ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

wwwiraqiwriter@yahoo.com

 

 نعتذر عن نشر المواد المنشورة سابقاً على النت، نطمح دائما لتقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.... 

 

موقع الكاتب العراقي

 

تأريخ النشر

Oktober 18, 2008 09:01

Detroit Michigan U.S

 

 

 ما الذي يجري؟

يوسف أبو الفوز

 

 

ترك بناية محطة القطار خلفه ، وسار متمهلا على طول شارع " أبو الستين " الذي تغير ليس أسمه فقط ، بل وظهرت على جانبيه بنايات جديدة . كل شيء حوله يتغير ، ويرتدي ثوبا آخر يجعله يشعر بشيء من الدوار . السماوة تبدو له وكأنها مدينة أخرى ، لا تشبه المدينة التي  يعرف جيدا دروبها وأسواقها وأزقتها وقضى فيها سنين طفولته وصباه . مدينته  تبدو له كمدينة أخرى زارها يوما فعلقت في ذاكرته  منها صور باهتة ، وهاهو كمن يعود إليها في زيارة عابرة ، ليضيع وسط شوارع وأسواق جديدة . ها هي بنايات جديدة حلت مكان " بستان السادة " الصغير الذي طالما بعد رنين الجرس الأخير للمدرسة يهرع إليه وأترابه ليقضوا بين نخله ساعات يمارسون ألعابهم المختلفة ، يملأون المكان بصراخهم وضحكاتهم ، وليعلوا ضجيجهم على كل ضجيج ، يتجاوز  " حمام الحسيني " وشارع العيادة الشعبية  ليصل بيوت " عـكـد الجامع " ، فيهرع المتأخرون من الأصحاب الى الانضمام إليهم . أين كل هؤلاء الآن ؟

البارحة ، عامدا وقف عند ناصية الشارع منتظرا عودة أمه  من السوق ، شيء ما في داخله دفعه الى ذلك ، لتفحص وجوه المارة ، باحثا عن وجوه معارفه الذين صار يفتقدهم كثيرا . بعض من المارة حدجه بنظرات جانبية مستنكرا فضوله ، وثمة سيارة " فولكس واغن "  رمادية ، دارت مرتين وراح الجالسين فيها يتفحصونه جيدا ، افتعل عدم الاهتمام بهم ، بينما راح صدره يعلو ويهبط ، وحدها جارتهم العجوز ، التي تثير أصص ازهارها فضول الاخرين ، ما ان لمحته حتى هرعت إليه ، وهي تصرخ :

ــ طالت غيبتكم يا بعد روحي !

واحتضنته بحب وقبلته على وجنتيه مستذكرة فيه ابنها ، زميل دراسته ، الذي اختفى فجأة وسرت أقاويل كثيرة في المدينة حوله منها انه يعيش مع العصاة الأكراد  (1) في الجبال !

نظرات المارة ، التي كانت تربكه قليلا ، لم يجد فيها تلك الألفة التي ينشدها ، والتي كان يعرف ، كانوا ينظرون إليه كالغريب ، وكأن الحارة ليست حارته التي طالما كان يقف إلى ناصية شارعها ، ويتجول بين أزقتها ، يحاور من يشاء رجالا ونساء ، حتى أنه أحيانا  يحار لمن يوزع التحايا والابتسامات . كان يعرف بنات الحارة واحدة واحدة ، ورغم سواد عباءاتهن ، يستطيع التعرف عليهن من بعيد ، من مشية كل واحدة فيهن ، حتى لو كن مدبرات ، ويعرف فتيان الحارة ليس بأسمائهم و أشكالهم فقط ، وبل وبعض أسرارهم . هاهو يتجول في المدينة منذ ساعة واكثر ، عله يمسك بشيء من الماضي هذا الذي يحرص على الحفاظ على صفحاته الطيبة نقية ، صافية ، مثل مرآة عروس . لكم هو مخيف أن يفيق الإنسان ليجد نفسه بلا ماض ، بلا شواهد عليه ؟ كيف ستتفحص العروس نفسها لو تشظت مرآتها ؟ أين الأصحاب ؟ كالماء تسربوا من بين الأصابع ، منهم من غادر البلاد قبل بدء الحرب ، دون وداع ولو بكلمه ما ، دون أن يتركوا أثرا يدل عليهم ، فجأة تبخروا ، ومنهم من ضمته سراديب وزنزانات السجون وعذاباتها ، ومن  قدر له وغادرها بعد حين ، كان مجرد حطام ، فاعتزل الناس والحياة العامة ، ثم جاءت الحرب لتقرع أبواب جميع الناس ، ولتطحن الكثيرين ، وأما من ظلوا أحياء فصاروا أشباحا ، يسيرون الهوينا وكأنهم شاخوا فجأة ، وان التقى أحدهم عرضا ، يجده مهموما ، يتكتم على نفسه ، عجلا يلهث للحاق بشيء ما سيفوته ، فيحس بشظايا المرآة تحز ثنايا الروح ، تدمي القلب ، فينادم كأس الخمرة ، مخفيا ذلك عن أمه ، يعذبه الإحساس بأن الفتحات بين أصابعه ، صارت أوسع وأوسع مما ينبغي، وانه قريبا ، سيصحو ليطل عليه وجهه ، وفي إطار مرآته ، منفردا ، منفرا ، فتداهمه نوبات غضب وبكاء مفاجئة ، لا تفهمها أمه التي ظلت شاهده الوحيد على حياته التي صار يفتقدها . وثريا ، فتاته ، التي كان يعتقد ان حياته سترتبط بحروف اسمها ، صارت علاقته بها تتدهور يوما بعد اخر دون ان يتمكن من اصلاح ما يتكسر فيها ، في كل زيارة الى بغداد صار يشعر انهما غريبان عن بعض ، يدوران في دائرة اتهامات متبادلة . وحتى أخته ، اكتشف اليوم أنها لم تعد تلك التي يعرفها !

