ثقافة وأدب

 

المواد ترسل الى

 

fuadmirzairaq@gmail.com

 

  يجري تحديث الصفحات الثقافية أسبوعيا, ونعتذر عن نشر المواد, التي سبق وجرى نشرها على النت, لطموحنا الدائم, تقديم الجديد من نصوص الثقافة والإبداع.

 

 

 

موقع الكاتب العراقي

 

 

قصة/

 احمد جاسم العلي

 العورات.

 

 

 

 

قبل ذلك اليوم وبعد ذلك اليوم تعودت ان البس ملابسي كاملة قدرالإمكان، وأحاول ان لا يظهر من عوراتي شيء لا في البيت ولا خارج البيت؛ في تعاملي مع الآخرين، في الشارع أو في السوق أو في مكان العمل، إلا في حالات قليلة أنسى فيها نفسي؛ أين أكون ومع من أجلس وكيف أتعامل وما هو المطلوب مني تأدبا وإحتراما في المقام الذي أكون موجودا فيه، كل ذلك بحكم كبر سني وبداية ضمور قدراتي العقلية والذهنية وضعف التركيز في الموقف الذي أجدني امامه. ولكنها حالات، كما قلت، قليلة وغير معيبة ولا مفضوحة جدا ولا تؤدي إلى نتائج وعواقب وخيمة عليَّ ولا على الآخرين، الذين بدورهم قد يظهر شيء من عوراتهم امامي خلال جلوسي معهم أو تعاملي معهم يوميا، خاصة ممن هم في مثل عمري ويعانون مما أعاني بسبب التقدم في السن، . ولكن الناس، اكثر الناس، كانوا مجبرين قبل ذلك اليوم ان لا يكشفوا عن عوراتهم عندما يتعاملون يوميا فيما بينهم خارج بيوتهم؛ في الأسواق، في الشارع، في أماكن اعمالهم إلا بقدر معلوم ومسموح به، وان يلبسو ملابس تستر وتخفي الكثير من عوراتهم وتُظهر وتفضح القليل. لم يكن ذلك بسبب شعورهم بالعيب والخجل امام بعضهم البعض في تعاملاتهم اليومية، ولا أمرا تفرضه الأخلاق والأعراف الاجتماعية المحافظة، ولكن بسبب الخوف من السلطة وبطشها الذي روضت عليه الناس طوال عقود من الزمن. كانت السلطة تمنع الناس من ان يكشفوا عن عوراتهم امام بعضهم البعض في تعاملاتهم اليومية خارج البيت، وحتى داخل البيت احيانا، ليس بسبب حرصها على الأخلاق وما تقتضيه القيم والأعراف في المجتمع المحافظ، ولكن بسبب ان الناس كانوا سيهددون النظام الصارم للسلطة الحاكمة إذا أتاحت لهم يوما حرية كشف عوراتهم كلها امام بعضهم البعض بلا خوف ولا حرمة ولا عيب ولا خجل، ولا يعود حينها لذلك النظام الصارم الحاكم القدرة في التسلط عليهم والإستمرار في حكمهم كما يشاء وتقرير مصيرهم كما يريد لأن الحكم سيكون يومها للشعب بفضل الحرية والديمقراطية.

كانت السلطة واجهزتها الأمنية والمخابراتية هي التي تحتكر لوحدها كشف عوراتها كاملة امام الناس بلا خوف ولا حياء، ضاربة عرض الحائط، كما يقولون، الشرع والأخلاق والمبادىء الإنسانية. وكان الناس، كل الناس، يخافون السلطة وينقادون لها وما تأمر به ويرسمون حدود حياتهم اليومية وفق مشيئة السلطة وارادتها، ولا يستطيعون فعل أي شيء لرد وإتقاء ما يمكن ان يحدث لهم إذا ما أرادت السلطة كشف عوراتها امام أعينهم في أي وقت وفي أي مكان. وكان الناس، أكثر الناس، لا يستطيعون الكشف عن إراداتهم ورغباتهم وما يحبون في الحياة، حقا أو باطلا، إلا بالقدر الذي يستطيعون به تمشية أمور حياتهم اليومية، بسبب رقابة السلطة الشديدة عليهم وسد المنافذ والأبواب بوجوههم ومنعهم من تحقيق ما يريدون ويرغبون وما يحبون ان يفعلوا في حياتهم، حراما أو حلالا، إلا ما تسمح به لمن تريد من خلصائها وترخص له. كان الناس، اكثر الناس، يحاولون بكل جهدهم أن لا ينكشف إلا المسموح به من عوراتهم إذا ما حدث وتنازعوا وتخاصموا وتعاركوا فيما بينهم في تعاملاتهم اليومية، في السوق، في الشارع، في أماكن العمل، حتى لا تعرف السلطة عن طريق جواسيسها المنتشرين في كل مكان، حتى في بيوتهم أحيانا. كانوا يفضلون فض نزاعاتهم وخصوماتهم وعركاتهم فيما بينهم إذا ما إشتدت وتفاقمت وتأزمت حتى لا يضطروا إلى الذهاب لمراكز الشرطة فتعرف السلطة أنهم كشفوا أو إنكشفت اجزاء كثيرة من عوراتهم اكثر مما تسمح لهم وترخص به فتعاقبهم كلهم؛ المعتدي والمعتدى عليه.

