ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 نعتذر عن نشر المواد المنشورة سابقاً على النت، نطمح دائما لتقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.... 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:01

Detroit Michigan U.S

 

 

حديقةُ الكلمات

قصيدة بالألمانية للشاعر كريم الأسدي

ترجمها و علق عليها : منير العبيدي

 

 

 

بيتي يقعُ في حديقةِ الكلمات

هناك حيث  كل ورقة شجرة

حيث كل صفٍ من الأشجار كتاب

حيث كل ( نجمة ) في قطراتِ الندى تلتمع

حيث كل قطرةٍ نجمة ،

وكل ورقةٍ مجرة

و كل شجرةٍ كون

 

هذه الحديقة تعودُ لي !

و ليَ النهرُ الذي يتدفقُ عندَ الحديقة

و لي تعودُ الصبايا اللائي يسبحن في النهرِ عندَ اكتمالِ القمر

حينما الماءُ يتقاطرُ من أجسادهنّ العارية .

لي ، لي وحدي يعودُ

المحّارُ على الشاطئِ

مملوءاً كان أم فارغا

وليَ البحرُ و البحيراتُ حيث انتهاء النهر .

 

كلَّ ليلةٍ ارتقي قِممَ الجبال و أتجولُ بين الوديان

جبالِ و وديانِ الزمان و المكان

 

حيثُ الموسيقى  كنصرٍ خامس

تُضفي كمالا على فتنةِ العناصر

تلك العناصرُ التي تزفُّ ليَ التهاني

و أزفُّ التهاني لها

حيث الزمانُ عقد لآلي يطوق جيدَ صبية .

 

ما هو البدءُ ، ما هو المنتهى ،

ما هو القديمُ ، ما هو  الجديد ؟!!

حين تنصت الى الأصواتِ في حديقة الكلمات..

سوف  تعرف ما هي الموسيقى

عندما تنصت لصوت الصبايا ..

حينَ يكنّ في النهر سابحاتٍ ، سوف تعرف ما هو الماء

حين تعايش الأشجارَ  التي ترقصُ في محضِ عطرها

سوف تعرفُ ما هو الهواء

 حين ترى انعكاسَ البدرِ على صفحة المياه

سوف تعرفُ ما هو الضوء

و حين تنامُ على العشب ، سوف تعرفُ ما هي الأرض

 

إلا انك حين لا تعرف حديقة الكلمات

لن يكون بمستطاعكَ أن تعرف شيئا عن هذا العالم

 

 

كتب كريم الأسدي " حديقة الكلمات " بالألمانية و ألقاها على الجمهور الألماني في " شفارتزشه فيلا "

(schwarzsche Villa) و هي بناية جميلة و قديمة تقع في إحدى مناطق العاصمة الألمانية برلين . بُنَيت هذه الفيلا في أوائل القرن التاسع عشر ثم امتلكتها بلدية مدينة برلين عام 1961 و أصبحت مركزا ثقافيا لمنطقة (شتيكلتس) البرلينيية اعتبارا من الثالث من سبتمبر ـ أيلول عام 1995 و فيها قاعة لعرض الأعمال التشكيلية (كاليري) و قاعة مسرح و قاعة لعزف المقطوعات الموسيقية و آتيليية و ورشة للتصوير و ورشة للطباعة و مقهى و مطعم ويقام هنا سنويا ما معدله 350 نشاطا ثقافيا في السنة أي ما يعادل نشاطا واحد في كل يوم  من مختلف النشاطات .

و الجميل في تقاليد القراءة في الـ ( schwarzsche Villa) أن بمستطاع أي كان المشاركة و بشكل مفتوح  و لكن على المشارك أن يحسب أنه سيكون ، بنفس القدر ، منفتحا للنقد من قبل جمهور خاص مؤهل و متخصص . من أجل قراءة نص هنا ليس على الراغب سوى أن يسجل نفسه للقراءة قبل دقائق من بدءها فيعطى الفرصة لقراءة ما يشاء على أن يلتزم بالوقت . يجري ذلك بدون أي تمحيص أو تزكية مسبقة أو طلب لسيرة شخصية ، و بهذا فإن المؤسسة الثقافية الألمانية ليس لديها الحق في أن تضع نفسها حكما على الإبداع ، و ما من وسيلة لديها لفصل الغث عن السمين سوى النقد المعلن أمام الجمهور ، و بهذا التقليد فإن مؤسساتنا الثقافية العربية في الخارج و

" الديمقراطية " جدا من التي تمحص القارئ من الرأس حتى أخمص القدمين  و تمحص في ولائه الفكري و السياسي قبل كل شيء ، لديها الكثير مما تتعلمه من هذا المثال .