صباحا ، استيقظ على بكاء أخته المكتوم ، واحتجاجها الغاضب بكلمات لم يفهم معناها ، وحين دخل المطبخ الصغير يدفعه العطش لاحظ نظرات أمه الصارمة ، لكن أخته اندفعت إليه واحتمت خلفه ، وراحت تتمسح به كالقطة :

ــ قل لها بربك ، قل لها يا عزيزي ، كل صديقاتي ارتدين هذا القميص ، لماذا أنا الوحيدة لا أستطيع ارتداءه ؟

وتساءل بأستغراب ؟

ــ أي قميص ؟

فردت أخته بدلع وهي تحتضنه وقد لمست الحياد في صوته :

ــ  موديل جديد يسمونه " ديسكو " !

وراحت توشوش عند أذنه بكلمات ناعمة ، وتقبله في وجنتيه ، بينما كانت أمه تدمدم مع نفسها وهي تتحرك بعصبية ، وانتبه ، وكاد يغص بكأس الماء . انتبه إلى أن أخته لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي يستذكر دائما وجهها وسط دوي القذائف ليشعر بالرغبة في الحياة ، فخلال غيابه الطويل عنهم في الجبهة ، هناك عند حافات الموت حيث يتواصل طحن ماتبقى له من شواهد حياته ، حتى يحين دوره شخصيا ، نمت  أخته الطفلة ، وتغيرت ، أخذت استدارات جسدها تبرز اكثر وضوحا ، وتبدلت اهتماماتها ، لم تعد تلك الطفلة التي يعرفها ، والتي حين يصل السماوة في قطار منتصف الليل قادما من البصرة ، خلال إجازات الدراسة الجامعية ، وإذ تكتشف وجوده صباحا ، تنسل إلى سريره مثل القطة لتنام متوسدة ذراعه ، دافنة رأسها في صدره . صباح اليوم وقفت أمامه  بقامة امرأة ، متوسلة بغنج . صاحت أمه :

ــ أصلّع رأسي من مطالبك يا ابنتي ، هذا أخوك ، هو ولي أمرك وليتصرف !

رغم نبرة الغضب في صوت أمه ، إلا انه يدري أن خلف ذلك يختفي فرحها به ، كونه بعد وفاة والده وبجدارة اخذ على عاتقه مسؤولية العائلة ، رعاية أمه وأختيه ، الأخت الكبرى تزوجت وغادرتهم إلى حياتها الجديدة ، وهاهي الثانية تريد أن تنط من صفحة المرآة ، بعد أن تركت ثياب الطفولة خلفها . كانت أخته تسند رأسها إلى ذراعه ، وعيناها ترمقان وجهه بتوسل ، منتظرة رده، مسد خصلات شعرها  بحنان ، قد يذهب هذه المرة ولن يعود ، وقد تكون إجازته الأخيرة ، ماذا ستتذكر منه ؟ ليجعلها تتذكره جيدا ولو بقميص ديسكو . غمزها مبتسما وهمس بتآمر :

ــ آ ... كم يبلغ سعر هذا القميص ؟

للحظات رمقته أخته بنظرات متسائلة ، ثم احتضنته فرحة ، وعيناها تفيضان محبة ، طبعت على وجنتيه مزيدا من القبل ، وأطلقت صيحة نصر ، ابتسمت أمهم أولا ، ثم أطلقت ضحكة ، فشاركها بذلك مدركا انه لم يغضب أمه بتصرفه ، وتوجه إلى غرفته للحاق بموعد الزيارة التي كان لأيام يعد لها نفسه .

