ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 نعتذر عن نشر المواد المنشورة سابقاً على النت، نطمح دائما لتقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.... 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:01

Detroit Michigan U.S

 

 

ثلاث قصص قصيرة جدا

فؤاد ميرزا

 

 

                sadness

 

اسطة بدري

 

وقفت بدرية  أمام المرآة وبمقص بارد كبير أخذت  تقص شعرها الأسود الطويل  خصلة إثر خصلة حتى اخذ وجهها الفتي يشبه وجه غلام صغير. انتزعت عقدها الذهبي من عنقها كما انتزعت قرطيها وخاتم له شذرة من العقيق كان يزين أصبع أمها المرحومة، و ارتدت فوق كُلّ ذلك ملابس الذكور.

برعت الشابة اليتيمة التي أخذت تلبس الآن دشداشة والدها المرحوم وتطوق رأسها بكوفية بتسلق النخيل السامق الصعب، وشوهدت تعمل فأسها في الخشب، تجمع حطب الوقود، وتقف في طابور عمال البناء الصباحي الذي نقلها من مدينة الى مدينة حتى استقرت في بغداد.

 أصبح لبدرية التي تحول إسمها الى أسطة بدري ، شهرة وباع في بناء البيوت الحديثة المبنية من الطابوق المفخور كما ذاع صيته بالنكتة اللاذعة وفاحش الكلام حتى بوجود  ابنته الشابة بدرية والتي كانت ترافقه كظله  الى مقهى بوابة الكيلاني حيث اعتاد الجلوس كل مساء. وحينما يُسأل اسطة بدري  عن سبب عزوفه عن الزواج وخاصة أن كثير من عانسات الحي يتمنين الاقتران به.  يشير  الى ابنته الجالسة قبالته على تخت المقهى ( بدرية هي من  ثالث  وآخر زوجاتي..  زوجتي العاهرة كانت تستدرج وتغوي  كل عمالي الفتيان الذين اخترتهم لقوتهم و إخلاصهم.... ولذلك طلقتها و أقسمت أن لا اتزوج مرة رابعة) يقهقه بخشونة وتقهقه ابنته  معه بنفس طريقته وهي تطلق سحابات من دخان النركيلة في وجوه المتعجبين.        

1975

 

وداع 1

 

ليلى.. هتف بإسمها ثم طبع على شامة شفتها العليا قبلة حيية.

اعترفت لها أمها على فراش الموت بأن الاسم (ليلى) هو ليس اسمها بل اسم  أختها التي تشبهها تماما والتي ولدت  مشوهة بعاهة : شفتها العليا مكان شامتها هذه، كانت مخرومة وفمها ينزف من شق في لثتها. القابلة المأذونة إقترحت قتل الوليدة لأنها كما قالت: لو خلقت ذكراً لاختلف الأمر ولكنها انثى وبسبب العاهة ستعيش حياة مليئة بالآلام والقهر، ولن يتزوجها أحد. وهكذا تم التخلص من الرضيعة بسقيها الزرنيخ قبل حليب الرضاعة.  وفي العام الذي أعقب موت أختها الرضيعة ولدت هي  و حصلت على شهادة ميلادها و اسمها. أما أمها فالموت الذي تمنته طويلاً جاء متأخراَ  ليرحمها من جحيم تأنيب الضمير .

قبلها  من شامة شفتها االعليا بجرأة هذه المرة.. هبت نسمة باردة و امتزجت رائحة الأشجار برائحة عفونة كرائحة القبور فهتفت له:  هنالك شيء أكثر أهمية من المباهج . ثم ودعته.

     1975

 

وداع 2

 

داعبت الفتاة قطة فاحمة الفرو.

على نحو ما بدا لها ذلك حلماً غريباً، وانها  تحولت الى قطة  فاحمة الفرو مطمإنة الى دفء حجر فتاة، والأنامل التي تلامس فروتها برقة تعود لشخص آخر لا تعرفه.

ناولها الشاب الذي وقف قربها واضعا قدمه اليسرى على المصطبة الخشبية حيث تجلس، سجارة، راسماً فوق محياه إبتسامة معلقآ على الطقس وعلى جمال وجهها ونظارتها.  أخذت منه السجارة  بأصابع متردده محاولة بجهد منع  إفشاء عواطفها المضطرمة نحوه. وحينما ملأت صدرها بالدخان، زادها إحساسها بالرغبة بحضور جسدها، فأحست بألم  حاد بسبب الحزام  الذي ضاق على بطنها. كانت بطنها قد انتفخت بسرعة. ويا للغرابة، ساور القطة التي كانت في حجرها نفس  شعور الفتاة وامتلأ وجودها بنشوة قديمة متوهجة ودافئة. قفزت القطة من حجر الفتاة واستقامت على شكل ظل قاتم ارتسم على الجدار القريب. إتحد الظل بقامة الفتاة التي وقفت بدورها وغادرت المكان مودعة الشاب، من دون أن تلتفت خلفها أو تنبس بكلمة أخرى.

     1975

 

*اللوحة بعنوان (sadness) للفنانة لينا شاوهان.