في ذلك اليوم لم يصدق الناس، إلا القليل منهم، ما يحدث منذ الفجر، وبقوا، وأنا واحد منهم، رغم مرور أيام على ما حدث، خائفين ومترقبين وحذرين. وفي تعاملاتهم اليومية القليلة في تلك الأيام الأولى بعد سقوط النظام كان الناس، اكثر الناس، يلبسون ملابس كاملة تستر وتخفي كل عوراتهم حتى تلك الأجزاء القليلة التي اعتادوا الكشف عنها امام بعضهم البعض في تعاملاتهم اليومية قبل سقوط النظام. وبالنسبة لي، فإن تلك الأيام الأولى جعلتني لا أكشف حتى عن بعض عوراتي البسيطة في البيت عندما أتخاصم مع زوجتي أو أغضب مع واحدة من بناتي. كان الناس، غالبيتهم، غير مصدقين ان تنزل عليهم من السماء فجأة نعمتا الخلاص من الظلم والحرية بعد العبودية، ولا مستعدين لتقبل هاتين النعمتين وبدأ حياة جديدة قبل ان يتضح كل شيء ويصير ما حدث حقيقة وواقع قائم. ولم يكونوا واثقين من أنهم تخلصوا من السلطة التي كانت تمنعهم من كشف كامل عوراتهم في تعاملاتهم اليومية، حقا أو باطلا قبل ان يمر وقت ويطمأنوا إلى ما صاروا إليه من حال جديد ويبدأوا بتذوق طعم الحرية والإنعتاق ويشرعوا تبعا لذلك في كشف عوراتهم كاملة امام بعضهم البعض في تعاملاتهم اليومية.

وبسبب عادة الفضول عندي وحب التعرف على الأشياء خرجت في اليوم الثاني من ذلك اليوم التاريخي لأشاهد النتائج الأولية للحدث الرئيسي الذي كان قد تم وأُنجز ولأرى ما يحدث بعده في الأيام التالية.

" وين رايح من الصبح الشوارع خالية والناس كلها خايفه وكاعده ابيته " قالت زوجتي. كنا نتناول طعام الإفطار حول مائدة المطبخ.

" اصوات ناس بالشارع صحيح اكثرهم في بيوتهم ولكن توجد حركة بالشارع " قلت.

" انت وين رايح شتريد تسوي "

" اريد اروح إلى بغداد أريد أشوف حقيقة الذي صارالبارحة وكيف الوضع هناك بالعاصمة الاذاعات تكول صار نهب وسلب وتخريب وحرائق للمؤسسات الحكومية والأهلية والأماكن والأموال العامة "

" السلب والنهب والتخريب والحرائق ممكن يصير بكل مكان يعني لازم تروح لـ (بغداد) روح لـ (البياع) روح لـ (الدورة) روح لـ (السيديه) هذه المناطق القريبة من منطقتنا الذي يصير بهذه المناطق وغيرها ممكن يصير إبغداد " قالت.

" لا ما يمكن ان يحدث يحدث في بغداد أولا وما يحدث في بغداد أولا يحدث خارج بغداد ثانيا بالضرورة "

" وانت شنو اللي يهمك من كل هذا " سألت ثم إستدركت " آني اعرف تريد تكتب قصص " وأضافت " لا تطلع عيني وين تخلينه وحدنا بالبيت آني والبنات نخاف "

" ما عليكم شي سدو الباب ولا تفتحوها لأي واحد "

" يعني لازم تطلع اليوم " سألت.