 

 

schwarzsche Villa

 

و لكن الجمهور الألماني الذي يسمع كل شيء هو في الوقت نفسه جمهورٌ صعبُ المراس  قد يتعذر إرضاؤه لأسباب عديدة سنعرض لها ، على أن من الجلي أن كريم الاسدي الذي يكتب بالألمانية نصوصا و أشعارا ، عدا كتاباته باللغة الأم العربية ، يتمتع بخصلة الإصرار و الثقة بالنفس حتى أثمر قصائد لم يستطع حتى الناقد الدقيق و القاسي تجاهلها .

 بهذه القصيدة التي يجد القارئ ترجمتها أعلاه ، و كما رأيت كأحد الحاضرين ، انتزع الشاعر الأسدي اعتراف الألمان بموهبته و بلغتهم نفسها . وكان الاسدي دائبَ الحضور الى قراءات الألمان الشعرية و النثرية و كانت نصوصٌ ألقاها بالألمانية قد أثارت هذا القدر أو ذاك من الجدال و الأخذ والرد و خصوصا ما تتضمنه من صور شعرية لم تكن دائما متماشية مع الذهنية الالمانية و تركيبتها الإبداعية . و تبدو المهمة امام المبدع المشتغل على المجال النثري و الشعري مزدوجة التعقيد : القدرة اللغوية أولا و من ثم انتقاء النص الأكثر ملائمة .

عدا ذلك تتجلى الصعوبة في التعامل مع الجمهور الأوربي في مناحِ عديدة ، فالإبداع الأدبي المنطوق أو المقروء ليس كما هو عليه الحال مع الإبداع التشكيلي أو الموسيقي الذي يتعامل بلغة بصرية أو سمعية مشتركة ، و إنما بواسطة الكلمة و اللغة . بالرغم من إن الفنان التشكيلي غير الألماني  و غير الأوربي مثلا يواجه صعوبات أيضا في تأسيس سمعته و الاعتراف بموهبته .

و تعتبرُ اللغة الألمانية لغة صعبة و دقيقة وهي لغة  ذاتُ خفايا يصعبُ على كثيرين حتى من الناطقين بها إدراكُ تعقيداتها ، وعلى خلاف اللغة الإنكليزية التي لا يتأثر فيها شكلُ الكلمات بوضعها الإعرابي في الغالبِ الأعم ، فإن اللغةَ الألمانية قريبةٌ من اللغة العربية . فالفاعل و المفعول به و المضاف إليه و الاسم المجرور بحرف الجرِّ ... الخ يتغاير كتابة و نطقا ،  بل إن المرءَ ليجدُ إن اللغة الألمانية تستجيبُ فتتغير مُراعية انسيابية اللفظ ، ففيها مثلا ما يشبه نون الوقاية في اللغة العربية . و ستكون دراسة مقارنة بين اللغتين موضوعا ربما في غاية الطرافة .

يبدو الألماني ، لأول وهله ، حساسا الى حد كبير لكتابة  الآخرين بلغته بحكم تكوينه التاريخي و بحكم انطباع مبدأي إن اللغة الألمانية مستعصية بالمعنى الإبداعي على غير الألمان ربما أكثر بكثير من المواطن الإنكليزي الذي ألفَ أن يكتبَ بلغته الكثيرون ، هذا الانطباع هو انطباعٌ جمعيٌ سوسيولوجي ولكنه طبعا غير شامل . علينا أن لا ننسى أيضا أن عدمَ وجودِ تقاليد كولونيالية لألمانيا ، كما هي عليه فرنسا و بريطانيا مثلا، قد ساهمَ في ظاهرة الندرة لكتّابٍ من هذا النوع . فالكتّابُ الإنكليز من أصول شرقية ، هندية أو باكستانية ، لم يحتاجوا حين أقاموا في إنكلترا مثلا الى تعلم اللغة الإنكليزية إذ كانوا يتكلمون و يكتبون بها في بلدانهم منذ الطفولة ، و كذلك عليه الحال في بعض بلدان شمال أفريقيا بالنسبة للغة الفرنسية . هذه الصعوبات ينبغي أن تؤخذ بنظر الاعتبار في الجهد الإبداعي للكتاب الذين يكتبون بالألمانية من الذين تشكل اللغة الألمانية لغتهم الثانية .

