|
بيتي يقعُ في حديقةِ الكلمات
هناك حيث كل ورقة شجرة
حيث كل صفٍ من الأشجار كتاب
حيث كل ( نجمة ) في قطراتِ الندى
تلتمع
حيث كل قطرةٍ نجمة ،
وكل ورقةٍ مجرة
و كل شجرةٍ كون
هذه الحديقة تعودُ لي !
و ليَ
النهرُ الذي يتدفقُ عندَ الحديقة
و لي تعودُ الصبايا اللائي يسبحن في
النهرِ عندَ اكتمالِ القمر
حينما الماءُ يتقاطرُ من أجسادهنّ
العارية .
لي ، لي وحدي يعودُ
المحّارُ على الشاطئِ
مملوءاً كان أم فارغا
وليَ البحرُ و البحيراتُ حيث انتهاء
النهر .
كلَّ ليلةٍ ارتقي قِممَ الجبال و
أتجولُ بين الوديان
جبالِ و وديانِ الزمان و المكان
حيثُ الموسيقى كنصرٍ خامس
تُضفي كمالا على فتنةِ العناصر
تلك العناصرُ التي تزفُّ ليَ التهاني
و أزفُّ التهاني لها
حيث الزمانُ عقد لآلي يطوق جيدَ صبية
.
ما هو البدءُ ، ما هو المنتهى ،
ما هو القديمُ ، ما هو الجديد ؟!!
حين تنصت الى الأصواتِ في حديقة
الكلمات..
سوف تعرف ما هي الموسيقى
عندما تنصت لصوت الصبايا ..
حينَ يكنّ في النهر سابحاتٍ ، سوف
تعرف ما هو الماء
حين تعايش الأشجارَ التي ترقصُ في
محضِ عطرها
سوف تعرفُ ما هو الهواء
حين ترى انعكاسَ البدرِ على صفحة
المياه
سوف تعرفُ ما هو الضوء
و حين تنامُ على العشب ، سوف تعرفُ
ما هي الأرض
إلا انك حين لا تعرف حديقة الكلمات
لن يكون بمستطاعكَ أن تعرف شيئا عن
هذا العالم
كتب كريم الأسدي " حديقة الكلمات "
بالألمانية و ألقاها على الجمهور الألماني في " شفارتزشه فيلا "
(schwarzsche
Villa) و هي بناية جميلة و
قديمة تقع في إحدى مناطق
العاصمة الألمانية برلين .
بُنَيت هذه الفيلا في أوائل القرن التاسع عشر ثم امتلكتها بلدية مدينة برلين عام
1961 و أصبحت مركزا ثقافيا لمنطقة (شتيكلتس) البرلينيية اعتبارا من الثالث من
سبتمبر ـ أيلول عام 1995 و فيها قاعة لعرض الأعمال التشكيلية (كاليري) و قاعة مسرح
و قاعة لعزف المقطوعات الموسيقية و آتيليية و ورشة للتصوير و ورشة للطباعة و مقهى و
مطعم ويقام هنا سنويا ما معدله 350 نشاطا ثقافيا في السنة أي ما يعادل نشاطا واحد
في كل يوم من مختلف النشاطات .
و الجميل في تقاليد القراءة في الـ (
schwarzsche Villa)
أن بمستطاع أي كان المشاركة و بشكل مفتوح و لكن على المشارك أن يحسب أنه سيكون ،
بنفس القدر ، منفتحا للنقد من قبل جمهور خاص مؤهل و متخصص . من أجل قراءة نص هنا
ليس على الراغب سوى أن يسجل نفسه للقراءة قبل دقائق من بدءها فيعطى الفرصة لقراءة
ما يشاء على أن يلتزم بالوقت . يجري ذلك بدون أي تمحيص أو تزكية مسبقة أو طلب لسيرة
شخصية ، و بهذا فإن المؤسسة الثقافية الألمانية ليس لديها الحق في أن تضع نفسها
حكما على الإبداع ، و ما من وسيلة لديها لفصل الغث عن السمين سوى النقد المعلن أمام
الجمهور ، و بهذا التقليد فإن مؤسساتنا الثقافية العربية في الخارج و
" الديمقراطية " جدا من التي تمحص
القارئ من الرأس حتى أخمص القدمين و تمحص في ولائه الفكري و السياسي قبل كل شيء ،
لديها الكثير مما تتعلمه من هذا المثال .