" لازم أريد أعرف الذي يجري في بغداد خلال هذه الأيام التاريخية "

++++++++++

في تلك الأيام كنا نسكن في حي (الإعلام) إحدى ضواحي بغداد على مسافة عشرين كيلومتر تقريبا من العاصمة. خرجت من الدار ومشيت الى الشارع العام. كان صباحا جديدا، غريبا، صامتا وغامضا، لا تسمع فيه ضجيج السيارات كما في كل صباح، ولكنك تسمع أصوات قصف وانفجارات متقطعة تصاحبها اصوات كلاب تنبح آتية من بعيد. كنت ترى أطفالا يلعبون كرة القدم في منتصف الشارع العام الفارغ الذي لا تمر فيه إلا سيارة او سيارتين بين حين وآخر وإلا من عدد قليل من الأشخاص المتفرقين يمشون على جانبي الشارع، صامتين وقد نكسوا رؤوسهم إلى الأرض، لا أدري إلى أين يذهبون. تفاديت وأنا أعبر الشارع إلى الجهة الثانية سيارة لوري كبيرة مرت بسرعة. كانت تحمل أغراضا مختلفة إستطعت تمييز بعضها؛ ثلاجات، مبردات، أثاث، تلفزيونات، مكتبات. كان واضحا أنها ليست أثاث عائلة تنتقل من دار إلى دار أخرى. كان يجلس إلى جانب سائق اللوري شخصان يلوح على وجه أحدهما التعب والأرهاق والآخر الأرتياح والرضى. كانوا قادمين من جهة بغداد ومتجهين إلى جنوبها وقد علق السائق في مقدمة السيارة، من جهته، علما أبيض كما يرفع الجندي الذي يريد ان يسلم نفسه للعدو في الحرب، كما فكرت. وصلت إلى الخط السريع الذي يصل بين بغداد ومحافظات الوسط. عبرت الشارع الفارغ إلى الجانب الآخر ووقفت وقتا طويلا على الرصيف عند تقاطع (الدورة) انتظر سيارة عامة. كان يمر بي عدد من المواطنين يمشون باتجاه بغداد قادمين من جنوبها. كان بعضهم ينظر بين حين وحين إلى الخلف ليرى إن كانت ستأتي سيارة حمل او كوستر ركاب عامة. ومشيت أنا الآخر. كانت تأتي بين فترة وأخرى سيارة حمل صغيرة وقد تكدس في حوضها الخلفي عشرة أو اكثر من الأشخاص، وعندما كانوا يلوحون له بالتوقف يرفع يده بما معناه: وين اخليكم، ماكو مكان. لم أكن اعرف إلى أين يذهب الجميع، فالأعمال الحكومية والأهلية متوقفة في كل مكان تقريبا والوضع لم يكن قد هدأ واستقر بعد والدوريات العسكرية الأمريكية بدأت تجوب الشوارع. وعندما وصلت إلى سايلو الحبوب في (الدورة) الذي يقوم على مسافة قصيرة من الشارع العام رأيت مجموعة من الأشخاص تقف على الرصيف المقابل لبوابة السايلو، بينما وقف شخصان مسلحان امام مدخل السايلو. وبين حين وآخر كان الأشخاص، واكثرهم شباب، يحاولون التقدم إلى سيارة ركاب كوستر تبدو بحالة جيدة جدا وأخرى (بيكاب آب) حمل كانتا متوقفتين عند بوابة السايلو. وكلما اقترب الشباب من السيارتين تقدم منهم الشخصان المسلحان اللذان كانا، كما يبدو، حارسين في السايلو المهجور، وهددا الشباب بسلاحهما فيتراجع هؤلاء متراكضين ليتوقفوا على الرصيف المقابل في انتظار القيام بمحاولة أخرى للتقدم إلى السيارتين. كانوا قد جاؤا إلى هنا من أماكن قريبة، كما يظهر، منهم من لبس البيجاما البيتية ومنهم من لبس الدشاديش ومنهم، إثنان أو