و لا تنحصر الصعوبة في التعامل مع المنجز الإبداعي بمعرفة اللغة نفسها و إنما أيضا في اختلاف العقلية أو الذهنية (Mentalität  ) الأوربية و الألمانية المبنية على تطورها الحضاري الخاص  ، فما ألفناه من صورٍ شعريةٍ في الشعر العربي و خصوصا تلك التي تثير إعجاب القارئ العربي و التي هي انعكاس للبيئة العربية و الذهنية العربية بكل خصوصياتها ، قد لا تثير لدى القارئ الألماني نفس المشاعر و نفس التقييم ، و قد راقبت كيف أن نصوصا رفيعة في الأدب العربي قد كانت باهتة لدى القارئ الألماني حتى لو تُرجمت بأفضل ما يمكن أن تكون عليه الترجمة ، هذا يلقي على الكاتب أو المترجم مهمة إضافية هي مهمة الانتقاء الصائب .

 

*****

 

حضرتُ العديدَ من جلساتِ القراءة هنا في الـ (schwarzsche Villa ) و كانت هناك العشراتُ من القراءات التي أعقبها نقاش و تقييم من نقادٍ و شعراءٍ و متذوقين و طلبةٍ دارسين في معاهد و كلياتِ الأدب ، وقد قدّم كريمُ الأسدي أكثرَ من نصٍ و قصيدة في أكثر من مناسبة كانت هذه مميزة بينها و حازت على أعجابِ الحضور لخصائص يمكن أن يدركها القارئ  تتجسد في كونِ القصيدة هي قصيدةٌ حداثية لم تجعل من الغموض و الصعوبة لازمة لها ، نجدها من جهة أخرى مثلت مزاوجة قليلة التحقق بين القواعد الجمالية للشعر الكلاسيكي و إعادة صياغتها بروح المعاصرة ، فهذه القصيدة تمثل تجاوزا جدليا لبناء القصيدة القديمة دون نسف منجزاتها .

و بالرغم من الجو الرومانسي الطاغي إلا أن القصيدة هي قصيدةٌ رمزية شغلت فيها  الصورة بكل ما فيها من قوة حيزا كبيرا و أدت وظيفة حاملِ دلالاتٍ و رموز . غنائيةُ القصيدةِ و استرسالها ترافق مع كونها مبنية بناءً محكماً و مرتبطة بلحمة درامية منذ مطلعِها حتى الخاتمة .

و منذ " هذه الحديقة تعود لي " و المقطع الذي يليها أثار كريمُ الأسدي " الاتهامات " لدى البعض بأنه ذو نرجسيةٍ طاغية ، و بالرغم من أنني لا أنظر الى النرجسية باعتبارها احد المثالب لشاعرٍ و فنان  ، بل و اعتبرها شرطا من شروط الإبداع ، إلا أنني أرى أن هذا المقطع كان لا يمثل ميلا نرجسيا بحكم المضمون نفسه .

فالبيتُ و الحديقة و النهرُ و الصبايا و المحّار ... الخ كلها تقعُ في حديقةِ الكلمات ، كلماتِ الشاعر . و لكل شاعرٍ حديقتُه الخاصّة التي تعودُ له و التي لا تشابهُها حديقة أخرى ، بل ينبغي أن لا تشابهها من باب أولى. إن التشديدَ على صيغةِ التملك لا يمكن أن يستقيم في هذا السياق إلاّ بالتملكِ مطلقِ الخصوصية ، إنه تملكٌ مشروعٌ محروسٌ من مالكِه و من الوسط الإبداعي . فمعاييرُ النقد قد صاغت تعابيرَ تدعو إلى احترام الخصوصية  و احترام التملك في الأسلوب و اللغة و قد أدانت الاعتداء على الملكية الإبداعية بصيغة الإشارة الى الافتقار إلى الأصالة و إلى التفرد فمن اعتدى أسلوبيا على مملكة غيره ، "حديقة كلمات غيره " و سرق من مملكته شيئا فانه ( يُدان ) على إنه غيرُ أصيلٍ و مكرر  .