schwarzsche Villa
و لكن الجمهور الألماني الذي يسمع كل
شيء هو في الوقت نفسه جمهورٌ صعبُ المراس قد يتعذر إرضاؤه لأسباب عديدة سنعرض لها
، على أن من الجلي أن كريم الاسدي الذي
يكتب بالألمانية نصوصا و
أشعارا ، عدا كتاباته باللغة الأم العربية ، يتمتع بخصلة الإصرار و الثقة بالنفس
حتى أثمر قصائد لم يستطع حتى الناقد الدقيق و القاسي تجاهلها .
بهذه القصيدة التي يجد القارئ
ترجمتها أعلاه ، و كما رأيت كأحد الحاضرين ، انتزع الشاعر الأسدي اعتراف الألمان
بموهبته و بلغتهم نفسها . وكان الاسدي دائبَ الحضور الى قراءات الألمان الشعرية و
النثرية و كانت نصوصٌ ألقاها بالألمانية قد أثارت هذا القدر أو ذاك من الجدال و
الأخذ والرد و خصوصا ما تتضمنه من صور شعرية لم تكن دائما متماشية مع الذهنية
الالمانية و تركيبتها الإبداعية . و تبدو المهمة امام المبدع المشتغل على المجال
النثري و الشعري مزدوجة التعقيد : القدرة اللغوية أولا و من ثم انتقاء النص الأكثر
ملائمة .
عدا ذلك تتجلى الصعوبة في التعامل مع
الجمهور الأوربي في مناحِ عديدة ، فالإبداع الأدبي المنطوق أو المقروء ليس كما هو
عليه الحال مع الإبداع التشكيلي أو الموسيقي الذي يتعامل بلغة بصرية أو سمعية
مشتركة ، و إنما بواسطة الكلمة و اللغة . بالرغم من إن الفنان التشكيلي غير
الألماني و غير الأوربي مثلا يواجه صعوبات أيضا في تأسيس سمعته و الاعتراف بموهبته
.
و تعتبرُ اللغة الألمانية لغة صعبة و
دقيقة وهي لغة ذاتُ خفايا يصعبُ على كثيرين حتى من الناطقين بها إدراكُ تعقيداتها
، وعلى خلاف اللغة الإنكليزية التي لا يتأثر فيها شكلُ الكلمات بوضعها الإعرابي في
الغالبِ الأعم ، فإن اللغةَ الألمانية قريبةٌ من اللغة العربية . فالفاعل و المفعول
به و المضاف إليه و الاسم المجرور بحرف الجرِّ ... الخ يتغاير كتابة و نطقا ، بل
إن المرءَ ليجدُ إن اللغة الألمانية تستجيبُ فتتغير مُراعية انسيابية اللفظ ، ففيها
مثلا ما يشبه نون الوقاية في اللغة العربية . و ستكون دراسة مقارنة بين اللغتين
موضوعا ربما في غاية الطرافة .
يبدو الألماني ، لأول وهله ، حساسا
الى حد كبير لكتابة الآخرين بلغته بحكم تكوينه التاريخي و بحكم انطباع مبدأي إن
اللغة الألمانية مستعصية بالمعنى الإبداعي على غير الألمان ربما أكثر بكثير من
المواطن الإنكليزي الذي ألفَ أن يكتبَ بلغته الكثيرون ، هذا الانطباع هو انطباعٌ
جمعيٌ سوسيولوجي ولكنه طبعا غير شامل . علينا أن لا ننسى أيضا أن عدمَ وجودِ تقاليد
كولونيالية لألمانيا ، كما هي عليه فرنسا و بريطانيا مثلا، قد ساهمَ في ظاهرة
الندرة لكتّابٍ من هذا النوع . فالكتّابُ الإنكليز من أصول شرقية ، هندية أو
باكستانية ، لم يحتاجوا حين أقاموا في إنكلترا مثلا الى تعلم اللغة الإنكليزية إذ
كانوا يتكلمون و يكتبون بها في بلدانهم منذ الطفولة ، و كذلك عليه الحال في بعض
بلدان شمال أفريقيا بالنسبة للغة الفرنسية . هذه الصعوبات ينبغي أن تؤخذ بنظر
الاعتبار في الجهد الإبداعي للكتاب الذين يكتبون بالألمانية من الذين تشكل اللغة
الألمانية لغتهم الثانية .
