|
إن
فهم الشاعر متأتي من فهم العصر الذي يعيشه بالدرجة الأولى ومن ثم فهم طبيعة المجتمع
بشكل عام ، العصر هو بدايات العقد العاشر من القرن الأول للهجرة في بدايات عهد
العباسيين في هذا العهد كان المجتمع يمر بتحولات شتى من أبرزها ما يدعى بعهد
الفلسفات الدينية والتي ارتبطت بالحركات الدينية وخصوصا في نهايات عهد الأمويين
وضعف سيطرة الدولة المركزية التي كانت الدافع لظهور حركات فلسفية مناوئة للفكر
الاسلامي بشكل خاص ، مدعمة باعتقادات خاطئة وضعف الدولة بشكل أساسي ، فأمست الدولة
تحت رحمة المناوئين لها و المتفذلكين من أنصاف المثقفين ، ولم يكن نصيب الشعراء أقل
من ذلك بل كان لهم نصيبا كبيرا في فهمه فخلدوه في اشعارهم ومن هنا لقي أنصاف
المثقفين هؤلاء الأرضية الممهدة لنشر أفكارهم للعامة بل عملوا على تغذيتها من خلال
الشعراء وكان احد هؤلاء الشعراء بشار بن برد الشاعر الضرير الذي استهوته هذه
الحركات وكانت السبب للقضاء عليه .. فمن هو شاعرنا؟؟؟؟
هو بشاربن برد بن
يرجوخ ولد في البصرة لأوائل العقد العاشر من القرن الأولى للهجرة وجده يرجوخ من
طخارستان ممن سباهم المهلب بن أبي صقرة والي خراسان لسنة (79-81هـ) لذا نشأ ابنه
برد للعبودية وكان أولا في عداد رقيق خيرة القشرية أمرأة المهلب ثم وهبته لامرأة من
بني عقيل ولم تلبث العقيلية أن أعتقته وبذلك عد هو وأبنه في موالي بني عقيل وقد نسب
نفسه من جهة أمه الى الروم إذ قال :
وقيصر خالي إذا عددت يوما نسبي
إذا كان فارسي من
جهة الاب ورومي من جهة الأم وقد ولد وهو أعمى فما نظر الى الدنيا قط حيث قيل عنه :
عميت جنينا والذكاء من العمى فجئت عجيب الظن للعلم موئلا
وكان أبوه يضرب
اللبن أي الطين للإعاشة معيشة تقوم على الشظف وكان له أخوان بشر وبشير وكانا قصابين
يبيعان اللحم ولم يكونا سويين أي كان أحدهما أعرج والآخر أبتر .
وحددت عاهته مسار
حياته فكان يتردد على المساجد منذ نعومة اظفاره ، وأيضا كان يتردد على مربد البصرة
فقد كان طلق اللسان منذ كان في العاشرة من عمره وأعانته نشأته في بني عقيل على أن
يتمثل بالسليقة العربية . كان الهجاء في ذلك الوقت على أشده ليس بين الفرزدق وجرير
بل أن الشعر كان يكاد لا يخلو من الهجاء ، حتى كانت سمة الشعر في ذلك الوقت الهجاء
، فكان طبيعيا أن أول قصائد الغلام هي في الهجاء فكان ابوه يضربه لكثرة الشاكين من
شعره حتى أقبلت أمه تستعطف الأب ليكف عنه فقال لها اني لأرحمه ولكنه يتعرض للناس
فقال بشار له قل لهم وليس على الأعمى حرج من كتاب الله العزيز وحين عادوا يرددون
على برد شكواهم فتلى عليهم الآيه الكريمه انصرفوا وهم يقولون فقه برد أغيظ لنا من
شعر بشار ، واشتد بشار في الشعر وانكب على اتقان اللغة العربية فيمم نحو البادية
فأقام فيها فترة أعطته فقهً في اللغة ولساناً عربياً فصيحاً .
عاد إلى البصره يكثر
من مجالسة الشعراء وحلقات المتكلمين ويكثر من قصائد المديح ومن أقدم مدائحه ما نظمه
في عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والي العراق لسنة 126 هجرية ولما خطب واصل بن
عطاء على رأس المعتزله بين يدي الوالي مع بعض الخطباء أشاد به و انعقدت بينهما صلة
وثيقة حيث كان يحضر مجالسه ويستمع الى محاوراته مع من يعتنقون مذاهب الثنوية
المجوسية والدهرية الهندية ، من هنا دخلت الفلسفة مدخل الجد في شعر بشار حتى أدت
الى فساد العلاقة بينه وبين واصل حيث أخذ يشيد بالنار ويفضل إبليس كمذهب فلسفي أكثر
منه ديني ، فهو يفضل إبليس الذي خلق من نار على آدم الذي خلق من طين ، فأدى ذلك الى
القطيعة بينه وبين واصل وخصوصا عندما يعلن عدم إيمانه بالجنه والنار ولا بالبعث ولا
بالحساب ويحاول أن يثير الغبار بينه وبين واصل والمعتزله وكان لغزله الصريح الحجة
لطرده من البصرة بأنه كان خطرا على شباب البصرة ونسائها فهتف واصل ببعض خطبه
الواعظة داعيا الى قتله ( أما لهذا الأعمى الملحد المشنف المكنى بابي معاذ من يقتله
) وتعاون واصل مع المعتزلة مثل عمرو بن عبيدة على إخراج بشار من البصرة وقتله فكان
أن خاف بشار وهرب من البصرة وذهب الى واسط فاستقبل استقبالاً حافلاً حتى جاءت رايات
العباسيين سنة131هـ من خراسان وطوحت ببني أمية فكان نجم خالد بن برمك آخذ في التألق
إذ استوزره المنصور ثم ولاه فارس فوفد اليه بشار يمدحه وخالد يجزل له العطاء ويحس
بشار بعمق بإقبال الدنيا عليه وبالفوز بعد الفقر .
