ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 نعتذر عن نشر المواد المنشورة سابقاً على النت، نطمح دائما لتقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.... 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:01

Detroit Michigan U.S

 

 

رأس في سلة 

محمد علوان جبر

 

 

لقد حدث ذلك بسرعة فائقة ،  لا اعلم كيف ،  ولكنه حدث ،  مر بسرعة جعلتني لا افهم ..  فهو شيء يشبه دوامة تدور وهي تمتص ما حولي الى اعماق قصية ..  دوران سريع .  في البدء صدمني  الفراغ  وتهت فيه ، حينما حاولت ان احرك يدي،  او ان ارفعهما على الاقل ،  ربما هو تمهيد فاشل لشيء ما اعتزمت القيام به ،  لكني مهدت كثيرا لالتصاقي بالنافذة الوحيدة التي حاولت الاقتراب منها  لأرى ما يدور في الخارج ،  لم اشعر بشيء كنت متخشبا لكني استطعت ان ارى دون ان افهم  بدءً من الحركة الارتجاجية لسيارة  مغلقة وكذلك التوالي العجيب لدوائر ونقاط كانت تومض امامي .. تشتعل وتنطفئ ،  ومع انطفاء الضوء و توهجه من الاطار الدائري الصغير الى يميني -  ربما هو النافذة الوحيدة في المكان – حيث  كنت ارى النور قرب وجهي تماما ،  فاغمض عيني وادير رأسي الى الجهة الاخرى ..  وفي توالي متواصل لتمهيد آخر أكثر قربا من فشلي الاول حيث صدمني  منظر جسد رجل مسجى الى جانبي ،  جسد بدين نصف عارغارق في بركة دم متيبسة ،  ساقاه ضخمتان  مفتوحتان تشكلان مع جسده مثلثا ،  وكان انفراج الساقين يجعلهما عرضة لارتجاجات العربة التي تشبه الصندوق .  

