|
ترك بناية محطة القطار
خلفه ، وسار متمهلا على طول شارع " أبو الستين " الذي تغير ليس أسمه
فقط ، بل وظهرت على جانبيه بنايات جديدة . كل شيء حوله يتغير ، ويرتدي
ثوبا آخر يجعله يشعر بشيء من الدوار . السماوة تبدو له وكأنها مدينة
أخرى ، لا تشبه المدينة التي يعرف جيدا دروبها وأسواقها وأزقتها وقضى
فيها سنين طفولته وصباه . مدينته تبدو له كمدينة أخرى زارها يوما
فعلقت في ذاكرته منها صور باهتة ، وهاهو كمن يعود إليها في زيارة
عابرة ، ليضيع وسط شوارع وأسواق جديدة . ها هي بنايات جديدة حلت مكان "
بستان السادة " الصغير الذي طالما بعد رنين الجرس الأخير للمدرسة يهرع
إليه وأترابه ليقضوا بين نخله ساعات يمارسون ألعابهم المختلفة ، يملأون
المكان بصراخهم وضحكاتهم ، وليعلوا ضجيجهم على كل ضجيج ، يتجاوز "
حمام الحسيني " وشارع العيادة الشعبية ليصل بيوت " عـكـد الجامع " ،
فيهرع المتأخرون من الأصحاب الى الانضمام إليهم . أين كل هؤلاء الآن ؟
البارحة ، عامدا وقف عند ناصية
الشارع منتظرا عودة أمه من السوق ، شيء ما في داخله دفعه الى ذلك ، لتفحص وجوه
المارة ، باحثا عن وجوه معارفه الذين صار يفتقدهم كثيرا . بعض من المارة حدجه
بنظرات جانبية مستنكرا فضوله ، وثمة سيارة " فولكس واغن " رمادية ، دارت مرتين
وراح الجالسين فيها يتفحصونه جيدا ، افتعل عدم الاهتمام بهم ، بينما راح صدره يعلو
ويهبط ، وحدها جارتهم العجوز ، التي تثير أصص ازهارها فضول الاخرين ، ما ان لمحته
حتى هرعت إليه ، وهي تصرخ
:
ــ طالت غيبتكم يا بعد روحي
!
واحتضنته بحب وقبلته على وجنتيه
مستذكرة فيه ابنها ، زميل دراسته ، الذي اختفى فجأة وسرت أقاويل كثيرة في المدينة
حوله منها انه يعيش مع العصاة الأكراد (1)
في الجبال !
نظرات المارة ، التي كانت تربكه
قليلا ، لم يجد فيها تلك الألفة التي ينشدها ، والتي كان يعرف ، كانوا ينظرون إليه
كالغريب ، وكأن الحارة ليست حارته التي طالما كان يقف إلى ناصية شارعها ، ويتجول
بين أزقتها ، يحاور من يشاء رجالا ونساء ، حتى أنه أحيانا يحار لمن يوزع التحايا
والابتسامات . كان يعرف بنات الحارة واحدة واحدة ، ورغم سواد عباءاتهن ، يستطيع
التعرف عليهن من بعيد ، من مشية كل واحدة فيهن ، حتى لو كن مدبرات ، ويعرف فتيان
الحارة ليس بأسمائهم و أشكالهم فقط ، وبل وبعض أسرارهم . هاهو يتجول في المدينة منذ
ساعة واكثر ، عله يمسك بشيء من الماضي هذا الذي يحرص على الحفاظ على صفحاته الطيبة
نقية ، صافية ، مثل مرآة عروس . لكم هو مخيف أن يفيق الإنسان ليجد نفسه بلا ماض ،
بلا شواهد عليه ؟ كيف ستتفحص العروس نفسها لو تشظت مرآتها ؟ أين الأصحاب ؟ كالماء
تسربوا من بين الأصابع ، منهم من غادر البلاد قبل بدء الحرب ، دون وداع ولو بكلمه
ما ، دون أن يتركوا أثرا يدل عليهم ، فجأة تبخروا ، ومنهم من ضمته سراديب وزنزانات
السجون وعذاباتها ، ومن قدر له وغادرها بعد حين ، كان مجرد حطام ، فاعتزل الناس
والحياة العامة ، ثم جاءت الحرب لتقرع أبواب جميع الناس ، ولتطحن الكثيرين ، وأما
من ظلوا أحياء فصاروا أشباحا ، يسيرون الهوينا وكأنهم شاخوا فجأة ، وان التقى أحدهم
عرضا ، يجده مهموما ، يتكتم على نفسه ، عجلا يلهث للحاق بشيء ما سيفوته ، فيحس
بشظايا المرآة تحز ثنايا الروح ، تدمي القلب ، فينادم كأس الخمرة ، مخفيا ذلك عن
أمه ، يعذبه الإحساس بأن الفتحات بين أصابعه ، صارت أوسع وأوسع مما ينبغي، وانه
قريبا ، سيصحو ليطل عليه وجهه ، وفي إطار مرآته ، منفردا ، منفرا ، فتداهمه نوبات
غضب وبكاء مفاجئة ، لا تفهمها أمه التي ظلت شاهده الوحيد على حياته التي صار
يفتقدها . وثريا ، فتاته ، التي كان يعتقد ان حياته سترتبط بحروف اسمها ، صارت
علاقته بها تتدهور يوما بعد اخر دون ان يتمكن من اصلاح ما يتكسر فيها ، في كل زيارة
الى بغداد صار يشعر انهما غريبان عن بعض ، يدوران في دائرة اتهامات متبادلة . وحتى
أخته ، اكتشف اليوم أنها لم تعد تلك التي يعرفها
!