فلو تشابهت حدائقنا ، حدائق كلماتنا ، لما كان ثمة إبداع ، و لكان ما نكتبُ نسخا مكررة . فله ، له وحده تعود الحديقة ! ولم لا ؟ إنه يمتلك كل الحق في ذلك . فكريم الأسدي كما كل الشعراء يصنع عالمَه الخاصَّ  في المكان الذي يقعُ فيه بيتُهُ في حديقةِ الكلمات .  

في لحظة انتشاء متسام ٍيكتب الأسدي شاطبا الزمان و المكان

ما هو البدءُ ، ما هو المنتهى ،

ما هو القديمُ ، ما هو  الجديد ؟!!

فالأشياء التي تتضمنها مملكة الكلمات ليست مكانا و لا زمانَ لها ، فيها يتوقف كل شيء ، فعالمه هو عالم الكلمات التي تُنشأ صورة خارجَ العالم ، إنها هنا غيرُ مرئية إلا من قبله ، أمّا من قبلنا فعبرَ قصيدتِه عنها  فقط .

المزاوجة بين العربية و الألمانية تتجلى هنا جزئيا  عدا مواقع أخرى في التشابهِ بين كلمة ورقة التي ترجمناها عن كلمة (  Blatt)و جمعُها (  Bläter) بالألمانية ، و هي مشابهة لدلالتها  العربية في كونها مزدوجة المعني إذ تعني ورقة عادية ورقة كتابٍ أو دفتر و تعني في الوقتِ نفسِهِ ورقة الشجرة في صيغتي الجمع و المفرد .

ففي قوله :

بيتي يقعُ في حديقةِ الكلمات

هناك حيث  كل ورقة شجرة

حيث كل صفٍ من الأشجار كتاب

يوجد مثلا أكثر من تداخل في الدلالات فـفي قوله  " حيث كل ورقة شجرة " نجد أن " الورقة" هنا يتداخل فيها معنيان أحدهما و أكثرهما رجحانا أن كل ورقة من كتاب أو مخطوطة بإمكانها أن تكونَ من الثراءِ ما يوازي شجرة عظيمة البنيان ، ومع ذلك بمقدور القارئ أن لا يجزئ الدلالات و يأخذها موحدة ، فالورقة هنا ورقة كتاب أو مخطوطة و لكنها في الوقت نفسه ورقة الشجرة و لما كانت ورقة الشجرة تعادل شجرةً بذاتها أي تعادل حاملها الذي يحتوي على الآلاف من تكراراتها فإننا إزاء مفارقةParadox : الجزء يعادل الكل و يكرر ذاته بشكل لا نهائي بما  يشبه النظر في مرآة خلفها مرآة .

يرتقي الشاعرُ مصطحبا القارئَ ، إن شاء ، قمم الجبالِ و يتجول معه بين الوديان ، وديانِ الزمان و المكان . من أين جاءَ الشاعرُ بهذهِ الجبال و الوديان و قبلها البيتِ و الأشجارِ و الحديقة و الصبايا المستحماتِ بضوء القمر ؟ المنجم هنا هو مملكة الكلمات فهذا هو العالم السهلُ الممتنع الذي يلخص ، كما رأيتُ مرارا ، إعجازَ الشعر . فهذه المملكة ، مملكة الكلمات ، متاحة لكل واحدٍ منا ، أو لنقل إن عناصرَ صناعتِها متاحة لكلِ واحدٍ منا ، و لكنها في الوقتِ نفسه أصعبُ من المستحيل ، فالكلماتُ ، التي هي أداة الشاعر لصناعة مملكته ، هي نفسها أداتي و أداتك و أداةُ الآخرين في الكتابة و التعبير و لكنها لديه فقط تصنعُ الممالكَ و الوديان و الجبالَ و كلّ عناصر الجمال ، يدُه السحرية هي التي تحول التراب الى تبرٍ في الوقت الذي يبقى في يدِ الآخرين ترابا ليس إلاّ.

 

كلَّ ليلةٍ ارتقي قِممَ الجبال و أتجولُ بين الوديان

جبالِ و وديانِ الزمان و المكان

 

Munir_alubaidi@web.de