لم يرغب في أن يقوم بهذه الزيارة ، أشياء عديدة في داخله تمنعه ، حاول التهرب من ذلك ، إيجاد عذر ما ، لكن كامل ، كعادته وبمهارة ورطه فيها :      

ــ يا اخي يمكن لك الاعتذار ، أنسيت ماذا كان يشكل لنا اسماعيل ؟ وأي حقوق له علينا بسبب ذلك ؟ انه جزء من هذا الماضي الذي تبكيه كل يوم ، وعائلته الآن في وضع صعب ، وهو نزيل المستشفى ، وهاهو ابن حلال في أيام تغيرت فيها أخلاق الناس وقلت بينهم النزاهة، يسلمنا نحن أصدقاء اسماعيل مبلغ من المال كان بذمته لاسماعيل ، قل لي بربك وبحق الصداقة التي تجمعنا ، من غيرك اجدر بان يقوم بهذه الزيارة وتسليم المبلغ لعائلة اسماعيل ؟ والله لولا تورطي بمساعدة أختي في ترميم دارها لكنت رافقتك في هذه الزيارة !

هاهو يقطع الشارع الأخير ليصل دار اسماعيل ، وثمة ما يدفعه لعدم الذهاب الى هذه الدار ، التي طالما آوتهم غرفتها العليا أيام الاستعدادات لامتحانات الدراسة في الإعدادية . شيء من الخوف أن توجه إلهام اخت اسماعيل ضربة لما تبقى من مرآته ، كان يريد الاحتفاظ لنفسه بأمل  أن يكون ما يتناقله معارفه افتراء ، وان لا يرى الهام مثلما يصورها الاخرون له . يتذكرها على الدوام صبية خجولة ، لها من الجمال ما يكفي للفت الانتباه ، في زياراته لبيت اسماعيل ، قلما كان يرى وجه الهام ، كانت  تسلم أخاها صينية الشاي من خلف الباب ، ومرات نادرة تلك التي سمع فيها صوتها مرتفعا ، ويوما في رحلة ترفيهية الى البساتين عند ضواحي المدينة ، ظلت طول الوقت قابعة في مكانها ، لم تختلط حتى بالنساء ، ولم ترفع عينيها عن الأرض مطلقا ويومها فكر مع نفسه :

 ـ لو قدر لي أن أتزوج فلن أجد غير هذه الفتاة الخجولة لتكون أما لأطفالي .

قبل أن يفتحوا له الباب مرت في باله عشرات الصور ، وحين توسط الجميع في الصالة الصغيرة ، التي لم يتغير أثاثها لكنه  ظل منسقا بشكل جميل يعكس ذوق أمهم التي بدا أنها شاخت بشكل مبكر ، وحين تقدم الجميع لتحيته راحت العجوز وسط نحيبها تقدم له بناتها اللاتي كبرن وصرن عرائس ، وحين جاء دور الهام لتحيته ومصافحته بالكاد استطاع إخفاء ارتباكه ، وراح يسائل نفسه مرارا :  أيعقل هذا أن تكون هذه هي نفس الفتاة التي يعرف ؟ تلك الفتاة التي  صادفها مرة عند باب البيت خارجة فكادت أن تسقط متعثرة بخطواتها  فراح أخوها اسماعيل يشاكسها بذلك  ؟ أمامه جلست بجرأة امرأة أخرى ، امرأة ثانية لا تمت بصلة لتلك التي حلم يوما  بان تكون زوجة له ، أمامه تجلس امرأة  لم ترفع عينيها عنه ، بملابس عصرية حسب الموضة ،  ثوب قصير قماشه يلتصق بالجسد فتبان تفاصيله وحركة كل ثنية فيه ، وبفتحة عند الصدر تكشف استدارة النهدين وبروزهما ، وحين جاءته بكوب الشاي ووضعته أمامه لم يستطع إلا أن يلمح تلك الشامة بين مفرق النهدين الذين تصور انهما سيندلقان أمامه على الطاولة . وها هي الهام امامه بوجهها المثقل بالماكياج وشعرها الذي لا يستقر بحال مع حركة يديها الدائمتين، تحدثه عن هموم العائلة التي لا تنتهي:

ــ لم يكن ينقصنا إلا هذا !

