

    ومع ترديد الأغنية قلبتُ بيته.

    كان تحت الدرج مائة نوع من المهملات، أما النقود، فلا أثر لها.

   عبثا نقّبتْ أمي عنها بمرارة وشفتين مزمومتين، ثم قالت:

ـ يا للخسارة! لو كانت لدينا مائدة، لرمينا عليها كل ما في الدرج، و لأصبحت لمحتوياته هيبة، ولوجدنا تحتها النقود .

   أما أنا، فرحت أجمع ذلك ـ اللملوم ـ وأضعه في الدرج. خلال ذلك فكرت أمي. لكم عصرت دماغها، كي تعرف إن كانت قد وضعت في وقت وفي مكان ما بعض النقود، لكنها لم تتذكر.

   لكن شيئا ما أقلقني وصار يقرص خاصرتي.

ـ أمي العزيزة، أعرف مكانا يوجد فيه كرايسار.

ـ أين يا ابني؟ لنبحث عنه قبل أن يذوب كالثلج.

ـ كان في درج الخزانة الزجاجية.

ـ أوه، يا للطفل التعيس، حسنا فعلت، ولم تقل من قبل، لأنه لن يوجد الآن أيضا.

   وقفنا وذهبنا نحو الخزانة الزجاجية التي فقدت زجاجها منذ زمن بعيد، والكرايسار كان في درجها كما عرفتُ. منذ ثلاثة أيام وأنا أستعد لسرقته من هناك، لكني لم أجرؤ على ذلك قَط. بينما كان بإمكاني شراء الحلوى به، لو تجرأتُ على سرقته.

ـ حسنا، يوجد الآن أربعة كرايسارات. لا تحزن يا صغيري أبدا، لدينا النصف الأكبر، تنقصنا ثلاثة فقط. بعد ذلك، سنبحث عن الرابع خلال ساعة من الزمن، و سنجد بعدئذ الثلاثة الأخرى حتى العصر. عند ذلك  سيكون باستطاعتي غسل وجبة من الملابس حتى المساء. تعال بسرعة، ربما سنجد واحدا ـ واحدا في الأدراج الأخرى.

   لكنها لو وجُدتْ في كل درج، لأصبحت كثيرة جدا. لأن هذا الدولاب العجوز قدّم خدماتٍ كبيرة في شبابه لأناس كان بإمكانهم أن يخبئوا فيه أشياء كثيرة. أما نحن فليس عندنا ما نحمّل به هذا اليتيم عبئا ثقيلا، لذا ليس اعتباطا أن يكون واهنا، لقد أكله السوس وتساقطت أسنانه.

راحت أمي تروي سيرة حياة كل درج على حدة.

   ـ كان هذا الدرج غنيا. وهذا لم يملك شيئا أبداً. وهذا عاش دائما بالدين. وأنت أيها السيئ المستجدي العليل لا تملك كرايساراً. أوه ! وهذا لن يملك أي شيء، إنه يحافظ على فقرنا. وأنت عساك ألا ّتملك شيئا، ولو طلبتُ منكَ الآن، فلن تعطي. وهذا يملك أكثرهم، أنظر ! ـ صاحت مكركرة عندما سحبت الدرج الأخير، لم تكن له ذرة قاعدة.

   علقته في رقبتي، ثم بركنا على الأرض من شدة ضحكنا.

ـ توقّفْ ! ـ صاحت فجأة ـ سيكون لدينا نقود في الحال. سأفتش في جيوب ملابس أبيك.

   تدلّت الملابس من على مسامير دُقت في الجدار. وعندما دست أمي يدها في أول جيب، وإذا بأعجوبة تحل علينا، لأن كرايسارا قد وقع بيدها في الحال، ولم تستطع أن تصدق عينيها صائحة:

ـ ها هو، إنه هنا! وكم أصبح عددها؟ ليس بمقدورنا عدّها. واحد ـ اثنان ـ ثلاثة ـ أربعة ـ خمسة.. خمسة! ينقصنا اثنان فقط. ما هذا، كرايساران، لا شيء. حيث وُجدتْ الخمسة، سيوجد الاثنان.

   وبحثتْ بحماس كبير في كل الجيوب، ولكن للأسف دون جدوى. لم تعثر حتى على واحد. أكبر نكتة لم تقوَ على إخراج الكرايسارين.

   لقد اتقدت زهرتان حمراوتان على وجنتي أمي من الجهد والإثارة. لم يُسمح لها بالعمل خارجاً لأنها مرضت بسببه. بالطبع كان عملها هذا استثنائيا، لأنه ليس بالإمكان أن يُمنع أحد من طلب الرزق.

   لقد جاء العصر ومضى أيضا. بعد قليل سيخيم المساء. وأبي بحاجة إلى قميص نظيف للغد، وليس بالإمكان الغسيل، فماء بئر البرية البارد لن يزيل بقع الدهن.

   عندئذ ضربت أمي على جبهتها قائلة:

ـ أوه، أوه أنا، يالي من حمارة ! لم أنظر في جيبي. ولكن حقا مادمت قد تذكرت، فلأنظر إذاً.

   ونظرتْ. تفضل، لقد عثرتْ على واحد آخر. إنه السادس.

   لقد أصبنا بحمى. لم يبق إلا واحدا.

ـ أرني جيبك.. ربما نجد فيه أيضا.