و لا تنحصر الصعوبة في التعامل مع
المنجز الإبداعي بمعرفة اللغة نفسها و إنما أيضا في اختلاف العقلية أو الذهنية (Mentalität
) الأوربية و الألمانية
المبنية على تطورها الحضاري الخاص ، فما ألفناه من صورٍ شعريةٍ في الشعر العربي و
خصوصا تلك التي تثير إعجاب القارئ العربي و التي هي انعكاس للبيئة العربية و
الذهنية العربية بكل خصوصياتها ، قد لا تثير لدى القارئ الألماني نفس المشاعر و نفس
التقييم ، و قد راقبت كيف أن نصوصا رفيعة في الأدب العربي قد كانت باهتة لدى القارئ
الألماني حتى لو تُرجمت بأفضل ما يمكن أن تكون عليه الترجمة ، هذا يلقي على الكاتب
أو المترجم مهمة إضافية هي مهمة الانتقاء الصائب .
*****
حضرتُ العديدَ من جلساتِ القراءة هنا
في الـ (schwarzsche
Villa ) و كانت هناك العشراتُ
من القراءات التي أعقبها نقاش و تقييم من نقادٍ و شعراءٍ و متذوقين و طلبةٍ دارسين
في معاهد و كلياتِ الأدب ، وقد قدّم كريمُ الأسدي أكثرَ من نصٍ و قصيدة في أكثر من
مناسبة كانت هذه مميزة بينها و حازت على أعجابِ الحضور لخصائص يمكن أن يدركها
القارئ تتجسد في كونِ القصيدة هي قصيدةٌ حداثية لم تجعل من الغموض و الصعوبة لازمة
لها ، نجدها من جهة أخرى مثلت مزاوجة قليلة التحقق بين القواعد الجمالية للشعر
الكلاسيكي و إعادة صياغتها بروح المعاصرة ، فهذه القصيدة تمثل تجاوزا جدليا لبناء
القصيدة القديمة دون نسف منجزاتها .
و بالرغم من الجو الرومانسي الطاغي
إلا أن القصيدة هي قصيدةٌ رمزية شغلت فيها الصورة بكل ما فيها من قوة حيزا كبيرا و
أدت وظيفة حاملِ دلالاتٍ و رموز . غنائيةُ القصيدةِ و استرسالها ترافق مع كونها
مبنية بناءً محكماً و مرتبطة بلحمة درامية منذ مطلعِها حتى الخاتمة .
و منذ " هذه الحديقة تعود لي " و
المقطع الذي يليها أثار كريمُ الأسدي " الاتهامات " لدى البعض بأنه ذو نرجسيةٍ
طاغية ، و بالرغم من أنني لا أنظر الى النرجسية باعتبارها احد المثالب لشاعرٍ و
فنان ، بل و اعتبرها شرطا من شروط الإبداع ، إلا أنني أرى أن هذا المقطع كان لا
يمثل ميلا نرجسيا بحكم المضمون نفسه .
فالبيتُ و الحديقة و النهرُ و
الصبايا و المحّار ... الخ كلها تقعُ في حديقةِ الكلمات ، كلماتِ الشاعر . و لكل
شاعرٍ حديقتُه الخاصّة التي تعودُ له و التي لا تشابهُها حديقة أخرى ، بل ينبغي أن
لا تشابهها من باب أولى. إن التشديدَ على صيغةِ التملك لا يمكن أن يستقيم في هذا
السياق إلاّ بالتملكِ مطلقِ الخصوصية ، إنه تملكٌ مشروعٌ محروسٌ من مالكِه و من
الوسط الإبداعي . فمعاييرُ النقد قد صاغت تعابيرَ تدعو إلى احترام الخصوصية و
احترام التملك في الأسلوب و اللغة و قد أدانت الاعتداء على الملكية الإبداعية بصيغة
الإشارة الى الافتقار إلى الأصالة و إلى التفرد فمن اعتدى أسلوبيا على مملكة غيره ،
"حديقة كلمات غيره " و سرق من مملكته شيئا فانه ( يُدان ) على إنه غيرُ أصيلٍ و
مكرر .
