ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

 

fuadmirzairaq@gmail.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم,

 

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

تأسس عام 2003

 

 

 

 

نصيف الناصري

 حطب يتوق الى النار

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1

 

 

كثيرون عرفتهم يافعاً وعقدتُ معهم مواثيق جليلة . تغيّر الزمان وتفكّكت ذرى

الأشجار المحمومة للطفولة ، وهؤلاء الذين صعدتُ معهم المرض والعافية

والسنوات الهذيانية للحروب ، لم يتغيّروا ولن يتغيّروا . متعبون من ارث

الشارع ، ومن النوم في انحطاطاتهم الشائخة . ما تزال حيواتهم على الرغم من

كهولتهم ، تمشي في تسطيح طويل للفن وقداسته . أحدهم أضاع الأسلوب في

سيره الى جانب الأكواخ بكندا ، ولم يتمكن من قيادة السيارة أو ركوب غيمة .

سنوات كثيرة وسط الأبنية العالية والأجناس واللغات المختلفة ، ولم ينزع عنه

ستراتيجية الخوف من الأشباح { هل خلت كندا من النساء ؟ } ما يحمله في

عقله وفي أعماقه ، غيلان فولكلور تتشيأُ قبضات عملاقة وتنخفض فوق رأسه .

هؤلاء الذين عرفتهم في آب الطفولة ، أضاعوا الفوانيس في الغوّاصات واندفنت

كراهيتهم للعالم في رماد أفكارهم وعاداتهم الشعبية .

 

 

 

 

2

 

 

 

كلّ سلطة أشدّ ترويعاً من المخاوف العذبة للموت ، إلاّ سلطة الحبّ المتحفظة .

نموتُ ونتعفن في توقنا الى الذروة العالية للحياة آلاف المرات ، وفي كلّ مرّة

يوقظنا سهم الحبّ المنغلق على الازهارات المحبوبة لشهب الأبدية . تسترخي

الذكرى طويلاً على الحجارة الناحلة لليل ، ويمنحنا فيضها المناقب المتقزحة

للأغنية الظمآنة للحبيب . نحضنه ، نعانقه في التضجرات المفسوخة ، والنجوم

تتعرج مهفهفة وتنثر الأرض في مغالق حجارتها الكريمة السمسم للطاووس .

ما أجمل نسيم طيران الغرانيق على نوم العاشق والعاشقة ، ما أكثر البذار في

ضفاف السرير . كحل العاشقة ثمار لكوكب الزُهرة ، والايماءات حطب ُ يتوق

الى النار .

 

 

3

 

 

ما أحتاجه الآن وأنا أتوسد عشب الضفاف المتصدعة لماضي حياتي ،

كوّة تنفتح على الطوفان العقيقي للحظة . أشياء كثيرة عبرتها وتغلغلت

في الطحالب الضحلة لصمتي . في الحقول التي تدربت فيها على موتي

خانتني الطبيعة وانغلق عليّ ليل البذور . ماذا تبغي من جروحي حجارة

الصلوات ، وأنفاس الذين دفنتهم بالواح النجوم ، تومىء لي في الحفاوة

 الجليلة لتقدمي في السنّ ؟ هل يتوجب عليّ أن أقيس الأعماق الداكنة

لألمي بالمقصَّات العمياء ، لكي أصعد صوب الخلاء المتخثرّ للمستقبل ؟

كل طائر أطلقته في شبابي ، سدّت عليه الظلمة الجوّ وأنزلته الى الحكل

الممزّق لفراغ حياتي المنطفئة .

 

 

 

4

 

 

يتحدثون عن كارثة احتجز نهايتها في الآبار ، ويشون بيّ الى ممرضات مشفى

الشمس . أيامي العتيقة تنزلق كالخزف الصيني ، وتفرّ من بين يديّ الساعات

والبيوت . في بلاد الجلادين ، ضربتني صاعقة وتفتّح لي بركان . حياتي الهرمة

متواطئة مع قوارب الموتى ، ولا اشارة تحرّك أشجار الجزر التي تسيّجني بمرارة .

أريد صواناً أعبر فيه الآفاق الجحيمية لماضييّ ، وأخلّص الآبار من عفن الشائعات .

الكراهيات تتلفع بجلود مدافع ، ولا تستطيع أن تدمرنا بمثاقيلها البدائية . النوم في خلاء

العالم الثالث يجعل الأزهار أكثر شراسة من الجندي في حراسته لطوطم القبيلة .

 

 

 

 

5

 

 

تغيبين في الفيروز الأسود للزمن ، ونحلة حبّي المعصومة تخترق كواكب السنوات

مقتفية أريج الأزهار اللامرئية لوجهكِ الكريم . حاجّاً صوب هيكل جمالكِ الموشوم

بعناقيد الموت والحياة ، أوزع العطايا على المشتاقين الى أنهارالنور . لماذا تعقصين

فجر غفرانكِ بين الظلمة الأسيانة للصمت ؟ نفسي المتعبة وقد أعيتها جبال همالايا

فراقك في التقاطعات المهدمة ، تتلفت في طرقات العالم ، وتنصت الى الاقحوان العليل

لشفاعتكِ الأخيرة . زمن طويل أحكّ في صخوره قناديل صلواتي ، من أجل حماية بذرة

حبّكِ التي تظللها نعمة الله في قفار حياتي .