يعود الى البصرة بعد
وفاة عمرو بن عبيدة ولايكاد العام أن ينصرم حتى يثور العلويون بزعامة ابراهيم بن
عبد الله سنة145هـ فيمدحه شاعرنا أيما مدح وسرعان ما يخيب فأله إذ يعمد المنصور الى
قمع الثورة فينتقل بشار الى الغزل الصريح الذي أججته حالته الجسدية فهو لا يرى
الجمال بل يحسه عن طريق اللمس، فيعتبر غزله من الغزل المفضوح وخصوصا أنه كان ذميم
الخلقة أعمى البصر ينزل اللحم الاحمر على عينه فكانت النساء يمتنعن عنه على الرغم
من أنهن كان يغنين شعره في أكثر الأحيان .
ويتوفى المنصور
سنة158هـ ويخلفه المهدي فيذهب اليه للحصول على جوائزه بعد أن كانت له مآثر مع
المنصور إذ هجاه لأكثر من مره فقال:
أبا جعفر ما طول العيش بدائـم ولا سالم عما قيل بســـــــــــالمِ
على الملك الجبار يقتحم الردى ويصرعه في المأزق المتلاحمِ
فقدم الى بغداد
يستعطف القادة ليذكروه لدى المهدي فذكره روح بن حاتم فقد كان يصبو ليكون من ممدوحيه
فأمر المهدي بإحضاره فما كاد بشار أن يفرغ من مدحه حتى وصله 10000 درهم ووهب له
عبدا وقينة أي جارية وخلع عليه خلعا كثيرة وجعله من سماره وممن يحضرون مجالسه . إلا
ان المهدي كان له شدة في شؤون الدين ووصله أن بشار ممن يعمدون الى افساد الشباب
بغزلهم المفضوح فمنعه وقد قال ذلك في شعره فكف بشار من الغزل على مضض الا انه لا
ينفك حتى يعود الى الغزل حتى ترامت للمهدي أخباره فمنع عنه جائزته وكان المهدي عمد
الى محاربة الزنادقة والقضاء عليهم فلزم بشار البصرة إشفاقا على نفسه وأخذ يرثي
أصحابه ممن قتلهم المهدي ويهجو المهدي ووزيره يعقوب بن داوود حتى قدم المهدي الى
البصرة سنة 168هـ فيشهد شهود موثوقون بأن بشار من الزنادقة، حينئذ يضرب حتى الموت
ويرمى به في البطيحة فيأتي أهله وبعض أصحابه فيدفنوه .
أخبار بشار في أسرته
قليلة فيذكر أنه كان له امرأة تدعى أمامه وهو يذكر أطفاله الصغار في أشعاره حيث دفن
ابن له اسمه محمد وأبنة له صغيرة وكانت له جارية أسمها ربابة وجارية اخرى سوداء
ذكرها في شعره فلم يتبعه في جنازته سواها .
لم يكن بشار بسيطاً
ولا ساذجاً بل كان معقدا في طبيعته التي فرضها عليه الأصل والنشأة فقد كان من أصل
فارسي فأخذ عنهم العناد والمزاج الحاد ونشأته كعبد ابن عبد وولادته كأعمى وفقر
أسرته و اطلاعه على الفلسفات المترجمة من الكتب والتي تكتب عن الفلسفات المانوية
وغيرها أوصلته لأن يكون غير سوي بفلسفته بل يعمد الى الأخذ بظواهر الأمور وترك
البواطن ليكشف عنها شعره الذي اتسم بالحداثة فهو من أول المحدثين بالشعر على الرغم
من عدم مساسه بأصول اللغة والسمة العربية في شعره تضفي عليه البراعة والعبقرية في
إيصال الماضي بالحاضر ووصل الأمس بالغد والصور العربية الموجودة لتجعل من شعره صور
فوتوغرافية لعصره والأيمان بحزمة أفكار لتكون سمة من سمات عصر إتصف بعدم الإنصاف من
شدة الفقر وسيطرة دولة تجزي العطاء بغير حساب في مدح ملوكها و أسيادها وقادتها حتى
أمست الأفكار الشغل الشاغل الذي ينصرف له العامة لنسيان ألم الفقر والجوع في أصقاع
البلاد ، من هنا ما انصرفنا في كتابته لا يعيب شاعرنا بل يهدينا القدرة على فهمه ..
|