|
من أجل تحرر النص العراقي الجديد المكتوب في الداخل من التابوات
|
|
|
سلام إبراهيم
تسعي "نصوص" ومنذ البدء على مد الصلة بالكتاب العراقيين الشباب ممن يعيش في المدن العراقية، كي تساهم بإلقاء الضوء عليهم كونهم يمثلون مستقبل الأدب العراقي. وهذه باعتقادي من أولى مهام المجلات الأدبية. إذ يجري الحديث والتلويح على أن المجلة المهمة هي من تجتذب الأسماء المعروفة. في الوقت الذي أجد أن مثل هذه المفاهيم هي محض شكلية فالنصوص التي نقرأها لمثل هؤلاء الكتاب تبدو في الغالب بلا طعم، إذ أنها مكتوبة بحرفة أي بقدر قليل من الإحساس. في المقابل أجد في الكثير من النصوص القصصية والأشعار التي ترد من كتاب عراقيين شباب معجونة بالحس والدم ومخطوطة بمرارة الأعصاب المتوترة في الداخل العراقي. في العدد السابق من نصوص قدمنا باقة، وفي هذا العدد نقدم باقة أخرى. هذه الباقة ترصد بلغة متوترة أوضاع العراقي في المدن في اللحظة الراهنة. قصة "حب ورعب" لكليزار أنور تنقل لحظة توتر الزوجة الشابة وهي في انتظار عودة زوجها حيث الموت يحوم في اللحظة وفي الهواء والأرصفة وأجساد المنتحرين الباحثة عن فرائسها البريئة. في "كابوس الظهيرة" لحسين عبد الخضر يرصد لنا مشهد الأم الآمنة في اللحظات السابقة لفعل التفجير حيث تتحول الحياة إلى كابوس يختلط فيه الواقع بالمخيلة بالأحلام وتتحول تلك اللحظة المرعبة التي ترسمها القصة إلى زمن أخر يصبح الصحو منه والعودة إلى غرفة البيت أمنية. اللغة في هذا النص المتقن تتوتر وتمتد وتتقلص وتسيح مع أنفاس وأشياء المكان والأم. "في أعتذر لفقدك" لقاص شاب من الكوت يسجل بمرارة بنص يقترب من بنية الخاطرة القصصية مرارة إحساس كاتبها وهو يفقد أباه إذ يموت وهو في السجن. هذه المأساة ألمت بقسم كبير جدا من العراقيين وأنا واحد منهم إذ مات أبي وأنا بالمنفى. هذه المأساة الصغير هي كبيرة ومدوية على الإحساس والعالم الداخلي للفرد. وتبقى غصةً في العمر فكم مرة يموت الأب؟!. وكم أب للفرد؟!. في "كاتب ومومس" لسلام كاظم يجعل من فعل الزيارة لبيت الدعارة محاولة للكشف وتفريغ خيبة النفس ليسقط في خيبة أمر وخذلان أعمق. هذه النصوص القصيرة تبشر بولادة قصص غير تلك المكتوبة زمن الطاغية. قصص تستلهم واقع العراق الجديد وتحتاج من كتابها الشباب المزيد من الرصد للظواهر الإنسانية التي فرزها الواقع الجديد والكتابة من دون خوف أو خشية من القيم أو السلطة أو أي تابو. في هذا العدد من نصوص يجد القارئ رواية كاملة " تاريخ العائلة" لكاتب شاب من مدينة الناصرية "حسين عبد الخضر" الرواية منشورة في 2001 بنسخ محدودة طبعها الكاتب على نفقته. النص كرواية أولى لكاتب شاب يبشر بولادة روائي عراقي. الرواية تدور حول شخصية محورية يحاول فيها معلم كتابة تاريخ عائلته. فيستخدم في السرد صوتين صوته وصوت إحدى خالاته، ومن هنا يعرج الكاتب على سيرة ناس بسطاء كأبيه فنطل على شؤون حياة الناس في سوق مدننا، وعن طريق خالاته التي نشأ معهما على طرفا من حياة أسرة والدته التي ماتت عند ولادته. هذا خط النص العام وفي التفاصيل سنجد جده لأمه سياسي فصل من وظيفته في العهد الملكي فعمل حمالا، ثم نجاة إحدى خالاته تصبح شيوعية في السبعينات فتعتقل لاحقا وتغتصب، تتدهور بعد فعل الاغتصاب إلى أن يجدوها منتحرة في حمام بيت أهلها. أما هو فيتحول نحو الدين في إشارات خفية بانتمائه إلى حزب طائفي شيعي. كذلك أولاد خالته الثانية "نجوى" الذين ينشطون سرا في هذه الأحزاب. كما يمر الكاتب على الحرب العراقية الإيرانية وما عاناه، وهنالك العديد من التفاصيل حول نقله كمعلم في قرية بشمال العراق ومعاناته في نزل القرية الوحيد. المهم في هذا النص أن مناخ الأحداث يبقى في الذاكرة وهذا في صالح العمل. وبمقارنة هذا النص في أي نص مصري يتناول النسيج الاجتماعي كنص عمارة "يعقوبيان" لعلاء الأسيوطي الذي صادف قراءتي له بنفس وقت قراءتي "لتاريخ العائلة". وجدت أن النص الروائي الواقعي المصري كثير الجرأة يتناول المشكلات المتعلقة في الدين والجنس والسياسة دون خوف ومحاذير بالعكس من النص العراقي المكتوب في داخل "الوطن" وهنا أستثني النص الروائي العراقي المكتوب بالمنفى". مضاف إلى التزام الكاتب الحياد الموضوعي في تناوله للشخصيات إذ لا ينحاز لأي طرفٍ فقد عرض "علاء الأسيوطي" في "يعقوبييان" نماذج مختلفة من المتدين المتطرف إلى المعتدل إلى الشاذ جنسيا إلى من تبيع جسدها بحكم الحاجة إلى اللوطي إلى الماركسي. الكاتب يتعامل مع شخوصه في محنتها بشجن مما يجعل القارئ يتعاطف معها أيضا. بينما نجد أن كاتبنا الشاب "حسين عبد الخضر" شديد الحذر في التعامل بمسألة الجنس ويميل إلى الشخصية المحورية "المتدين". أتمنى على كتابنا الشباب في داخل الوطن المزيد من الكتابة الحرة دون خشية من رصد واقعنا المضطرم الشديد الفساد غير المستقر، وأتمنى عليه الإطلاع بكثافة على ما وصلت إليه القصة القصيرة والرواية العراقية بالمنفى في نماذجها المضيئة، وإلى ما وصلت إليه الرواية والنص العالمي. وأخيرا أرجو أن يتفهم كتابنا التغييرات الطفيفة التي أجريها عند تحرير نصوصهم والتي لا تدخل في بنية النص وصيرورته إلا من باب تمتين الجمل السردية ورفع الزائد منها.
|