ثلاثة، من لبس البنطلون والقميص. وفي كل مرة يتقدمون فيها باتجاه السيارتين فيما يشبه الهجوم عليهما يرفع من يلبس الدشاديش منهم دشداشته إلى فوق ويضع طرفها السفلي في فمه حتى لا يعثر فيسقط على الأرض، كما قدرت، وهو يركض باتجاه السيارتين. توقفت لاتفرج بينما مضى الآخرون في طريقهم. ولكني ركضت بسرعة مبتعدا عندما اضطر الحارسان هذه المرة لأطلاق العيارات النارية في الهواء لتخويف الشباب الذين تراجعوا هذه المرة إلى مسافة بعيدة وتوقفوا في أنتظار جولة أخرى للتقدم من السيارتين. ولا أدري، لم تُركت السيارتان خارج مجمع السايلو المهجور وليس بداخله حفاظا عليها. لم أحاول اللحاق بالأشخاص الذين سبقوني وبقيت التفت إلى الخلف لأرى كيف سينتهي الأمر بين الأشخاص المتربصين بالسيارتين والحارسان اللذان يحاولان منع هؤلاء من التقدم إليهما. اقتربت من الجسر الصاعد من منطقة (الجادرية) والنازل إلى منطقة (البياع) كانت تقف تحت الجسر مفرزة عسكرية أمريكية تفتش، كما لاح لي من بعيد، السيارات القليلة القادمة من جنوب بغداد. لم اقترب من المفرزة وعبرت الشارع إلى الجانب الثاني منه وواصلت سيري باتجاه بغداد. كنت اتخيل ما الذي كان يحدث في بغداد؛ هل كانت هادئة والناس فيها باقين في بيوتهم لم يخرجوا منها خوفا مما حدث ويحدث وسيحدث في الأيام القادمة، أم ان بغداد تعمها المظاهرات والمسيرات إبتهاجا وفرحا بسقوط النظام الحاكم الذي كان يمنعهم ويحرم عليهم ان يكشفوا عن عوراتهم كاملة وبحرية في تعاملهم ومعاملاتهم يوميا فيما بينهم. وصلت إلى جامع (أم الطبول،) وكان عليِّ ان أمر هذه المرة بدورية عسكرية أمريكية تتألف من ثلاث سيارات (همر) كانت تتوقف بجانب رصيف الجامع. لم أقترب من الدورية حين شاهدتها من بعيد، وعبرت الشارع إلى الجانب الآخر منه وواصلت السير. وخيل إليِّ ان الجنود الذين يبرزون من فتحة في أعلى السيارات الثلاث يراقبونني، أنا الذي أسير وحدي في الشارع. رجف قلبي وشعرت بدقاته السريعة التي لم تهدأ حتى صرت بعيدا عن الدورية وقريبا إلى ساحة (قحطان.) وفكرت وأنا اجتاز مستشفى (اليرموك) ان الأمريكان سيمنعون أي عمليات سلب ونهب وحريق وتخريب، خاصة في بغداد، ما داموا ينتشرون هكذا بسيطراتهم ودورياتهم في كل مكان. وعندما اقتربت من تقاطع ساحة (النسور،) قبل المرور بمنطقة (الحارثية،) رأيت من بعيد أشخاصا يعبرون الشارع ذهابا وايابا بالقرب من احد قصور صدام، رئيس النظام العراقي السابق وكأنهم يدخلون ويخرجون منه. وعندما اقتربت من المكان شاهدت وتأكدت ان هؤلاء الأشخاص يدخلون ويخرجون من القصر؛ من يدخل يدخل فارغ اليد، لا يحمل شيئا، ومن يخرج يخرج حاملا بيديه الإثنتين أشياء مختلفة. وعندما اقتربت اكثر رأيت بوابة القصر الكبير مفتوحة أو مكسورة، لم أتبين جيدا، ومجاميع صغيرة من الناس من مختلف الأعمار تقريبا. واستوقفني مشهد رجل في عمر الخمسين تقريبا، يحمل ثريا كبيرة على كتفه وينوء بها.