   جيوبي أنا! حقاً، لمَ لا..كان بإمكاني أن أريها إياها. لا يوجد بها أي شيء.

   حل الغسق، ونحن مازلنا هناك مع الكرايسارات الستة التي ينقصها واحد، كما لو أنها لم تكن. اليهودي لا يعطي دينا، والجيران فقراء مثلنا تماماً، ولا ينبغي علينا أن نستدين كرايسارا واحدا !

   لم نستطع فعل شيء، سوى أن نضحك من القلب النقي على بؤسنا.

   في ذلك الحين جاء متسوّل. كان صوته يصدح بتوسلات يُرثى لها.

   ضحكت أمي عليه إلى درجة كادت تصاب فيها بدوار مخاطبة إياه:

ـ اسكت أيها الرجل الطيب، أمضيتُ النهار بأكمله في البيت، لأنني لا أستطيع شراء نصف كيلو صابون، ولأن ثمنه ينقص كرايسار.

   راح المستجدي العجوز ذو الوجه الوديع يحملق في وجهها.

ـ كرايسار واحد ؟ ـ سألها.

ـ نعم.

ـ أعطيكِ أنا.

ـ هه، لم يبق لنا سوى أن نقبل صدقة من المتسوّل.

ـ دعينا من ذلك يا ابنتي، لا ينقصني كرايسار. أنا بحاجة إلى حفنة تراب. وبها سيكون كل شيء على ما يرام.

  وضع الكرايسار في يدي بامتنان كبير وراح يجرجر أقدامه بخطوات متثاقلة. بعد ذلك ردت أمي:

ـ الحمد لله ! أركض..

   عندها صمتتْ للحظة..ثم ضحكتْ .. كركرتْ بكل ما تملك من قوة، ثم قالت:

ـ تجمعت النقود في الوقت المناسب، بكل تأكيد لا أستطيع الغسيل، لقد خيم الظلام وليس في القنديل زيت الوقود.

   داهمها اختناق من شدة الضحك. اختناق مرير ذابح، وقفتُ بقربها وتحت جسدها كي أسندها، انحنت ومن وجهها المتكئ بين راحتيَّ انسكب شيء ساخن على يدي.

   كان دما، أجل دمها الغالي، دم أمي التي استطاعت أن تضحك من القلب، كما استطاع القليل من الناس الفقراء أن يضحكوا مثلها.

                                                               1908

 

* الكرايسار: عملة نقدية مجرية صغيرة استخدمت في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

* إغواء الحلزون يقابلها عندنا بالعامية العراقية:

  زلنطح.. زلنطح

  طلع گرونك وانطح                                

 

نبذة عن حياة الكاتب الهنغاري جيگموند موريس 1879 ـ 1942

 

ولد جيگموند موريس في قرية عُرفتْ بتقاليدها الخاصة، تقع على نهر تيسا وهي "تيسا تشيشن" في العام 1879 لعائلة فقيرة. في عام 1899 بدأ بدراسة التعاليم الدينية. ثم درس القانون والأدب. لم يكمل دراسته.

في 1903 أصبح صحفيا. وفي هذه الفترة تعرف على الفنون الحديثة. وبين عامي 1903 ـ 1908 جمع الشعر الشعبي. أما ككاتب فاشتهر وعُرف من خلال قصته القصيرة " الكرايسارات السبعة" في1908 وقصة " تراجيديا" في عام 1909. وقد نُشرتا في المجلة الأدبية الشهيرة آنذاك حيث عمل وهي " الغرب Nyugat".

بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى أصبح مراسلا في الجبهة. لذلك كتب أهم قصصه القصيرة ضد الحرب في 1916 منها قصة " الناس الفقراء". وفي عام 1917 كتب روايته "المشعل" التي تدور أحداثها عن تخبط المثقفين. وفي عام 1920 كتب روايته "كن جيدا حتى الموت" التي صور فيها طفولته، مستشهدا بإخلاصه للفكر الذي حمله.

كتب بين 1920 ـ 1930 العديد من الروايات أهمها " ثلاثية أردَيْ " لم يصمت وتركزت كتاباته بين 1930 ـ 1932 حيث انتشار الغزو الفاشي في تصوير معاناة الشعب ورسم المعالم المتميزة لذلك العالم آنذاك.

يُعتبر الكاتب جيگموند موريس أحد رواد الواقعية النقدية في الأدب، ولُقّب أيضا بكاتب الفلاحين من خلال تصويره لعالمهم الذي عاشه بصدق فكتب قصة "البراربرة" في عام 1932 و"الإنسان السعيد " في 1935.

وفي عام 1939 كتب ويمكن القول سيرة حياته من خلال روايته" قصة حياتي" . كان يعتقد بثورة الشعب، ومن هذا المنطلق كتب روايته " قاطع الطريق" ورواية " شاندور روجا" التي تتحدث أيضا عن شخصية قاطع الطريق شاندور روجا الذي ناضل من أجل الاستقلال الوطني. وفي نهاية مطاف حياته كتب رواية "اليتيمة". حُولتْ هاتان الروايتان إلى أفلام سينمائية.  أما روايته " الأقارب" فحولت إلى فلم سينمائي في 2006 أخرجه أهم مخرج هنغاري كان قد حاز على جائزة الأوسكار وهو إشتفان سابو.