هكذا
أَبدأُ أسئلتي:
* لا أدري كيف يفهمُ ( البعض ) النقد؟
* هل هو عملية إبداعية تقوم على التحليل والتأويل والتشخيص والاستقراء الدقيق
لمستويات الأعمال الإبداعية بمختلف أنماطها ومذاهبها وتياراتها؟
أَمْ هوَ كمٌّ وركام من الكتابات الشخصية التي تسعى إلى المُحاباة والإخوانيات،
وكذلك المصادرة والإلغاء والتشهير والانتقاص من الأعمال الإبداعية ومنتجيها؟
إن الذي دعاني إلى طرح هذه الأسئلة والتي سأضيفُ لها أسئلة أُخرى تنتصب علاماتها
الاستفهامية في أَعماقي وفي أعماق الكثير من الأدباء العراقيين الحقيقيين.
قلتُ: إن الذي دعاني إلى هذا الطرح هو واقع النقد العراقي الراهن؛ هذا الواقع
الذي - لما هو عليه الآن - يدعونا كمنتجين للنصوص الشعرية والقصصية والروائية إلى
طرح المزيد من الأسئلة العملية والاشكالوية على المشتغلين والمتخصصين في هذا
الحقل أو الجنس الأدبي الذي أَصبح واحداً من الأجناس الأدبية والمعرفية الأساسية
في الثقافات الكونية المعاصرة.
ومن الأسئلة التي نريد طرحها الآن:
* إلى متى يبقى النقد العراقي الراهن نقداً تابعاً وليس أساسياً أو محايثاً أو
متماهياً أو متماثلاً أو متشاكلاً مع الأجناس الإبداعية الأُخرى؟
* إلى متى سيبقى ما يسمى بالنقد لدينا؛ نقداً صحافياً وإعلامياً خاضعاً لاشتراطات
ومطالب الحاجة الصحافية والإعلامية الاستهلاكية؟
* إلى متى سيظلُّ نقدنا منشغلاً بشرح مضامين النصوص الإبداعية شرحاً ( حكواتياً
وقصخونياً )؟
* متى سيتخلص ( البعض ) من نقادنا من ( الكلائش ) الإنشائية والخواطر الإخوانية
التي يدبجونها متوهمين أنهم يقدمون قراءات نقدية لا يماثلها نقد الأقدمين ولا نقد
المستقبليين والرائين؟
* متى ستتخلص أو الأحرى: كيف تتخلص النقدية العراقية من الطارئين الذين ينصّبونَ
أنفسهم ليكونوا ( نقاداً ) في حركة الثقافة العراقية؟
* هل تبقى بعض الشخصيات النقدية المعروفة بمنجزها النقدي وتاريخها الأدبي الرصين؛
متلذذة بالتفرج القصدي على ذهب الصمت وساكتة إزاء النتاج الأدبي العراقي الرديء
منه والإبداعي والمكتنز والمتألق رغم مخالب الطغيان والقسوة والحروب والحصارات
السود والاحتلالات والخرابات التي تعرضنا لها في العقود الثلاثة الأخيرة من تاريخ
العراق الحديث؟
متى يتخلص ( البعض ) من نقادنا من الجاهزية والاستيرادية مع احترامنا واهتمامنا
العاليين بالثقافات والحوارات الحضارية مع الآخر في مختلف بلدان العالم؟ ونعني
بهذا التساؤل: إن هذا ( البعض ) من النقاد أَصبح يفصّل ما كتبه النقاد الغربيون
والمغاربة عن ( بورخس ) يفصلونه على مقاس ( محمد خضير ). وما كُتبَ عن ( جاك
بريفير أو يانيس ريتسوس ) يفصله نقادنا على نصوص سعد يوسف وما كُتبَ عن ( غابريل
غاريسيا ماركيز ) يفصلونه على مقاس ( عبد الخالق الركابي) وما كُتبَ عن ( آيريس
مردوخ ) يُفصّل على مقاس ( لطفية الدليمي ) وما كُتبَ عن
(
لوركا ) يفصلونه على (كزار حنتوش ) أو يُشبّهونَ جهلاً أو اتهاماً نتاجات ( أحمد
خلف ) القصصية بنتاجات (ارسكين كالدويل ) ويشبهون قصائد ( عبد القادر الجنابي )
بنصوص ( ترستان تزارا ) أو بريتون وربما جان كوكتو، وقصص ( عبد الستار ناصر )
يحيلون مرجعيتها إلى النتاج القصصي لـ ( دينو بوتزاتي ). ويقارنون مسرحيات ( جليل