صباحا ، استيقظ على بكاء أخته
المكتوم ، واحتجاجها الغاضب بكلمات لم يفهم معناها ، وحين دخل المطبخ الصغير يدفعه
العطش لاحظ نظرات أمه الصارمة ، لكن أخته اندفعت إليه واحتمت خلفه ، وراحت تتمسح به
كالقطة :
ــ قل لها بربك ، قل لها يا عزيزي ،
كل صديقاتي ارتدين هذا القميص ، لماذا أنا الوحيدة لا أستطيع ارتداءه ؟
وتساءل بأستغراب ؟
ــ أي قميص ؟
فردت أخته بدلع وهي تحتضنه وقد لمست
الحياد في صوته :
ــ موديل جديد يسمونه " ديسكو
" !
وراحت توشوش عند أذنه بكلمات ناعمة ،
وتقبله في وجنتيه ، بينما كانت أمه تدمدم مع نفسها وهي تتحرك بعصبية ، وانتبه ،
وكاد يغص بكأس الماء . انتبه إلى أن أخته لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي يستذكر
دائما وجهها وسط دوي القذائف ليشعر بالرغبة في الحياة ، فخلال غيابه الطويل عنهم في
الجبهة ، هناك عند حافات الموت حيث يتواصل طحن ماتبقى له من شواهد حياته ، حتى يحين
دوره شخصيا ، نمت أخته الطفلة ، وتغيرت ، أخذت استدارات جسدها تبرز اكثر وضوحا ،
وتبدلت اهتماماتها ، لم تعد تلك الطفلة التي يعرفها ، والتي حين يصل السماوة في
قطار منتصف الليل قادما من البصرة ، خلال إجازات الدراسة الجامعية ، وإذ تكتشف
وجوده صباحا ، تنسل إلى سريره مثل القطة لتنام متوسدة ذراعه ، دافنة رأسها في صدره
. صباح اليوم وقفت أمامه بقامة امرأة ، متوسلة بغنج . صاحت أمه
:
ــ أصلّع رأسي من مطالبك يا ابنتي ،
هذا أخوك ، هو ولي أمرك وليتصرف
!
رغم نبرة الغضب في صوت أمه ، إلا انه
يدري أن خلف ذلك يختفي فرحها به ، كونه بعد وفاة والده وبجدارة اخذ على عاتقه
مسؤولية العائلة ، رعاية أمه وأختيه ، الأخت الكبرى تزوجت وغادرتهم إلى حياتها
الجديدة ، وهاهي الثانية تريد أن تنط من صفحة المرآة ، بعد أن تركت ثياب الطفولة
خلفها . كانت أخته تسند رأسها إلى ذراعه ، وعيناها ترمقان وجهه بتوسل ، منتظرة رده،
مسد خصلات شعرها بحنان ، قد يذهب هذه المرة ولن يعود ، وقد تكون إجازته الأخيرة ،
ماذا ستتذكر منه ؟ ليجعلها تتذكره جيدا ولو بقميص ديسكو . غمزها مبتسما وهمس بتآمر
:
ــ آ ... كم يبلغ سعر هذا القميص ؟
للحظات رمقته أخته بنظرات متسائلة ،
ثم احتضنته فرحة ، وعيناها تفيضان محبة ، طبعت على وجنتيه مزيدا من القبل ، وأطلقت
صيحة نصر ، ابتسمت أمهم أولا ، ثم أطلقت ضحكة ، فشاركها بذلك مدركا انه لم يغضب أمه
بتصرفه ، وتوجه إلى غرفته للحاق بموعد الزيارة التي كان لأيام يعد لها نفسه
.