" يا وليد يا وليد " إلتفت إلى الخلف فإذا به ينادي عليِّ مقطوع النفس. " ساعدني بويه اريد اعبر الشارع بحياة اُوبوك " قال وهو واقف على الرصيف، يترنح بالثريا.

" هذه منين اخذته من القصر " سألته مبتسما.

" اكو بعد هواي غراض بالقصر كِلش هواي " قال. " ساعدني بويه اعبر الشارع وارجع إنت إخذلك جم حاجة يله اخوي سبع " قال دون ان يستطيع الثبات على الأرض.

" انت ما تخاف من الأمريكان إذا مرو من هنا وشافوك بهاي الحال " سألته.

" الأمريكان ما يحجون بويه كل شويه يمرون من هنا يشوفون وما يحجون ولا يسوون نه شي " قال وكرر طلبه مني بمساعدته على عبور الشارع.

" ليش يشوفوكم وما يسوون شي " سألته.

" مو إحنه كلما نشوفهم جايين من بعيد بسياراتهم نرفع علم ابيض جِدامهم إلى ان يمرون " قال.

" ماذا يعني هذا العلم الأبيض لماذا ترفعوه " سألته.

" يعني إحنه ناس مسالمين ما شايلين سلاح ولا جايين ننهب ولا نبوك وإحنه وياكم لا تخافون بويه هله بيكم " قال وأضاف وقد نفد صبره كما يبدو. " ساعدني بويه اعبر الشارع بحياة أُوبوك سيارة البيكآب واجفه هناك إتانيني " قال. كان الرجل يلبس دشداشه بيضاء بدأت تتوسخ وتتلطخ بالبقع السوداء بسبب كثرة دخوله وخروجه من القصر حاملا أشياء منه، كما يبدو. رفع إلى فوق الدشداشه ووضع طرفها السفلي في فمه لكي لا يعثر في الطريق فيسقط على الأرض، كما قدرت. وظهر بين ساقيه العاريتين لباسه الداخلي، الرث والوسخ، الخفيف والشفيف، ومن خلف هذا اللباس الداخلي الخفيف والشفيف بانت عورته وهي تتأرجح يمينا ويسارا بفعل تأرجحه وهو يحمل الثريا الثقيلة على كتفه. هززت رأسي وتركته مبتعدا عنه. بقيت اشاهد ما يحدث، واقفا على الرصيف المقابل للقصر الذي قُصفت قمته التي تشبه قمة مسجد الصلاة. كانت الدوريات العسكرية الأمريكية في سيارات الـ همر تمر بين حين وآخر من امام القصر، ذهابا وايابا في الشارع. وانتظرت ان تقف إحدى هذه الدوريات لتردع هؤلاء الذين يدخلون القصر ويخرجون حاملين مختلف الأغراض والأشياء، الخفيف منها والثقيل. وتابعت سيري مرة أخرى، وفكرت وأنا اتقدم باتجاه بغداد، ما الذي يحدث الآن في هذه المدينة التي شهدت عبر تاريخها النضالي الطويل ضد الأنظمة الظالمة المظاهرات والأعتصامات والأحتجاجات والصدامات مع الأجهزة الأمنية لتلك الأنظمة القمعية التي قتل فيها من قتل وجرح من جرح وسجن من سجن من العراقيين الوطنيين.

من بعيد وقبل ان اصل إلى تقاطع معرض بغداد الدولي لمحت سيارات الـ همر الأمريكية تقف في عرض الشارع عند مدخل (الحارثية) والجنود الأمريكيين ينتشرون في الشارع باسلحتهم الرشاشة. عرفت ان الطريق مغلق بوجه السيارات والمارة، لماذا؟ لا أدري. ولم أنتظر لأرى ما الذي يحدث؛ عدت في نفس الطريق وقررت العودة إلى البيت. فكرت: غدا سأقوم بجولة جديدة من بيتنا إلى بغداد، وسأمشي في طريق آخر حتى أصل إلى المدينة. وقبل ان ادخل في الشارع المؤدي إلى منطقتنا، حي الإعلام، شاهدت من بعيد ما كان يحدث لأحد قصور صدام في ساحة (النسور،) ولكن هذه المرة في مؤسسة حكومية خدمية هي (معمل تصليح المكائن والمعدات.) إقتربت من المكان. كان المكان مزدحما بالناس وسيارات حمل كبيرة وصغيرة تقف عند باب المعمل، وكان أشخاص يدخلون ويخرجون حاملين إطارات المكائن الكبيرة والبطاريات الخاصة بها وصناديق كبيرة لم تفتح بعد، لا أدري ماذا كانت تحتوي ولكني خمنت أنها أدوات إحتياطية للمكائن والمعدات العاطلة والمراد تصليحها في المعمل لم تستعمل بعد. كان بعضهم قد جاء بالدشاديش، وقد رفعوا هذه الدشاديش إلى فوق ووضعوا طرفها السفلي في أفواههم، خشية التعثر بها والسقوط على الأرض، كما قدرت. ولمحت وأنا أقترب اكثر من المكان، عورات هؤلاء تتأرجح من خلف لبسانهم الداخلية وهم يركضون مترنحين بالأشياء الثقيلة التي يحملونها إلى السيارات الواقفة عند باب المعمل. وتخيلت ان عورات الذين لم يكونوا يلبسون دشاديش كانت تتأرجح هي الأخرى خلف بنطلوناتهم ولبسانهم الداخلية يمينا وشمالا بسبب تأرجح أصحاب هذه العورات في مشيهم وهم يحملون الأشياء الثقيلة خارجين من المعمل إلى حيث تقف سيارات الحمل الكبيرة والصغيرة.