فلو تشابهت حدائقنا ، حدائق كلماتنا
، لما كان ثمة إبداع ، و لكان ما نكتبُ نسخا مكررة . فله ، له وحده تعود الحديقة !
ولم لا ؟ إنه يمتلك كل الحق في ذلك . فكريم الأسدي كما كل الشعراء يصنع عالمَه
الخاصَّ في المكان الذي يقعُ فيه بيتُهُ في حديقةِ الكلمات .
في لحظة انتشاء متسام ٍيكتب الأسدي
شاطبا الزمان و المكان
ما هو البدءُ ، ما هو المنتهى ،
ما هو القديمُ ، ما هو الجديد ؟!!
فالأشياء التي تتضمنها مملكة الكلمات
ليست مكانا و لا زمانَ لها ، فيها يتوقف كل شيء ، فعالمه هو عالم الكلمات التي
تُنشأ صورة خارجَ العالم ، إنها هنا غيرُ مرئية إلا من قبله ، أمّا من قبلنا فعبرَ
قصيدتِه عنها فقط .
المزاوجة بين العربية و الألمانية
تتجلى هنا جزئيا عدا مواقع أخرى في التشابهِ بين كلمة ورقة التي ترجمناها عن كلمة
( Blatt)و
جمعُها ( Bläter)
بالألمانية ، و هي مشابهة لدلالتها العربية في كونها مزدوجة المعني إذ تعني ورقة
عادية ورقة كتابٍ أو دفتر و تعني في الوقتِ نفسِهِ ورقة الشجرة في صيغتي الجمع و
المفرد .
ففي قوله :
بيتي يقعُ في حديقةِ الكلمات
هناك حيث كل ورقة شجرة
حيث كل صفٍ من الأشجار كتاب
يوجد مثلا أكثر من تداخل في الدلالات
فـفي قوله " حيث كل ورقة شجرة " نجد أن " الورقة" هنا يتداخل فيها معنيان أحدهما و
أكثرهما رجحانا أن كل ورقة من كتاب أو مخطوطة بإمكانها أن تكونَ من الثراءِ ما
يوازي شجرة عظيمة البنيان ، ومع ذلك بمقدور القارئ أن لا يجزئ الدلالات و يأخذها
موحدة ، فالورقة هنا ورقة كتاب أو مخطوطة و لكنها في الوقت نفسه ورقة الشجرة و لما
كانت ورقة الشجرة تعادل شجرةً بذاتها أي تعادل حاملها الذي يحتوي على الآلاف من
تكراراتها فإننا إزاء مفارقةParadox
: الجزء يعادل الكل و يكرر ذاته بشكل لا نهائي بما يشبه النظر في مرآة خلفها مرآة
.
يرتقي الشاعرُ مصطحبا القارئَ ، إن
شاء ، قمم الجبالِ و يتجول معه بين الوديان ، وديانِ الزمان و المكان . من أين جاءَ
الشاعرُ بهذهِ الجبال و الوديان و قبلها البيتِ و الأشجارِ و الحديقة و الصبايا
المستحماتِ بضوء القمر ؟ المنجم هنا هو مملكة الكلمات فهذا هو العالم السهلُ
الممتنع الذي يلخص ، كما رأيتُ مرارا ، إعجازَ الشعر . فهذه المملكة ، مملكة
الكلمات ، متاحة لكل واحدٍ منا ، أو لنقل إن عناصرَ صناعتِها متاحة لكلِ واحدٍ منا
، و لكنها في الوقتِ نفسه أصعبُ من المستحيل ، فالكلماتُ ، التي هي أداة الشاعر
لصناعة مملكته ، هي نفسها أداتي و أداتك و أداةُ الآخرين في الكتابة و التعبير و
لكنها لديه فقط تصنعُ الممالكَ و الوديان و الجبالَ و كلّ عناصر الجمال ، يدُه
السحرية هي التي تحول التراب الى تبرٍ في الوقت الذي يبقى في يدِ الآخرين ترابا ليس
إلاّ.
كلَّ ليلةٍ ارتقي قِممَ الجبال و
أتجولُ بين الوديان
جبالِ و وديانِ الزمان و المكان
Munir_alubaidi@web.de
|