|
سلام إبراهيم
تسعى
القوى الدينية بشقيها الشيعي والسني إلى تأطير المجتمع العراقي دينياً
عن طريق فرض منطقها الشكلي على الناس بإتباع شتى الطرق:
تأليب المشاعر الطائفية والتركيز على القطاع الواسع من الشباب غير
المتعلم الذي نشأ زمن حروب صدام والحصار من خلال تحويل المساجد من دور
عبادة إلى دور تحريض سياسي مخطط له يصب في مصالح هذا التيار الديني أو
ذاك بالمزايدة في إظهار الحرص والغيرة على الدين.
السيطرة على وسائل الأعلام من فضائيات وصحافة لبث مثل هذه الثقافة لكن
بلهجة مختلفة عما يجري في الشارع. فعند الحديث عن القوات الأجنبية تكون
اللهجة هنا في الأعلام مخففة، لكن في الجامع والشارع يجري اتهام كل من
له توجه ديمقراطي يتعارض ويقف بوجه تأطير المجتمع دينيا كونه عميل
للأمريكان ( يتناسى هؤلاء أن ظهورهم لم يكن بمجهودهم الذاتي بل بفضل
القوات الأمريكية التي يرفض قادتهم خروجها المبكر)، ولما تعجز هذه
الوسيلة في إسقاط ذلك الصوت يجري استخدام القوة عن طريق الميلشيات
المسلحة السابتة مثل ـ منظمة بدر ـ التي تتحرك عند الضرورة، أو
الميلشيات المتحركة كـ ـ جيش المهدي ـ وهذا الأمر يجري بشكل منهجي
ومدروس في وسط وجنوب العراق حيث جرى تكميم أفواه كل من عارض أو يعارض
مشروع دولتهم الدينية من خلال تشوه سمعة المثقف باتهامه بشتى التهم من
السقوط الأخلاقي إلى الكفر إلى العمالة للأمريكان، وإذا لم تنجح هذه
الوسائل، فالتهديد أو الضرب بالشارع كما جرى لرئيس اتحاد الكتاب في
البصرة، أو محاولة إلصاق التهم بالرشوة والفساد لمن لا يستطيعون تكميم
فمه يساعدهم في ذلك سيطرتهم على أجهزة القضاء والشرطة والأمن. وهذا ما
حدث بالضبط للفنان المسرحي والشاعر ـ علي الطرفي ـ، وأعتقد أن الكثير
من العراقيين ممن يتابع قناة كرد سات قد تعرف عليه ممثلا في العديد من
المسلسلات التلفزيونية وأخرها في شهر رمضان الفائت. وكان قد أصبح
المدير الفني لإذاعة مدينة الديوانية الأهلية المستقلة فحول هذه
الإذاعة إلى منبر حقيقي حر يدافع عن حقوق الناس ويعرض مشاكلهم بشكل
مباشر وصريح من خلال برنامجه "هموم الناس" ومن المؤكد أن مثل هذا
البرنامج في ظل الفساد الإداري، وسيادة التيارات الدينية في مجلس
المحافظة، وعدم تلبية أبسط مستلزمات الناس من كهرباء وماء ووقود سيلقي
معارضة من تلك القوى التي لم تصدق أنها في السلطة حتى راحت تمارس ما
كان جلادها الديكتاتور يمارسه. فحاولت بشتى السبل ثنيه عن تقديم مثل
هذا البرنامج دون جوى، ولما أصبح البرنامج شعبياً ومسموعا وينتظره
أبناء المدينة وأصبح للفنان "علي الطرفي" شعبية شاعت جدا بين الناس.
حاول مجلس المحافظة تحييده، إذ طلب منه الكف عن نقدهم بلسانه قائلين:
ـ ليقول عنا كل من تقابلهم ما يقول، لكن أنت لا!.