حاولت ان ارى وجهه  فأدرت رأسي بزاوية حادة نحوه ،  لم تصدمني بركة الدم المتيسبة على اطراف الجسد العاري ،  لكني صدمت وهذا تمهيد آخر لفشلي في الفهم جعلني متخشبا  اكثر ولا اعرف ماذا اصنع حينما كان مسطح الضوء يومض وينطفئ على مساحات وتعرجات الجسد ،  حيث بات واضحا امامي  بقسوة غامضة ان الجسد كان بلا رأس ،  بعد ان ادرت وجهي حتى لامس جزء من فمي الارضية المغطاة  بقماش جلدي متسخ .  كنت مذهولا ولم استطع ان افهم شيء مما يجري حولي ،  لكني  كنت ارى بوضوح انفراجة الساقين واستجابتهما  للحركة الارتجاجية للسيارة ..  وكلما اطلت النظر فيهما  كنت احس انهما تتحركان ،  وان الحياة تدب فيهما .. فأدير وجهي ابحث في الاطارات التي تداخلت  امامي وبدأت تتحرك حولي ولم اعد اميز منها شيء ،  سوى وجه امرأة بشعر يتموج كلما سقط عليه عمود من الضوء المتأرجح ، او داعبته الريح..  كانت تلج  الحد الفاصل بين الضوء والعتمة وتطيل النظر الي وتبكي ،  سمعت صراخها حاولت ان اتذكرها ..  كان وجهها مألوفا ،  وفي العتمة المكسورة ببقية ضوء رأيت الدهشة مع الحزن في وجهها الجميل الذي احببته ،  كانت تبكي بحرقة ويزداد وجهها تألقا ،  اعتقدت انها تبكي  الجسد المسجى الى جانبي لكني تأكدت انها تعنيني ببكائها ،  اذ لم تكن تنظر الى الجثة ،  حاولت ان اكلمها  لكني فشلت ،  كان الصوت حالما يصل شفتي ينطفئ في فراغ لا متناه ،  وحينما اردت ان اصرخ فشلت ،  كانتا متاهتان هوائيتان تضيعان في فراغ  عميق ،  وكم تمنيت  ان ارفع  يدي ولو لمرة واحدة لكي افهمها بالاشارة اني يمكن ان اكون بخير ..  واني احاول ان اقترب من المكان الذي  احسها تكاد  ان تضيع فيه غائصا في اعماق ذاكرة تحولت الى مجرد عجينة هشة ..  – نعم -  هكذا توهمت اني اصرخ بل اكاد اتذكر وجهها ، كانت يداي تائهتين كما هو صوتي في فراغات لا متناهية.. صماء وصادمة كالجثة  ، لكني وجدتها قربي – حدث هذا  في اندفاعة سريعة -  كانت قريبة مني  وهي تمد اصابعها نحو جبهتي ،  وبدأت تمسدها ذهابا وايابا .. ببطء ورقة -  يالله .. تلك الاصابع اكاد اعرفها -  اعتقد انها تعرف حاجتي لهذه الحركة الرقيقة ،  التقت عينها بعيني  ،  كانت تبكي  بحرقة وجسدها يرتج بتشنجات قوية ،  حاولت ان ابتسم لها -  ربما ابتسمت او تكلمت  لم اكن اعرف -  اعتقد اني طلبت منها ان تستمر بتمسيد جبهتي باصبعيها ،  وان لا تنظر الى شيء آخر سواي والضوء المتسرب من النافذة الصغيرة ،  واصلت الابتسام ،  لكني شعرت بالحياء فجأة حالما تذكرت اني اجهل الوضعية التي انام فيها ،  وهل انا عار  كالجسد المسجى قربي ..  وكم حاولت ان ارفع يدي لامسح دموعها  فلم افلح ،  كانت تهتز بعنف ،  وبدأت ابكي معها ..  الدموع ساخنة وهي تنهمر من عيني .. يا إلهي كم كنت بحاجة الى الصراخ ،  كان فمي  مفتوحا على سعته مستعدا تماما لاطلاق صرخة ،  اختلطت الاسئلة المروعة في رأسي وانا ارى وداعة وجهها ،  وقبل ان تختفي ، مسحت وجهي بمنديل حريري وبقيت نادما على فشلي في الاقتراب منها ..  ومع انصفاق بوابات ولهاث بعيد يشبه السقوط الشديد في منحدرات حادة ،  حيث اختلطت مع صورتها وهي تشير نحو مكان ما اتجهت اليه وقبل ان اواجه المنحدر الاسفنجي الحاد كان الضوء يواصل ارتعاشاته  وسقوطه وسط دوامات لا مرئية ..  وبدا واضحا امامي الرجل المسجى قربي وهو برأس - هذه المرة -  وفي دوامة ضوء باهت ظهرت امرأة اخرى متشحة بالسواد وهي تضرب على وجهها وترفع التراب من الارض وتضعه على رأسها ..  وفي التدرج الاخير لتمهيدات متوالية  -  كنت افشل في تحديدها -  كانت سيارة اسعاف  تشق طريقا موحلا  يؤدي الى بوابة كبيرة ،  المرأة تقترب من الرجل المسجى في سيارة الاسعاف البيضاء ،  بعد توقفها في احد المنحدرات حيث تجمع قرب احد اطاراتها دم لزج يسيل ببطء من ارضيتها ،  لم اتمكن في الضوء الشحيح ان ارى وجه الرجل لكنه كان كبقية الرجال وربما يشبهني ،  وحينما ظهرت المرأة من جديد كنت اكثر قربا من النافذة ،  وكم تمنيت ان تقترب لاني كنت بحاجة الى دفء اصابعها ،  لكني : (  كنت مرعوبا سيدتي ..  وحزين ..  لاجل الرجل الميت  الذي يجاورني )  واصلت المرأة دون ان تكترث لحزني وصراخي تمسيدها رأسي (  لم هذا الارتجاج سيدتي في ارضية السيارة ..  تصوري اني لااستطيع  ان احرك يدي ..  انا مرعوب  سيدتي ..  كدت ابكي بل بكيت وهم يمسكون الرجل .. لم اكن بعيدا عنهم ،  شممت روائح نتنة  تنز من اجسادهم ..  ورغم الليل الحالك في الفضاء الواسع رأيت اشباحهم..  كانوا اربعة يحيطون بالرجل البدين وسط الليل ..  ثمة لغط يصلني و ألم في معصمي ..   وشيء ما  تجمع في فمي وحول عنقي .. كان ساخنا اول الامر لكنه سرعان ما تحول الى البرودة ،  هل تدركين سيدتي ان اشياء كثيرة تجول في الليل  تدور حول اعماق قصية .. صماء وقاسية اكثر قسوة من الضلال المعتمة للجسر الحديدي الذي هويت منه وكان الالم يزداد في  عنقي ومعصمي ..

