|

1
كثيرون عرفتهم يافعاً وعقدتُ معهم مواثيق جليلة . تغيّر الزمان
وتفكّكت ذرى
الأشجار المحمومة للطفولة ، وهؤلاء الذين صعدتُ معهم المرض
والعافية
والسنوات الهذيانية للحروب ، لم يتغيّروا ولن يتغيّروا . متعبون
من ارث
الشارع ، ومن النوم في انحطاطاتهم الشائخة . ما تزال حيواتهم
على الرغم من
كهولتهم ، تمشي في تسطيح طويل للفن وقداسته . أحدهم أضاع
الأسلوب في
سيره الى جانب الأكواخ بكندا ، ولم يتمكن من قيادة السيارة أو
ركوب غيمة .
سنوات كثيرة وسط الأبنية العالية والأجناس واللغات المختلفة ،
ولم ينزع عنه
ستراتيجية الخوف من الأشباح { هل خلت كندا من النساء ؟ } ما
يحمله في
عقله وفي أعماقه ، غيلان فولكلور تتشيأُ قبضات عملاقة وتنخفض
فوق رأسه .
هؤلاء الذين عرفتهم في آب الطفولة ، أضاعوا الفوانيس في
الغوّاصات واندفنت
كراهيتهم للعالم في رماد أفكارهم وعاداتهم الشعبية .
2
كلّ سلطة أشدّ ترويعاً من المخاوف العذبة للموت ، إلاّ سلطة
الحبّ المتحفظة .
نموتُ ونتعفن في توقنا الى الذروة العالية للحياة آلاف المرات ،
وفي كلّ مرّة
يوقظنا سهم الحبّ المنغلق على الازهارات المحبوبة لشهب الأبدية
. تسترخي
الذكرى طويلاً على الحجارة الناحلة لليل ، ويمنحنا فيضها
المناقب المتقزحة
للأغنية الظمآنة للحبيب . نحضنه ، نعانقه في التضجرات المفسوخة
، والنجوم
تتعرج مهفهفة وتنثر الأرض في مغالق حجارتها الكريمة السمسم
للطاووس .
ما أجمل نسيم طيران الغرانيق على نوم العاشق والعاشقة ، ما أكثر
البذار في
ضفاف السرير . كحل العاشقة ثمار لكوكب الزُهرة ، والايماءات حطب
ُ يتوق
الى النار .
3
ما أحتاجه الآن وأنا أتوسد عشب الضفاف المتصدعة لماضي حياتي ،
كوّة تنفتح على الطوفان العقيقي للحظة . أشياء كثيرة عبرتها
وتغلغلت
في الطحالب الضحلة لصمتي . في الحقول التي تدربت فيها على موتي
خانتني الطبيعة وانغلق عليّ ليل البذور . ماذا تبغي من جروحي
حجارة
الصلوات ، وأنفاس الذين دفنتهم بالواح النجوم ، تومىء لي في
الحفاوة
الجليلة لتقدمي في السنّ ؟ هل يتوجب عليّ أن أقيس الأعماق
الداكنة
لألمي بالمقصَّات العمياء ، لكي أصعد صوب الخلاء المتخثرّ
للمستقبل ؟
كل طائر أطلقته في شبابي ، سدّت عليه الظلمة الجوّ وأنزلته الى
الحكل
الممزّق لفراغ حياتي المنطفئة .
4
يتحدثون عن كارثة احتجز نهايتها في الآبار ، ويشون بيّ الى
ممرضات مشفى
الشمس . أيامي العتيقة تنزلق كالخزف الصيني ، وتفرّ من بين يديّ
الساعات
والبيوت . في بلاد الجلادين ، ضربتني صاعقة وتفتّح لي بركان .
حياتي الهرمة
متواطئة مع قوارب الموتى ، ولا اشارة تحرّك أشجار الجزر التي
تسيّجني بمرارة .
أريد صواناً أعبر فيه الآفاق الجحيمية لماضييّ ، وأخلّص الآبار
من عفن الشائعات .
الكراهيات تتلفع بجلود مدافع ، ولا تستطيع أن تدمرنا بمثاقيلها
البدائية . النوم في خلاء
العالم الثالث يجعل الأزهار أكثر شراسة من الجندي في حراسته
لطوطم القبيلة .
5
تغيبين في الفيروز الأسود للزمن ، ونحلة حبّي المعصومة تخترق
كواكب السنوات
مقتفية أريج الأزهار اللامرئية لوجهكِ الكريم . حاجّاً صوب هيكل
جمالكِ الموشوم
بعناقيد الموت والحياة ، أوزع العطايا على المشتاقين الى
أنهارالنور . لماذا تعقصين
فجر غفرانكِ بين الظلمة الأسيانة للصمت ؟ نفسي المتعبة وقد
أعيتها جبال همالايا
فراقك في التقاطعات المهدمة ، تتلفت في طرقات العالم ، وتنصت
الى الاقحوان العليل
لشفاعتكِ الأخيرة . زمن طويل أحكّ في صخوره قناديل صلواتي ، من
أجل حماية بذرة
حبّكِ التي تظللها نعمة الله في قفار حياتي .
6
بردت انخيدوانا في احتضار جدائلها المحمّرة ، بردت في الشجرة
التي هجرها
العشّاق ، وتصدعت مرآتها في نوافذ الأيام المحبطة . زمنها الرث
نعاه الحمام
الى الغياب ، وتلاشى الشؤم فوق أهدابها المقرونة بصقيع السراج .