وهذا الكلام دقيق ومفهوم، فعلي الطرفي الفنان شخصية شعبية ذو توجه
ديمقراطي معني بالإنسان، وهو مستقل تماماً أي غير منتمٍ لأي أحزاب عراق
ما بعد صدام التي فاقت المائة، وما يطرحه من مواضيع حساسة تمس هموم
الناس حقا يجعل لكل كلمة يقولها مصداقية تقض مضجعهم. ومن هنا طالبوه
بالكف عن نقدهم دون من يقابلهم. وفي خضم هذا الصراع الذي هو في جوهره
صراع بين من يريد تأطير المجتمع دينيا ومن يريد ترسيخ الحرية المكتسبة
بفضل قوات الاحتلال لا بفضل القوى المعارضة التي كانت زمن الديكتاتور
لاجئة في دور الجوار وأوربا، حرضت القوى المسيطرة على مجلس بلدية
الديوانية أئمة الجوامع في محاولة لتسقيط "علي الطرفي" في خطب الجمعة
فوصفوه كونه عميل الأمريكان، الكافر وشتى النعوت المشابهة لما كان ينعت
بها حزب البعث خصومه السياسيين في وضع شبيه بهذا الوضع أواخر الستينات
حيث كانت سلطته ضعيفة. لكن هذا الكلام رغم أنه يدوي من سماعات دور
العبادة لم يجد آذناً صاغية من قبل أبناء المدينة المتضايقين أصلا من
ممارسات الميلشيات الدينية التي تضيق الحرية الفردية يوما بعد آخر،
فمظاهر الجلد لمواطنين يشربون الخمرة تمارس كل يوم وفي مرأى من الناس
حيث يقوم مقنع بجلد المسكين الشارب أمام الناس علنا في السوق أو على
جسر المدينة، أو يقوم مسلح بتكسير أشرطة كاسيت أغاني في سيارة أجرة، أو
تخريب حفلة عرس يغني فيها مغنى، إذ فرضوا على حفلات العرس إقامة مولد
نبوي بدلا من الحفلة المعتادة، لذا سمع أبناء المدينة رد "علي الطرفي"
الدقيق الذي قال:
ـ لنفترض أني عميل أمريكي كما يدعي خطباء المساجد لكن تعالوا لنتحاسب
من يقدم ويهتم بهموم الناس الخطيب أم الإذاعة، ليهتم الخطباء بمشاكل
العراقي اليومية ويحاول إيجاد الحلول لهم بدلا من الخطب الحماسية التي
تغطي على الواقع وتخدر الناس عندها سيكف برنامج "هموم الناس" عن البث.
فشلت الحملة. عندها بدأت الحملة من نوع أخر إلا وهي الحملة الأخلاقية.
هذه الوسيلة الشائعة في المجتمعات المغلقة القيم كالمجتمع العراقي. أنا
نفسي عانيت في كردستان العراق وبوسط ثوار الجبل من هذه الحملة من قبل
المؤسسة التي كنت فيها بعدما عجزوا عن تدجينني، فصوروني سارقا للحطب
والشاي والكتب وعنيفا وغير اجتماعي وكادوا أن ينعتوني بالعمالة لولا
تاريخي العائلي والشخصي ومعرفة قيادة الحزب الشيوعي بوضعي وبدقة. بدأت
الحملة على "علي الطرفي" بمحاولة تشويه علاقته بمسؤولة الإذاعة
المهندسة "نهال الوحاش" بلصق تهمة علاقة لا شرعية بينه وبينها مما
أضطرهما ولإسكات هذا الكلام إلى الزواج. قد أكون خضت بتفاصيل لكنها ذات
صلة عضوية بموضوعنا. التشويه، الضغط الاجتماعي، وموقف علي الطرفي
العنيد الذي لم يحيد عن الناس والديوانية وأشجانها.
صوت الطرفي خطر على مشروع تأطير المجتمع دينياً.
صوت وحيد يغرد.
كيف السبيل إلى قمعه!.
هذا ما كان يشغل مجلس محافظة الديوانية!.