++++++++++

" ها الله يساعدك وصلت بغداد شكو ماكو " سألت زوجتي قبل ان اجلس على الأريكة في الصالة لارتاح من تعب الجولة التي قمت بها.

" أنا تعبان أريد ارتاح قليلا بعدين اقص عليك ما شاهدت " قلت متأوها. كانت الساعة قد جاوزت الرابعة عصرا، والبنات لم يعدن من دوام العصر في المدرسة.

" في بغداد " سألت.

" لا ما وصلت بغداد الأمريكان قاطعين الطريق امام معرض بغداد الدولي "

" وين وصلت" سألت.

" للحارثية "

" شفت ناس طالعين مظاهرات اقصد مظاهرات تأييد وفرح تخلصو من نظام صدام "

" لا " أجبت. " إحتمال طالعين مظاهرات في بغداد " أضفت مستدركا.

" إنت إذا ما تشوف شنو الذي يصير في بغداد ما ترتاح " قالت. " موكتلك الذي يصير خارج بغداد يمكن يصير في بغداد يا عيني"

" قلت لك لا ما يمكن ان يحدث يحدث في بغداد أولا وما يحدث في بغداد أولا يحدث خارج بغداد ثانيا بالضرورة لأن المدينة ...."

" .... يعني باجر هم تطلع تروح لبغداد " قاطعتني زوجتي قبل أن أنتهي من كلامي عن بغداد.

" نعم باجر اطلع مرة ثانية من الصبح " قلت وأنا اتمدد على الأريكة لعلي أنام نومة قصيرة. كنت أريد غدا وفي الأيام القادمة ان اعرف وأقف على حقيقة ما يجري في بغداد، المصدر والملهم الأول لما يجري خارج بغداد. كنت متأكدا ان ما شاهدته يحدث اليوم في جولتي التي إنتهت عند معرض بغداد الدولي كان قد حدث في بغداد أولا، ولكني كنت أريد ان أشاهد وأقف غدا وفي الأيام التالية، وفي الشهور التالية، وفي السنوات التالية على ما سيحدث في بغداد أولا من أحداث جديدة قبل ان تحدث خارج بغداد ثانيا. كنت متأكدا ان الناس، أكثر الناس، في بغداد، إذا ما أطمأنوا ان النظام الذي كان يتحكم بحياتهم قد إنتهى وولى إلى الأبد، لن يعودوا يأبهون ويهتمون ان تظهر وتنكشف عوراتهم أمام بعضهم البعض في تعاملاتهم اليومية، في السوق، في الشارع، في أماكن العمل، وإذا ما تنازعوا أو تخاصموا أو تعاركوا فتفاقمت نزاعاتهم وتأزمت خصوماتهم وأشتدت عركاتهم الأمر الذي يؤدي إلى تمزيق ملابسهم، خاصة من يلبس منهم الدشاديش، فتظهر عوراتهم وتنكشف أمام بعضهم البعض بلا رقيب يراقبهم ولا حسيب يحاسبهم بفضل نعمة الحرية والديمقراطية التي أُتيحت لهم فجأة. ومن المؤكد ان هذا الأمر بشكل خاص سيحدث في بغداد أولا قبل ان يحدث خارج بغداد ثانيا، وسيحدث هذا الأمر بشكل خاص في بغداد أسرع مما سيحدث خارجها لأن الناس في المدينة .....

" .... نايم لو كاعد " قطعت زوجتي سلسلة أفكاري مرة أخرى وسألت.

" لا لا أستطيع النوم "

" تعال عيني الأكل حاضر والبنات ينتظروك "

كان التعب قد خف عني قليلا ولكني لم أنهض لأتناول الأكل مع عائلتي. كنت بحاجة إلى ان أكون وحدي لأتحدث إلى نفسي من أجل التوصل إلى الفكرة الأساسية من القصة التي بدأت أخطط لكتابتها الآن.

بغداد في 1/12/2011

ahmedjassimalali@yahoo.com

 


نرحب بكم في موقع الكاتب العراقي     الموقع يكفل كامل الحرية للتعبير  عن الموقف ووسائل الإبداع.. ولكن الكاتب يبقى  وحده  مسؤول عن حريتة و كتاباته