
ينعكس ضوء القمر على وجه حبيبتي ، فتبدو
الشامة التي على خدها، أكثر توهجا، تثيرني ، فانجذب إليها واهيم في سحرها.
كنت أقبلها عشر مرّات، وليلى تضحك قائلة:
كُفّ عنّي ! ألا تكفيك واحدة !
.......
حدّ الثمالة ، أتيهُ في سحر
شامات حبيبتي ، قول شاعر.
لكن ( ميشيل) تقول: انت مجنون ! وانا أعدُّ
الشامات على جسدها،...
أريد أن أقبّل كل شامة عشر مرّات وأضاعف
القبل مع الكبيرات منهنّ .
بحثتُ عن مكنونات الشامات ودلالات مواقعها
ومعانيها على الجسم .
قال المغني : أنا اشتري بالروح شامة خدها .
تثيرني الشامة ، في الوجه ، أو تحت الشفة ،
أو خلف الرقبة ،فاحنُّ الى ليلى.
سمعت في العاشرة من عمري ، من كبار السن "
إن القمر صديق العشاق " لم أعر الموضوع أهمية ، ربّما لأني صغير ، ولم يحنْ
بعد " جنون الحب " كما يسميه البعض في محلتنا القديمة ، (بغداد) . ومع
الزمن وتقادم السنين عرفت ، كيف يكون القمر صديق العاشقين ، في لياليهم
الطويلة ، خازنا لأسرارهم ، لهفاتهم ، مناجاتهم .وعرفت أكثر في الغربة أن
الحَمام والنجوم تشاطر القمر أسرارهم ،...
بيّنَ العلم : الوانها مختلفة بين الاحمر
الفاتح والاسود الغامق ، ولبعضها ذؤبات قد تكون سرطانية وللبعض منها تظهر
شعيرات في وسطها .
..القمر اقرب الأصدقاء إليّ،
يطلّ عليّ ، أينما أقمت في المنفى ، وحده يسال عني ، في السراء والضراء،
يجتاز البلدان والقارات، لا تمنعه حدود. أحدّثه ويحدّثني ، في ليال
الغربة ، ينقل إليّ أخبار الأهل ، فأرى صورهم على محياه . قال لي:
" وحدك في هذا الليل يا غريب !"
كنت اجلس في شرفة الشقة الصغيرة هنا في
مدينة (فينكس) ولاية ( أريزونا )، حين أطلّ بدرا ، أدخن ، وعيناي تبحثان عن
حركة الحياة في البنايات المقابلة لشقتي، والحدائق المتناثرة أمامها .
أجبت :" لم يطرق النوم بابي ، ولا أنا ذهبت
إليه ."
" ما السبب ؟"
" لا صوت يكسر وحدتي، احدث نفسي كمجنون "
"والناس؟"
"الناس نوعان يا قمر :ناس اعرفهم
ويعرفونني، لا وقت لديهم ، وناس يخشون الغريب "
تلألأت البؤر السوداء فيه ، كدمعات أسى ،
تخيلتها شامات ليلى.
" بعض الشامات اورام سرطانية ،"
قال بَعْض أهل الطب واضاف " تتغير احجامها
، الوانها ، والبعض منها تحدث حكة ، وقد تنزف دما ، ومن علامات الاورام قد
تظهر شامات بعد سن العشرين "
وحدّثته كما حدّثني ، حديث العاشق إلى
العاشق .
" فعلت كل شيء يا قمر. طيفها
يطاردني في الصحوة والنوم ."
"جرب ان تنسى ."
قلت:" حاولت مرّات يا قمر، لكن دون جدوى."
عشرون سنة ، وأنا أحاول أن أحافظ على ما
تبقى من تقاسيم وجهها وجسمها في ذاكرتي. انتظرت وصبرت سنين طوال ، لكن ليس
هناك أمل ، سوى الألم . قلبي يتحّرق شوقا لرؤيتها ، وعيناي لا ترى غيرها ،
فاحنُّ إليها .أتخيلها فأرى صورتها على وجه القمر . هل تزوجت ؟ كم طفلا
لديها ؟ ما اعمارهم ؟ هل هي حيّة وقد نجت من كل المصائب والكوارث التي حلت
بأهلنا هناك ؟
.. تبادلنا القُبل على
الشامات ، ونحن نشرح معانيها . قبَّلتُ الشامة التي تقع خلف رقبتها وقلت :
إنَّها الحنان. وقبّلتْ هي شامتي على الشّفة وقالت : هي التسامح .مَضيتُ
استكشف مفاتن الجسم بالبحث عن الشامات مع التّقبيل ، واحدة في الجانب
الأيمن للشفة السفلى :مرحى ، وواحدة خلف رقبتها من الجانب الأيسر اكبر من
الأولى هي للاثارة ، وثلاث صغيرات عند فكها الأيمن: انيقة ، وما بين
النهدين واحدة كبيرة وأسفل منها اثنتان كبيرتان : قلت : حبيبي متقلب وكسول
ومشاكس، ضحكت هي واردفت: شامتك على العين، تعني الصدق وصاحبها يحتاج حب
الاخرين كي ينسى معاناته ، وسارعتُ اقبل واحدة على الثدي ، وانا اقول إنها
الوفاء.وهناك عشرون شامة موزعة على الظهر: مرزوق صاحبها ، وعلى فردتي
مؤخرتها ثلاث وفي القدم اثنتان : للهدوء والحاجة الى حياة متوازنة ، وأجمل
ما في شاماتها شامتان على طرفي حديقتها حيث يسجد العاشق ، هي الشهوة.
سألتُ عن ليلى، حين عدتُ الى (بغداد)
قالت أمي : إنها ماتت بالسرطان قبل سنة !
لم اصدَّقْ ! بكيتُ .. تُرى هل شاماتها
كانت من النوع السرطاني أم إن سرطانها نجَم عن القنابل المحرمة في الحرب ؟