لم يرغب في أن يقوم بهذه الزيارة ،
أشياء عديدة في داخله تمنعه ، حاول التهرب من ذلك ، إيجاد عذر ما ، لكن كامل ،
كعادته وبمهارة ورطه فيها
:
ــ يا اخي يمكن لك الاعتذار ، أنسيت
ماذا كان يشكل لنا اسماعيل ؟ وأي حقوق له علينا بسبب ذلك ؟ انه جزء من هذا الماضي
الذي تبكيه كل يوم ، وعائلته الآن في وضع صعب ، وهو نزيل المستشفى ، وهاهو ابن حلال
في أيام تغيرت فيها أخلاق الناس وقلت بينهم النزاهة، يسلمنا نحن أصدقاء اسماعيل
مبلغ من المال كان بذمته لاسماعيل ، قل لي بربك وبحق الصداقة التي تجمعنا ، من غيرك
اجدر بان يقوم بهذه الزيارة وتسليم المبلغ لعائلة اسماعيل ؟ والله لولا تورطي
بمساعدة أختي في ترميم دارها لكنت رافقتك في هذه الزيارة
!
هاهو يقطع الشارع الأخير ليصل دار
اسماعيل ، وثمة ما يدفعه لعدم الذهاب الى هذه الدار ، التي طالما آوتهم غرفتها
العليا أيام الاستعدادات لامتحانات الدراسة في الإعدادية . شيء من الخوف أن توجه
إلهام اخت اسماعيل ضربة لما تبقى من مرآته ، كان يريد الاحتفاظ لنفسه بأمل أن يكون
ما يتناقله معارفه افتراء ، وان لا يرى الهام مثلما يصورها الاخرون له . يتذكرها
على الدوام صبية خجولة ، لها من الجمال ما يكفي للفت الانتباه ، في زياراته لبيت
اسماعيل ، قلما كان يرى وجه الهام ، كانت تسلم أخاها صينية الشاي من خلف الباب ،
ومرات نادرة تلك التي سمع فيها صوتها مرتفعا ، ويوما في رحلة ترفيهية الى البساتين
عند ضواحي المدينة ، ظلت طول الوقت قابعة في مكانها ، لم تختلط حتى بالنساء ، ولم
ترفع عينيها عن الأرض مطلقا ويومها فكر مع نفسه
:
ـ
لو قدر لي أن أتزوج فلن أجد غير هذه الفتاة الخجولة لتكون أما لأطفالي
.
قبل أن يفتحوا له الباب مرت في باله
عشرات الصور ، وحين توسط الجميع في الصالة الصغيرة ، التي لم يتغير أثاثها لكنه ظل
منسقا بشكل جميل يعكس ذوق أمهم التي بدا أنها شاخت بشكل مبكر ، وحين تقدم الجميع
لتحيته راحت العجوز وسط نحيبها تقدم له بناتها اللاتي كبرن وصرن عرائس ، وحين جاء
دور الهام لتحيته ومصافحته بالكاد استطاع إخفاء ارتباكه ، وراح يسائل نفسه مرارا :
أيعقل هذا أن تكون هذه هي نفس الفتاة التي يعرف ؟ تلك الفتاة التي صادفها مرة عند
باب البيت خارجة فكادت أن تسقط متعثرة بخطواتها فراح أخوها اسماعيل يشاكسها بذلك
؟ أمامه جلست بجرأة امرأة أخرى ، امرأة ثانية لا تمت بصلة لتلك التي حلم يوما بان
تكون زوجة له ، أمامه تجلس امرأة لم ترفع عينيها عنه ، بملابس عصرية حسب الموضة ،
ثوب قصير قماشه يلتصق بالجسد فتبان تفاصيله وحركة كل ثنية فيه ، وبفتحة عند الصدر
تكشف استدارة النهدين وبروزهما ، وحين جاءته بكوب الشاي ووضعته أمامه لم يستطع إلا
أن يلمح تلك الشامة بين مفرق النهدين الذين تصور انهما سيندلقان أمامه على الطاولة
.
وها هي الهام امامه بوجهها المثقل
بالماكياج وشعرها الذي لا يستقر بحال مع حركة يديها الدائمتين، تحدثه عن هموم
العائلة التي لا تنتهي:
ــ لم يكن ينقصنا إلا هذا
!
كان يشعر بالألم لمصير اسماعيل .