 

 تم كل شيء بسرعة فائقة تشبه السقوط المروع وسط الماء ،  لم استطع ان ارى القاع المعتم ،  كان بصري منطفئا قبل ان اطفو بسرعة منفصلا عن جسدي العملاق الذي سحبه الموج ببطء، و حينما تجمعنا لم اجد سوى رتابة الارتجاجات ورأسي يرتفع ويهبط كالكرة ،  وكم حاولت ان ابحث عنك حينما سقطت ستارة معتمة بيننا ..  ورأيت يدين عملاقتين تحملان رأسي كالكرة .. تمسكان بي من جبيني رأيت بوضوح كيسا او سلة كبيرة مفتوحة ،  ترفع اليد رأسي الى فم السلة الكبير، وكنت اسمع الضجة الشديدة حولي تصلني وانا محمول الى مكان اعلى من ارضية السيارة ،  ومن فتحات السلة الجانبية رأيت مجموعة رجال وهم يحملون جسد الرجل الذي كان مسجى قربي ويضعونه بصعوبة على عربة.. ورأيت اكياسا من الرمل كانت تندفع نحوي ..  وثمة قطة مرقطة  ترسل مواءً يشبه موسيقى جاز خافتة ،  سار الركب  يتقدمنا الجسد مقطوع الرأس  وهو يرتج مع سير العربة والسلة التي كنت استقر في قاعها وثلاثة رجال لم استطع ان اميز اشكالهم ..  كان الجميع مطرقا ينظر الى الارض  بصمت  ،  وسمعت صوت حشرة تحوم فوقي ، تصدر  صوتا فاترا .. حطت على جانب وجهي  وسرعان  ما طارت واختفت لكني بقيت اسمع طنينها حولي  يتردد لفترة طويلة . 

 

 وانعكس  وميض قوي  على زجاج نوافذ المبنى .. بدا ان الزمن يتقدم مع خطى  الرجال الثلاثة وهي تضرب اسفلت المبنى الكبير الذي بدا خاليا الا من الموكب الذي يحيط بنا . تقدم الرجل الذي كان يحمل السلة ووضعها على العربة قرب الجثة مقطوعة الرأس ،  احسست اني ارتعد وكان جزء من مشبك السلة يضغط بقوة على جبيني ..  حينها حاولت ان ابحث  عنك في السطوح التي اراها امام فتحات السلة ،  ربما سمعتك تنتحبين او تصرخين كلما ترتج العربة وهي تقطع الطريق ،  كنت وحيدة وثمة جدائل رمادية تتمرد على الوشاح  الازرق الذي تشدين به رأسك ،رأيتك تشيرين باصابعك نحو المبنى الى مكان ما، حيث حطت على نوافذه العلوية غربان كثيرة احاطت بالنافذة والرخام البارز الذي يؤطرها،  كان يلمع حينما تطير الغربان ، وينطفئ الضوء  حالما تحط ، اشرت لي نحوها، كانت كثيرة ولا اعلم لماذا اشرت لي هذه الاشارة الواضحة ، كنت مشغولا بمراقبة اصابعك والسواد الهائل والمتموج لآلاف الغربان التي كان لونها القاتم  تتفاوت حدته حولها ، تلك النوافذ التي لم يعد لها وجود  .. اختفت تماما و تحول بريق زجاجها الى حفر عملاقة منطفئة بالعتمة ،  وكان ثمة قارب وحيد يشق الآفاق و انت وسطه تلوحين باصابع مفتوحة الى شيء ما في الافق ، شيء آخر لا علاقة له بالغربان التي تحولت الى جزء من الجدار،  كنت تتكئين على شيء لا مرئي .. ربما هو حبل رفيع وحولك كان النهر يلاحق الافق في رحلة صامتة بلا ضجيج  ربما ليستدرج الريح المخلخلة لكي تدفعه بسرعة ،  وكان ثمة لون يشبه الدم حولي  ..  ربما هو غرين النهر اذ تمتزج الالوان مع الطيف ،  وقد كنتُ ممتنا وسعيدا كأنني حقا رأس في سلة .. حينما اقتربتِ من السلة وانتِ تحملين منديلك الحريري وبدأتِ تمسحين وجهي وتبعدين الحشرة التي كنت اسمع طنينها دون أن أراها.

 

بغداد المحروسة

20 – 4 - 2006