سرير الرمل" لسلام إبراهيم
البطل المهزوم أمام جدار الحبّ |
|
|
جمال بو حسّون
"تأرجح على حافة النحيب" ما هي الإيحاءات التي ترمي بظلالها حول هذا التركيب اللغوي؟ وإذا كان تركيباً لغويا معقدا فهل صدر عن تركيب نفسي معقد؟. المعنى الذي يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى هو أن أحدهم كاد يذرف الدمع، ويمكن القول إن الدمع تحجر في عين أحدهم، وأكثر من ذلك أن الدمع تأرجح بين البقاء والسقوط. أما الضمير في تأرجح فيعود إلى حامل الدمع، لا إلى الدمع، وبذا يكون المعنى أعمق. فهذا الكائن البشري يتأرجح بعقله وانفعالاته ومخزونه وموروثه، ليس مجرد الدمع. ولم يكن التأرجح على حافة البكاء إنما على حافة النحيب. وبذا أكتسب المعنى بعدا أعمق تجاوز الحزن إلى الألم، فهل تتأرجح تلك العبارة بين النثر والشعر؟. طالما جاءت ضمن إطار قصصي، فهي نثر، إلا أن تحميلها تلك المعاني والدلالات يقربها من الشعر في قصص سلام إبراهيم القصيرة. ويذكرنا ذلك بقول فرجينيا وولف حين تنبأت باقتراب لغة القص من الشعر والقصة من القصيدة " أن النثر حمل على كتفيه عبء التعبير عن كل أمر تافه. فلو فشل النثر في خدمة غايات القرن العشرين فأن القصة الشعرية ستحل المشكلة بتبني القصة شيئا من سمو الشعر وكثيرا من طبيعة النثر". وكذلك القول في " وورد شقائق النعمان الذي بلون دمه المسفوح يتألق في ذرات الفضة المنهمرة من السماء". فأننا نجد ما يشبه ـ تعبيرياً ـ قول مظفر النواب شعراً " والضحى في الباب رش الحبقا" فالحبق والفضة يدلان على انبلاج الفجر، وامتداد التيار الشعري في القصة يعتبر امتدادا طبيعيا لتيار التداعي والمناجاة الذاتية، وهما محاولة مخلصة لانتشال القصة من براثن السرد المقيت ومن طغيان النزعة التعليمية والمواعظ الجافة. 0أما صدور التراكيب اللغوية عن الحالات النفسية فهي محاولات لاستخدام المستوى البسيكولوجي في القصة، وذاك واضح في أعمال سلام إبراهيم. وتأخذ العودة إلى الطفولة بعدا فرويديا: " طفا على بحر أحلامه، من أمكنة طفولته الموحشة التي كان يجد نفسه في تيهها وهو يغفو بفيء جدار، ظلال نخلة، باحة مسجد حيث يلوذ مذعورا من عقاب أبيه لذنوب لم يرتكبها. وقتها كان يشعر بنفسه وحيدا ضائعا في مدن لا يعرفها ولا تعرفه" ص9 ويكرس لموضوع الطفولة التي لا يزال يحتفظ بوردتها في قصة " أزقة الروح": " بعد ثلاثين عاما.. ما زلت أنسلُ غفلة ممن حولي وفي جيبي وردة" ص49 هكذا كانت للوردة أهمية كبرى في أعمال في أعمال سلام إبراهيم رغم اختلاف تموجات اللغة بين الفصحى والعامية: " طفرت الحايط الناصي. ومشيت للوح الورد. ردت أقطع وحده فسمعت الوردة تقول: لماذا تقطعني؟ ارتبكت ويدي رجفت والوردة كملت: أنا مثل البشر.. مثلك فلماذا تريد قتلي؟". ولعل الموضوع الأكثر حساسية عربية هو موضوع الجنس حيث تناوله القاص في مرارة الحرمان. مع أن هذا الموضوع ليس جديدا في أدبنا، وتناولته بغير حذر أعمال كبيرة مثل "موسم الهجرة إلى الشمال" و " البحث عن وليد مسعود" و " الشمس في يوم غائم". إلا أن سلام إبراهيم كان يبحث خلال موضوع الجنس عن تعويض للخيبة والفشل اللذين يعانيهما بطله المهزوم، فيستند إلى الجدار الجنسي كما يستند إلى الجدار البسيكولوجي. ولا ننتظر تفصيلات، بل لابدّ من الانعتاق ـ مع سلام إبراهيم ـ من الزمن بين الواقع والخيال في تكوين عالم محموم إيقاعه، فجائي قانونه، وليس عبثا يخلق أسلوبه، لغته، إيقاع نثره ونغمه في صورة تتيح له تقديم رؤياه على أفضل صورة يمكن أن يتيحها له الشكل القصصي، معتمداً على تلك الإشارات والخطوط التي أخذت تنمو ذاتياً رغم إرادته، بحكم أنها تمتلك الآن إيقاعها الخاص فكيف لا يهيب بنا الفضول إعادة قراءة " سرير الرمل".
|