 

 

 

6

 

 

بردت انخيدوانا في احتضار جدائلها المحمّرة ، بردت في الشجرة التي هجرها

العشّاق ، وتصدعت مرآتها في نوافذ الأيام المحبطة . زمنها الرث نعاه الحمام

الى الغياب ، وتلاشى الشؤم فوق أهدابها المقرونة بصقيع السراج . يرفض الحبَ

الاستعادة الهادئة للحظة ، ويطير سهمه دائماً عبر الطرق البيض للهب . صلاحيات

كثيرة يمنحها ربيعه للعاشق ، ويطير الزعرور البري لذكرى ألمه في جمرة الوجدان .

كل نظرة الى الخلف تمزق الصرخة العليلة للايمان في ميزان الاعتدال ، وتحولنا

الظلال العذبة لما لا قدرة لنا على الامسالك به ، الى أوراد عباد الشمس في التعذيب

وساعاته المتبصرّة .

 

 

7

 

 

تتجمّد حيواتنا في الأرض المغلقة والهازئة للشيخوخة

ونتصفح تحت تراب أسرّتنا رسائل الضحية .

نكّسرّ أبواب شجرة الليّف ونبحث عن الصنّاجات

التي نسيناها متذكرّين في النبع الصافي .

الماضي والحاضرّ لا يزيحان عن أياّمنا

شعورنا بالتمييز العنصري

وكلّ شيخ منّا لا يبالي أين يفرغ رماد تشظيه .

الرغبة والسعي ضاعا

ندير وجوهنا ونتبجح في ملاجىء منعزلة .

 

 

8

 

 

ما تبعثره الريح خلف خنادق طموحنا ، يرتدّ بقوة ويقوّض

التمائم الواقية لفجرنا المحتضر . لا النسيم يتمددّ فوق

شواطئنا ، ولا الربيع يطرح آلاته المجلجلة على قناديل

رحلاتنا الضنينة الى المدارات المهتزّة للعالم .

القانون في اضمحلاله العتيق ، لا يوّثق ما نتضجرّ

منه ، ولا يزيح التعديّات المحكمة لما يطيل التحلل

في قبور أسلافنا الذين احتفظوا بالاجهاضات المحمّلة

بكلّ ما يوصد الباب أمام سعينا في الوصول الى المرآة

الزرقاء لما وراء الوجود . ظهيرتنا المستندة على قداسة

ظلمتها ، تلهث في نهاية منتنّة . أحلامنا تتغطى بالطحالب

وأنهارنا تتطاير في صمغها الأفاعي والحشرات المهرطقة .

 

 

9

 

 

تنصتين محبوسة في زمن شبابكِ ، تحاولين الامساك بطيور النجوم التي لوّثتها

تدفئتكِ للمال وثقل الذهب . أنتِ غدرتِ بالفن ، وتعرفين أنّ قصائدك ِ الغنائية

أضاع نسيمها عشاقكِ السحرة العجائز ، ولم تعد لكِ أيّة مغالبة ضد الجوع والطغيان .

سنوات طويلة جاهدتُ فيها من أجل أنّ أدلكِ على الأسرار الكبيرة للكلمة في ارث

المستكشفين ، وكتبتُ لكِ : { ابتعدي عن الجسور التي يشيّدها الموتى للوصول الى

ضفاف شبابكِ } وقلتُ لك : { الانقلاب على الحرّية فعل شائن وغير سارّ } . تنصتين

محبوسة الى الطنين المحتضر لمتاعبكِ ، ولا تسمعين إلاّ الصدى البعيد لسعال الغيلان .

 

 

10

 

 

حياة صعبة تقترب من الملامسة المريرة للكارثة

تصبح النجمة مثل رحلة تغيب عنها الملائكة والعصافير .

كثيرون يريدون العبور الآمن في تحركاتهم الهشّة التي

يهزّها الهواء فوق وميض الحدائق ، والمسافر لا ينسى

الفانوس في الغيوم المتكوّمة للضجر . تسوّد حياتنا من

خلال الوزن اللامغسول للرتابة ، ولا نكافح ما يلوّث المرايا

وما يشكّل التقوى الزائفة لتبجحاتنا اليائسة في مجاورة الحياة

الغاشمة . زوجتي التي أضاعت بمكرها مفاتيح تنفساتها ، تصرّ

على الطلاق ومغادرة البيت . ملامح الغضب في وجهها كثيرة

ومن الصعب اعادة تركيب اطر الماضي والمستقبل معها .

هل يتعلّق الأمر في عدم قدرتها على احتمال الثقل معي ؟

غداً حين ينتهي كلّ شيء ، وتجذف وحيدة في مياه انعتاقها

بعيداً عن البيت ، ستحاول النوم بصعوبة في ليلها الجيولوجي

ولا يسقط فوق مراياها المختومة نور نجمة . بعض الزوجات

الفاضلات ، لا يتلمسن العذر للسادة أزواجهن ، وزوجتي تتردّد

دائماً في المغفرة ، وتخفي رأسها في الظلمة المتعصبة للتناقضات ،

تكرّس يومها لمراقبة الأسرار والانصات الى ما يقوله الموتى في

نسيم الحجارة المسودّة ، وتعوّض الضغوط التي تتعرض لها

بتدمير جذور زيزفون حياتي . مداعبات أثقل من صخرة سيزيف ،

لكن حياتي الدائخة لا تكفّ عن اللمعان بين صفوف شتلات البصل .

ما يرهقني ، أوسده أعشاب اجابة مقتضبة ، وأواصل السيرّ مشبعاً

بذاكرة ناجحة .

 

8 / 8 / 2011 مالمو

 

 

 

Nasif-nasiry@hotmail.com

 

 

 

 

 


نرحب بكم في موقع الكاتب العراقي     الموقع يكفل كامل الحرية للتعبير  عن الموقف ووسائل الإبداع.. ولكن الكاتب يبقى  وحده  مسؤول عن حريتة و كتاباته