القيسي ومحي الدين زنكنه ومحسن الرملي وقاسم مطرود وعلي عبد النبي الزيدي )
بمسرحيات ( يوجين يونسكو أو ادوارد البي أو جون اوزبرون أو يتهمون ( عقيل علي )
بالسطو على ( آرثر رامبو ) أو يتهمون ( محمد النصار ) بانتحال نصوص ( سان جون
بيرس ). ويشبهون نصوص ( محمد مظلوم بنصوص ( أدونيس )... وكذلك يتهمون ( علي
السوداني وصلاح زنكنة ) بتشابه نصوصهم القصصية مع نصوص ( زكريا تامر ). وكذلك فإن
نقادنا يهملون أو يتماهلون ( عمداً ) تشخيص أوجه التناص بين نصوص ( حميد قاسم
وعبد الزهرة زكي وعدنان الصائغ وعبد الرزاق الربيعي وكاظم الحجاج وكريم شغيدل
وحسن النواب وجمال جاسم ).
متى سيشتغل نقادنا اشتغالاً نقدياً حقيقياً على النتاج الإبداعي العراقي في داخله
* ومنفاه الذي أنتجه المبدعون العراقيون: ( فاضل العزاوي، فوزي كريم، نبيل ياسين،
عبد الرحمن طهمازي، جليل حيدر، عبد الكريم كاصد، محمود عبد الوهاب، كاظم جهاد،
جمعة اللامي، نجم والي، أسعد الجبوري، برهان الخطيب، عيسى الياسري، سركون بولص،
برهان الخطيب، فؤاد التكرلي، كمال سبتي، جاسم المطير، فاضل السلطاني، إبراهيم
أحمد، صلاح فايق، زاهر الجيزاني، صلاح عواد، وسام هاشم، عالية ممدوح؛ فيصل عبد
الحسن، شاكر لعيبي؛ برهان شاوي؛ شاكر الانباري؛ جمال جمعة؛ حمزه الحسن، جبار
ياسين، مهدي علي الراضي، عبد الحميد الصائح، نصيف الناصري، عبد الرحمن الربيعي،
بتول الخضيري، فرج ياسين، جاسم عاصي، عواد ناصر، طارق حربي، عبد الخالق كيطان،
فضل خلف جبر، علي عبد الأمير، أديب كمال الدين، خليل الأسدي، جنان حلاوي، زعيم
الطائي، سلام إبراهيم، سعيد جبار فرحان، فاروق يوسف، حميد العقابي، فؤاد ميرزا،
الفريد سمعان، غيلان، جمال مصطفى، كريم ناصر، شعلان شريف، أحمد عبد الحسين، ناصر
مؤنس، سلام عبود، عبد الرحمن الماجدي، فاضل الخياط، موفق السواد، ناجي رحيم،
سليمان جوني، عبد الهادي سعدون، باسم الانصار، جلال نعيم، مهدي النفري، كاظم
الحلاق، نعيم شريف، سلام سرحان، سلام صادق، دنيا ميخائيل، طالب عبد العزيز، عادل
عبد الله، عبد الستار البيضاني، حميد المختار، سعد هادي، ناجح المعموري، إبراهيم
البهرزي، عباس عبد جاسم، شوقي كريم حسن، طه حامد الشبيب، وارد بدر السالم، محسن
الخفاجي، علي الشلاه، حكمت الحاج، عزيز التميمي، رعد فاضل، محمد الحمراوي، أمل
الجبوري، بشار عبد الله، خالد كاكي، بلقيس حميد، هيثم بهنام بردى، لؤي حمزه عباس،
هشام عبد الكريم، قصي الخفاجي، محسن الرملي، حسن ناصر، كريم الدريعي، صادق زوره،
محمد الأحمد، فيصل إبراهيم، ناظم مزهر، بشار عبد الله، يوسف اسكندر، علي مزهر،
علي ناصر كنانه، غريب اسكندر، رعد مطشر، حيدر عودة، زيارة مهدي، محمد سعداوي،
نزار عبد الستار، حسن بلاسم، حاكم موجد، حسن عبد راضي، علي حبش، صفاء ذياب، نجاة
عبد الله، سعد محمد رحيم، أديب أبو نوار، فاضل القيسي، خالد البابلي، حسين
السلطاني، مازن المعموري، عمر مجبل، زهير بهنام بردى، علي بدر، عبد الكريم كاظم،
هادي الحسيني، رياض الغريب، ومنى كريم آخر ثمرات الإبداع العراقي الذي ينهض دائماً
كما الفينيق من رماد خرابه؟
والراحلون المبدعون :
رعد عبد القادر، وصاحب الشاهر، ورياض إبراهيم، وعبد الحسن الشذر، وآدم حاتم
وأسماء مبدعة أخرى ربما غابت عن الذاكرة في لحظة الكتابة هذه فعذراً لها.
