|
قال لي وابتسامة على محياه ترسم
الودّ: أرجوك اجلس! فجلست على مصطبة حديدية، مغطاة بجلد اسود، تقابلها واحدة أخرى
من الجانب الآخر. صفوف أحذية مرتبة على الجانبين. قال: هذا الجانب
(
وأشار إلى اليسار) للرجال، وذاك
للنساء. أحذية بأشكال وأحجام مختلفة وبألوان متعددة.أرحت جسدي المتعب. عمل ليل،
ثمان ساعات أمام ماكنة، صرت جزءا منها. كانت نهاية العمل، الساعة السادسة صباحا،
وكانت السيارة على الموعد، تأتي مرتين في الشهر وتبقى ثلاث ساعات لكل وجبة عمل.
فأمريكا هذه عبارة عن ورشة عمل كبيرة تعمل على مدار الساعة. قال عامل أحذية
السيارة: كم القياس؟ / ازدحم برأسي عالم من الأحذية، كما بدأت الأحذية التي أمامي
وخلفي تمشي، تتقافز، تتبادل الأماكن، بينما تسمّرت عيناي على شاشة الحاسبة
المنتصبة على عمود حديدي أمامي، بين المصطبة اليمنى والمخزن، وهي تعكس لقطات
متسارعة، مختلفة، مبرقة، لذلك العالم المترامي بعيدا:/ رجل أمن يصرخ سأجعله يوقع
بالحِذاء / كان لي حذاء اسود، وبالي لكل المناسبات ، اصبغه حين يشحب لونه، وفي اغلب
الأحيان، ادهنه ببعض قطرات من السّمن النباتي، كي يلمع قليلا،/امرأة تضرب طفلها
بالحذاء وبقعة بول أسفل قدميه/ ولكثرة الشقوق، لا اذكر عدد المرات التي أودعته عند
الإسكافي لرَقَعَه، وآخر حالاته المتهرئة صار له ثقب من الأسفل بحجم قطعة نقدية من
المعدن. ولازلت اذكر الألم الذي أصابني وأنا أسير في احد الدروب، إذ صرخت، حين
لامست حصاة صغيرة بطن قدمي من تلك الفتحة كأنها صعقة كهربائية / رجل يضرب زوجته
بالحِذاء لتأخرها في إعداد الطعام/ أجبت: حقيقة لا اعرف / داس رجل بقدمه جريدة
رسمية، مهملة في الطريق، وأودع السجن، بسبب صورة القائد، التي تبرز على صفحتها
الأولى/ ومن يومها أخشى بقايا الجرائد المهملة في الطرقات/ تخيفني الأحذية، وخصوصا
الجديدة، اللامعة السوداء منها والبنية على السواء.وكانت نظارتي أولى الخسائر فيها،
إذ وقفت يوما ما أتفرج كالآخرين على مشاجرة فصفع وجهي حِذاء أطاح بالنظارة إلى
شظايا متطايرة./ الشركة تخصص مئة وخمسين دولارا في السنة لكل عامل لشراء حِذاء واقي
لأصابع القدم./ومرة أردت التعبير عن إعجابي لامرأة جميلة فطبعت وشما على جبهتي
بحذائها ذي الكعب العالي/ رئيس تحرير مجلة ملتزمة يضرب طرود المجلة بحذائه، لتأخر
التوزيع/ السيارة بلا نوافذ، كما هناك، قد غطتها إعلانات الأحذية من الخارج، لكن
هواء المكيف المنعش، يدعو للاسترخاء، بينما المصطبة التي ربطت إليها هناك، جرداء
وجدار السيارة الصدأ من الداخل يلسع ظهري كسياط حديد حارة / و كان كوسادة في آخر
اعتقال لي، كنت متعبا و لم أجد فسحة أتمدد فيها، وضعته أسفل رأسي ومددت جسدي داخل
المِرْحاض /أستاذ يضرب تلميذه بالحذاء/وزير يضرب مواطنا بحذائه/ جرب هذا القياس /
لا أحب هذا النوع، انه يشبه بسطال الجيش فهو يذكرني بالطاعة العمياء والموت المجاني
في الحروب / كان عريف هلال يقول نرمي البسطال إلى أعلى فيقع على راس خريج جامعي
/وكان حافظاً لوثائقي عند عبور الحدود/ وأخ يقول لأخته إذا رايتكِ واقفة عند الباب
فسوف افرك راسكِ بالحذاء / وقال لي العامل العربي عثمان، وهو يتفحص الأحذية / تصور
لا يوجد في بلدي حِذاء على مقاس قدمي، فقررت المجيء إلى أمريكا ! كل شيء في أمريكا،
العالم كله هنا ! ضحكت وقلت له: وأنا هربت من شدة الأحذية التي تطاردني./ وكنت أرى
وجوها كثيرة على شكل أحذية. أحذية كالمطر تنهمر، تقع على رأسي، تضربه من كل الجهات.
أحذية محلية وأجنبية، في آخر لقطة على الشاشة، تظهر كأسوار عالية تفصل المدن،
الواحدة عن الأخرى/ تحسست أسفل عيني اليمنى، كان هناك ندب صغير من اثر ضربة حذاء
بني اللون، كأنه اللحظة، كانت بدايته، ابن الحذاء! لتنهال بعدها على أجزاء جسدي
أحذية مختلفة الأحجام والألوان، الرخيصة منها والغالية، وألسن كثيرة تقذف حمما من
الأحذية /خذ جرب هذا قد يكون على المقاس ! / قطع صوته شريط الذاكرة فانتبهت إليه:
نعم سأجربه، ولكن أرغب بذلك النوع / ذاك ليس لكم / م م م ، وما الفرق ؟ /.../...
* اللوحة بعنوان (Shoes, 1888)
لفان كوخ.
|