كان يشعر بالألم لمصير اسماعيل . فأثناء تعرض موقع الفوج لهجوم مدفعي كاسح ، لم يبق من الجنود سوى عدة . حين فتح اسماعيل عينيه  في سيارة الإسعاف كان كل شيء قد انتهى ، حملوا الجنود القتلى إلى قبورهم وحملوا اسماعيل إلى مستشفى المجانين . زاره وكامل هناك مرارا ، لم يكن  الأطباء يشيرون  إلى أي أمل لشفائه ، ورغم ذلك أعادوه  بعد شهور ليخدم في وحدة خلفية ثم ليعود ثانية إلى المستشفى . كانت العجوز تتحدث عن مصيبتها بفقدان زوجها بالسكتة القلبية ، وبفقدان ابنها الثاني الذي سجل كمفقود في الحرب ، ومصيبة اسماعيل الذي لم يزرهم  من شهور طويلة . حاول مواساة المرأة التي طالما منحتهم عطفها ، وسهرت على راحتهم أيام دراستهم ، قدر أنها ترى فيه طيف أبنائها ، حاول الإشارة إلى ابنها الأصغر الذي كان يجلس في الطرف الثاني من الصالة ، يراقب التلفزيون غير عابئ بكل ما يدور ، وحين حدق مليا إلى الصبي وحركاته  لاحظ  شيئا مشتركا بين جميع أفراد العائلة  ما عدا  الأم ، كانوا كلهم يمضغون العلكة. وراح ينتبه الى كون إلهام تمضغ العلكة بشكل خاص تصدر معه صوتا معينا من فمها ، وتلوى أثناء ذلك  شفتيها بطريقة بدت له غير لائقة ، وشيئا فشيئا بدت له حركات المضغ مقرفة . حاول أن يزرع في الأم شيئا من الأمل بشفاء اسماعيل وعودته اليهم ، لكن الهام فاجأته وقاطعت كلامه، ووجهت كلامها الى أمها مباشرة  :

ـ ولماذا نضحك على أنفسنا بمثل هذا الكلام يا أمي؟ لقد قال الأطباء أن حالته ميؤوس منها ؟

حاول أن يرد بشيء ، أن يواصل كلامه مع الأم ، أن ينقذها من كلام ابنتها الذي يحشرها في زاوية الألم :

ـ ولكن يا ...

ـ اعرف أن كلامي لا يعجبك ، ولا يعجب أمي أيضا ، ولكن لو كان اسماعيل مات على الأقل أراح نفسه وأراح الاخرين .

وانفجرت الأم باكية  :

ـ لا يصح يا ابنتي أن تتكلمي بهذا الشكل عن أخيك  !

وسمع الهام وهي تلوك علكتها وتطلق صوتا من بين شفتيها المطليتين بلون فاقع :

ـ انه أخي مثلما هو ابنك ، ولو مات كنا على الأقل استفدنا من التعويض .

وهو يغادر البيت مهموما ، كانت في باله جملة الهام حول التعويض ، لم يعد يتذكر نحيب الأم ، ولا وجوه بقية أفراد العائلة المتعبة ، وطول الطريق ، لم يعد يرى سوى فتحة فم الهام  وهي تلوك علكتها وصبغة احمر الشفاه الفاقعة ، وظلت ترن في باله الأصوات التي يطلقها الجميع وهم يمضغون العلكة بشكل مقزز .

 وصل إلى بيت أهله . فتحت له أخته باب الدار ، وكانت تطق بعلكتها وتفترش وجهها الفتي ابتسامة امتنان ،  أرادت أن تقول شيئا ما ، لكنه فجأة صاح بها :

ـ ارم العلكة ... ارم العلكة ! 

 وتلوت أمعاؤه ، وضغط شيء حامض على بلعومه ، زم شفتيه ، غامت عيناه خلف ضباب كثيف . سألته أخته بفزع  :

ـ ماذا ؟

 لم  يرد بشيء ، رن كفه على خد أخته التي ذهلت للحظات ولم تهرب ، بل تسمرت في مكانها وانهدت تعوي :

ـ لماذا ... لماذا ؟

جرى إلى الحمام ، وضع فمه في الحوض ، وفتح صنبور الماء . كان صوت أمه يصله قويا يرن كجرس :

 ـ  ما الذي يجري ؟ (2)

 

خريف 1987

كوردستان ـ قرية بيرموس ( ريف دهوك)

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العصاة : تسمية أستخدمها إعلام النظام الديكتاتوري المقبور دلالة على الثوار وقوات البيشمه ركة ( الانصار )

الذين قاومو  بالسلاح سلطة الديكتاتورية في العراق .

(2) النص من مخطوط قصصي يبحث عن ناشر.