نعود لنتساءل متى يمكن لنقادنا أن يقوموا بقراءة النتاج الإبداعي لهذا الحشد
الهائل من المبدعين العراقيين؟
وقد اكتشفنا أن عدداً من نقادنا وعبر حوارات متعددة معهم؛ ونعتقد أن هذا الأمر
يعتبر من أخطر الإشكاليات والاخطال التي وقعت فيها النقدية العراقية؛ اكتشفنا أن
هؤلاء النقاد لا يميزون بين خالد المعالي وخالد جابر يوسف... وبين صلاح فايق
وصلاح حسن وبين باسم المرعبي وباسم حسن... وبين عايد خصباك وعلي خصباك... وبين
عبد الخالق الركابي وهشام توفيق الركابي، وبين سلمان داود محمد ومحفوظ داود سلمان،
ولا يميزون بين سهام جبار وسهام محمد ـ رغم أن الأولى شاعرة مجتهدة ولها حضورها
في الشعرية العراقية أما الثانية فهي مطربة من الدرجة الثالثة.
وتصوروا أيضاً أن ( البعض ) من نقادنا لا يميزون بين ( موفق محمد وموفق شوكت
بالمناسبة ـ مَنْ هوَ موفق
شوكت
).. وكذلك فإنهم لا يفرقون بين حسين علي يونس وركن الدين يونس، وبين علوان حسين،
وحسين علوان، وبين أجود مجبل ومجبل المالكي وبين حكيم الجراخ وعباس هاني الجراخ.
و أخيراً وليس آخرا فإنهم لا يميزون بين فرج الحطاب وفرج وهاب. وكذلك فإن البعض
من نقادنا لا يعرفون هل ( جنان جاسم حلاوي وزيارة مهدي واستناد حداد ووجدان عبد
العزيز ) هل هم أدباء ذكور أَم إناث؟؟ وهكذا فإنَّ عدم التمييز قائم وغياب الرؤية
والتجاهل المتعمد مستمر والكسل والتثاؤب والانشغال بقضايا ثانوية لا يزال يهيمن
ملياً على تفاصيل واقعنا النقدي العراقي سواءً في الداخل أو في الخارج.. وأعني
هنا ( الواقع الراهن ) لا الواقع المضيء والمبدع الذي تقف وراء حضوره وإشراقه
مجموعة من الشخصيات النقدية الرصينة التي ساهمت ولا تزال تساهم في خلق خطاب نقدي
رؤيوي يقف بقوة بين خطابات النقد العربية.
وأَخيرا نقول: لا نتمنى لأسئلتنا هذه أن تبقى مجرد تساؤلات أو صيحات أو شهقات
تنتصب علاماتها الاستفهامية في العراء.. بل هي بانتظار الأجوبة التطبيقية التي
تساهم مساهمة فاعلة وحقيقية للارتقاء ارتقاءً كلياً بواقع النقد العراقي الراهن
وبالثقافة العراقية العريقة.