الإذاعة بقت. لكن في هذا الشهر وصل "علي الطرفي" إلى الدانمارك ضمن وفد
غير حكومي ليقدم محاضرات عن الوضع العراقي في أماكن عدة. وأثناء وجوده
في الدانمارك قامت ميلشيات ـ بدر ـ باحتلال الإذاعة وتعيين مديرا من
طرفها، ولما عاد "علي الطرفي" وظهر على شاشة تلفاز الديوانية وفضح
عملية السيطرة المسلحة وتعيين شخص بالقوة من قبل قوات بدر. أوعز مجلس
المحافظة إلى المحكمة التي قامت باصدار أمر القاء القبض على الفنان
"علي الطرفي" بتهم ملفقة. ونشرت جريدة الصباح خبراً مقتضبا عن سيطرة
الشيوعيين على إذاعة الديوانية في محاولة لذر الرماد على العيون. أن
توقيت السيطرة المسلحة على مبنى الإذاعة الأهلية محسوب فقد تم قبل
الحملة الانتخابية، إذ أن صوت الإذاعة الحرة فاضحا لممارسات الميلشيات
والفساد الإداري في مجلس المحافظة ودوائر الدولة الأخرى.
هذه التفاصيل الصغيرة تبشر بولادة نظام لا يختلف عن نظام صدام القمعي،
بل أسوء منه من حيث ضغطه على الحريات العامة والشخصية وبتفويض من الله
حيث سيبرر القتل والتعذيب والجلد والتدخل في خصوصيات الإنسان يعنى نحن
أمام البعث من جديد مرتدياً هذه المرة العمامة الشيعية والسنية. إذ أن
بنية الأحزاب الدينية تشابه بنية حزب البعث من حيث الأهداف والتفاصيل،
فهناك رافع القومية، وهنا رافع الدين. والبعث لديه جناح مدني وأعلامي
ومخابراتي وجناح عسكري تمثل تاريخيا بالحرس القومي عام 1963 والجيش
الشعبي في السبعينيات. وللقوى الدينية ذات البنية جناح مدني ممثليهم
بالبرلمان والمرجعيات الدينية، ومخابراتي سيطرتهم على جهاز الشرطة
والحرس الوطني، وأعلامي قنواتهم الفضائية العديدة، وعسكري من خلال
ميلشياتهم المسلحة، قوات بدر التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية،
وجيش المهدي التابع للتيار الصدري.
واللوحة الآن كما يلي
ـ سجون سرية تمارس فيها التعذيب
ـ قمع كل صوت ديمقراطي معارض من خلال التسقيط الأدبي أو إلصاق التهم
ـ حملة اغتيالات كما جرى لمقر الحزب الشيوعي في مدينة الثورة يقوم بها
ملثمون مجهولون عادة.
ـ محاولة تأطير المجتمع دينيا هذه طبقت بشكل يكاد يكون تاما في مدن
الجنوب والوسط العراقي، وفي بعض مناطق بغداد، ومحاولتهم في الموصل حيث
جرى فصل الرجال عن النساء في الجهاز التعليمي، ومحاولتهم الفصل بين
طلبة الجامعة التي لاقت مقاومة من قبل المنظمات الطلابية الديمقراطية.
أما غرب العراق (الرمادي) فهي مؤطرة أصلا من زمن صدام.
ـ فرض الحجاب على النساء
ـ إشاعة ثقافة القطيع وروح التعصب الطائفي والمذهبي
ـ هجوم مكثف في وسائل الإعلام على كل توجه ديمقراطي، أو علماني. حتى
كتب أحدهم ساخرا من شهداء الحزب الشيوعي كونهم كفرة. ولا يدري أن الحزب
الشيوعي رغم كونه حزبا أيدلوجيا فضله الكبير في تاريخ العراق هو عدم
تسلمه السلطة وبالتالي عدم ممارسته قمع الخصوم وممارسة التعذيب كما
تفعل القوى الدينية السنية والشيعية. أما مسألة الشهادة فذلك المعنى
معنوي وأكثر سمواَ فالشيوعي لما يستشهد تحت التعذيب يكون قد وقف وحده
كإنسان دون قوى علوية تسنده من السماء ودون طمعٍ في جنة. وفي الظرف
الحالي يكاد يكون الحزب الشيوعي هو الحزب العراقي الجامع للبيت العراقي
في ظل أحزاب الطوائف والملل وأكثر الأحزاب عراقةُ.
في ظل هذه الأوضاع أكرر ندائي للمثقفين والكتاب للوقوف بوجه هذه الحملة
لتأطير المجتمع العراقي دينياً تمهيدا لقيام دكتاتورية على نمط
العمائم.
ملاحظة:
هذه المقالة لا تمثل وجهة نظر الموقع أو المؤسسة.
|