فأثناء تعرض موقع الفوج لهجوم مدفعي كاسح ، لم يبق من الجنود سوى عدة . حين فتح
اسماعيل عينيه في سيارة الإسعاف كان كل شيء قد انتهى ، حملوا الجنود القتلى إلى
قبورهم وحملوا اسماعيل إلى مستشفى المجانين . زاره وكامل هناك مرارا ، لم يكن
الأطباء يشيرون إلى أي أمل لشفائه ، ورغم ذلك أعادوه بعد شهور ليخدم في وحدة
خلفية ثم ليعود ثانية إلى المستشفى . كانت العجوز تتحدث عن مصيبتها بفقدان زوجها
بالسكتة القلبية ، وبفقدان ابنها الثاني الذي سجل كمفقود في الحرب ، ومصيبة اسماعيل
الذي لم يزرهم من شهور طويلة . حاول مواساة المرأة التي طالما منحتهم عطفها ،
وسهرت على راحتهم أيام دراستهم ، قدر أنها ترى فيه طيف أبنائها ، حاول الإشارة إلى
ابنها الأصغر الذي كان يجلس في الطرف الثاني من الصالة ، يراقب التلفزيون غير عابئ
بكل ما يدور ، وحين حدق مليا إلى الصبي وحركاته لاحظ شيئا مشتركا بين جميع أفراد
العائلة ما عدا الأم ، كانوا كلهم يمضغون العلكة. وراح ينتبه الى كون إلهام تمضغ
العلكة بشكل خاص تصدر معه صوتا معينا من فمها ، وتلوى أثناء ذلك شفتيها بطريقة بدت
له غير لائقة ، وشيئا فشيئا بدت له حركات المضغ مقرفة . حاول أن يزرع في الأم شيئا
من الأمل بشفاء اسماعيل وعودته اليهم ، لكن الهام فاجأته وقاطعت كلامه، ووجهت
كلامها الى أمها مباشرة
:
ـ ولماذا نضحك على أنفسنا بمثل هذا
الكلام يا أمي؟ لقد قال الأطباء أن حالته ميؤوس منها ؟
حاول أن يرد بشيء ، أن يواصل كلامه
مع الأم ، أن ينقذها من كلام ابنتها الذي يحشرها في زاوية الألم
:
ـ ولكن يا
...
ـ اعرف أن كلامي لا يعجبك ، ولا يعجب
أمي أيضا ، ولكن لو كان اسماعيل مات على الأقل أراح نفسه وأراح الاخرين
.
وانفجرت الأم باكية
:
ـ لا يصح يا ابنتي أن تتكلمي بهذا
الشكل عن أخيك !
وسمع الهام وهي تلوك علكتها وتطلق
صوتا من بين شفتيها المطليتين بلون فاقع
:
ـ انه أخي مثلما هو ابنك ، ولو مات
كنا على الأقل استفدنا من التعويض
.
وهو يغادر البيت مهموما ، كانت في
باله جملة الهام حول التعويض ، لم يعد يتذكر نحيب الأم ، ولا وجوه بقية أفراد
العائلة المتعبة ، وطول الطريق ، لم يعد يرى سوى فتحة فم الهام وهي تلوك علكتها
وصبغة احمر الشفاه الفاقعة ، وظلت ترن في باله الأصوات التي يطلقها الجميع وهم
يمضغون العلكة بشكل مقزز
.
وصل
إلى بيت أهله . فتحت له أخته باب الدار ، وكانت تطق بعلكتها وتفترش وجهها الفتي
ابتسامة امتنان ، أرادت أن تقول شيئا ما ، لكنه فجأة صاح بها
:
ـ ارم العلكة ... ارم العلكة
!
وتلوت
أمعاؤه ، وضغط شيء حامض على بلعومه ، زم شفتيه ، غامت عيناه خلف ضباب كثيف . سألته
أخته بفزع :
ـ ماذا ؟
لم
يرد بشيء ، رن كفه على خد أخته التي ذهلت للحظات ولم تهرب ، بل تسمرت في مكانها
وانهدت تعوي :
ـ لماذا ... لماذا ؟
جرى إلى الحمام ، وضع فمه في الحوض ،
وفتح صنبور الماء . كان صوت أمه يصله قويا يرن كجرس
:
ـ
ما الذي يجري ؟ (2)
خريف 1987
كوردستان ـ قرية بيرموس ( ريف
دهوك)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
العصاة : تسمية أستخدمها إعلام النظام الديكتاتوري المقبور دلالة على الثوار وقوات
البيشمه ركة ( الانصار )
الذين قاومو بالسلاح سلطة
الديكتاتورية في العراق .
(2) النص
من مخطوط قصصي يبحث عن ناشر.
|