إشارات نعتقدها مهمة
ــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد قمت بكتابة هذا المقال قبل أكثر من ثمانية أعوام؛ و كنت عندها في داخل العراق
وقد حاولت نشره في الصحافة العراقية في الداخل... إلاّ أن جميع رؤساء تحرير الصحف
اليومية والمجلات الأدبية رفضوا نشره... ويشهد على ذلك الصديق القاص عبد الستار
البيضاني الذي كان مسؤولاً عن الصفحة الثقافية لجريدة العراق، وقد كان قد دفع هذا
المقال للنشر إلاّ أن نصر الله الداوودي رئيس تحرير الجريدة قد أمر بعدم
نشره لأسباب لم يعرفها الصديق البيضاني.. وكذلك فإن الأستاذ سامي الزبيدي حاول
نشره في الصفحة الثقافية لجريدة الجمهورية البغدادية إلاّ أن رئيس التحرير أوقف
نشره... ورفض أيضاً الشاعر سامي مهدي نشر هذا المقال بشهادة القاص حاتم حسن الذي
كان مسؤولاً عن الصفحة الثقافية لجريدة الثورة... أما يونس ناصر عبود الذي كان
مسؤولاً عن الصفحة الثقافية لجريدة القادسية فقد كتب تقريراً عن المقال إلى رئيس
تحريرها هاني وهيب وقد حدث أن اطلع أحد الأصدقاء على التقرير وفهم أن فحواه تشير
إلى أن هذا المقال يمجد أدباء المعارضة والمرتدين على القيادة الحكيمة... وعلى
ضوء ذلك أوصى وهيب بعدم نشر أي مادة لي في جريدته....
إزاء هذا الإقصاء المتعمد والديكتاتورية الثقافية ازددت إصراراً على إيصال أسئلتي
للمتلقين... ولذا فقد قمت بتقديم المقال في جلسة أدبية في إتحاد الأدباء والكتاب
في مدينة الحلة / بابل العظيمة... وقد كان من ضمن المدعوين لهذه الجلسة الكاتب
والناقد العراقي المثابر ناظم السعود... وقد أعلن عن إعجابه بأطاريح المقال وقد
أخبرني بأنه سيكتب متابعة عنه في جريدة الثورة البغدادية، وبالفعل قام السعود
بكتابة متابعته عن تساؤلاتي هذه.. ونشرت في الثورة..
وقد انبرى لها الناقد باسم عبد الحميد حمودي مناقشاً ومعترضاً وحتى مسفهاً..
ومن المفارقات العجيبة أن صدام حسين قام بتكريم الناقد حمودي بمبلغ مالي كبير في
وقتها... وقد حدث وبعد عدة أيام ان التقيت بحمودي في مركز الفنون التشكيلية في
بغداد... وتعمدت أن أحاوره حول رده لمقالي هذا... وبعد أن تجاذبنا الحديث بين أخذ
ورد أباح لي حمودي بأن تساؤلاتي مهمة ومشروعة جداً، وقد اتفق معي على أن نقادنا
العراقيين ليسوا فقط مهملين وكسالى وعاطلين.. بل هم مرتشون...
وعندما هربت من الوطن إلى الأردن أعدت كتابة هذا المقال وأرسلته إلى صحيفة الزمان
اللندنية... والغريب في الأمر أن الشاعرة لينا الطيبي التي كانت وقتها مشرفة على
الصفحات الثقافية في الزمان قامت بتحوير عنوان المقال إلى (أسئلة النقد الراهن
)... لماذا...؟ أنا أدري بذريعتها على أساس أن الزمان صحيفة دولية ولا تروج
للمحلية العراقية... فقهقهت - آنذاك - عليها وعلى صاحب الزمان.
وبعد سنوات من الترحال في منافي الله... وقبل أيام وبمحض المصادفة عثرت على مقالي
هذا... وقد قمت بإعادة كتابته وها أنا أنشره كما يليق بمتنه الذي أتمنى أن يكون
جديراً بالثقافة العراقية.
شاعر عراقي يعيش في كندا
saadjasim59@hotmail.com