يرفض الحبَ
الاستعادة الهادئة للحظة ، ويطير سهمه دائماً عبر الطرق البيض
للهب . صلاحيات
كثيرة يمنحها ربيعه للعاشق ، ويطير الزعرور البري لذكرى ألمه في
جمرة الوجدان .
كل نظرة الى الخلف تمزق الصرخة العليلة للايمان في ميزان
الاعتدال ، وتحولنا
الظلال العذبة لما لا قدرة لنا على الامسالك به ، الى أوراد
عباد الشمس في التعذيب
وساعاته المتبصرّة .
7
تتجمّد حيواتنا في الأرض المغلقة والهازئة للشيخوخة
ونتصفح تحت تراب أسرّتنا رسائل الضحية .
نكّسرّ أبواب شجرة الليّف ونبحث عن الصنّاجات
التي نسيناها متذكرّين في النبع الصافي .
الماضي والحاضرّ لا يزيحان عن أياّمنا
شعورنا بالتمييز العنصري
وكلّ شيخ منّا لا يبالي أين يفرغ رماد تشظيه .
الرغبة والسعي ضاعا
ندير وجوهنا ونتبجح في ملاجىء منعزلة .
8
ما تبعثره الريح خلف خنادق طموحنا ، يرتدّ بقوة ويقوّض
التمائم الواقية لفجرنا المحتضر . لا النسيم يتمددّ فوق
شواطئنا ، ولا الربيع يطرح آلاته المجلجلة على قناديل
رحلاتنا الضنينة الى المدارات المهتزّة للعالم .
القانون في اضمحلاله العتيق ، لا يوّثق ما نتضجرّ
منه ، ولا يزيح التعديّات المحكمة لما يطيل التحلل
في قبور أسلافنا الذين احتفظوا بالاجهاضات المحمّلة
بكلّ ما يوصد الباب أمام سعينا في الوصول الى المرآة
الزرقاء لما وراء الوجود . ظهيرتنا المستندة على قداسة
ظلمتها ، تلهث في نهاية منتنّة . أحلامنا تتغطى بالطحالب
وأنهارنا تتطاير في صمغها الأفاعي والحشرات المهرطقة .
9
تنصتين محبوسة في زمن شبابكِ ، تحاولين الامساك بطيور النجوم
التي لوّثتها
تدفئتكِ للمال وثقل الذهب . أنتِ غدرتِ بالفن ، وتعرفين أنّ
قصائدك ِ الغنائية
أضاع نسيمها عشاقكِ السحرة العجائز ، ولم تعد لكِ أيّة مغالبة
ضد الجوع والطغيان .
سنوات طويلة جاهدتُ فيها من أجل أنّ أدلكِ على الأسرار الكبيرة
للكلمة في ارث
المستكشفين ، وكتبتُ لكِ : { ابتعدي عن الجسور التي يشيّدها
الموتى للوصول الى
ضفاف شبابكِ } وقلتُ لك : { الانقلاب على الحرّية فعل شائن وغير
سارّ } . تنصتين
محبوسة الى الطنين المحتضر لمتاعبكِ ، ولا تسمعين إلاّ الصدى
البعيد لسعال الغيلان .
10
حياة صعبة تقترب من الملامسة المريرة للكارثة
تصبح النجمة مثل رحلة تغيب عنها الملائكة والعصافير .
كثيرون يريدون العبور الآمن في تحركاتهم الهشّة التي
يهزّها الهواء فوق وميض الحدائق ، والمسافر لا ينسى
الفانوس في الغيوم المتكوّمة للضجر . تسوّد حياتنا من
خلال الوزن اللامغسول للرتابة ، ولا نكافح ما يلوّث المرايا
وما يشكّل التقوى الزائفة لتبجحاتنا اليائسة في مجاورة الحياة
الغاشمة . زوجتي التي أضاعت بمكرها مفاتيح تنفساتها ، تصرّ
على الطلاق ومغادرة البيت . ملامح الغضب في وجهها كثيرة
ومن الصعب اعادة تركيب اطر الماضي والمستقبل معها .
هل يتعلّق الأمر في عدم قدرتها على احتمال الثقل معي ؟
غداً حين ينتهي كلّ شيء ، وتجذف وحيدة في مياه انعتاقها
بعيداً عن البيت ، ستحاول النوم بصعوبة في ليلها الجيولوجي
ولا يسقط فوق مراياها المختومة نور نجمة . بعض الزوجات
الفاضلات ، لا يتلمسن العذر للسادة أزواجهن ، وزوجتي تتردّد
دائماً في المغفرة ، وتخفي رأسها في الظلمة المتعصبة للتناقضات
،
تكرّس يومها لمراقبة الأسرار والانصات الى ما يقوله الموتى في
نسيم الحجارة المسودّة ، وتعوّض الضغوط التي تتعرض لها
بتدمير جذور زيزفون حياتي . مداعبات أثقل من صخرة سيزيف ،
لكن حياتي الدائخة لا تكفّ عن اللمعان بين صفوف شتلات البصل .
ما يرهقني ، أوسده أعشاب اجابة مقتضبة ، وأواصل السيرّ مشبعاً
بذاكرة ناجحة .
8 / 8 / 2011 مالمو
Nasif-nasiry@hotmail.com
|