أدب الرسائل

 

نصوص عراقية

 

 

العدد 23 -- أيلول 2005

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com

 

شروط النشر: لم يسبق نشر المادة في المواقع الألكترونية ويجب الالتزام بعدم نشرها على النت الا بعد نفاد مفعول العدد (شهر واحد).

يجب أن تكون المادة مكتوبة ببرنامج الوورد ومصححة لغويآ ومرفقة كملف


الأفتتاحية

 سلام إبراهيم: أدب عراقي لا أدب خارج وداخل

مقالات في الأدب 
 
 د. عدنان الظاهر:   البياتي 
 محمد مظلوم: الرصافي بعد ستين عاما
 د. إبراهيم الجعفري: في ذكرى الجواهري  
 سلام إبراهيم: كتاب كانوا سوط الجلاد  
 كريم كطافة: من أفشى السر
 عزيز التميمي: كلود سيمون والرواية الجديدة
 طالب عبد الأمير: سحر الشرق

الشعر

 صادق الطريحي: نساء في مقبرة
 مفيد عزيز البلداوي: أرى أنني لا أرى 

 عبد اللطيف الحرز: كتاب الموت
 ترجمة: بدل رفو: قصائد من الشعر النمساوي
 
  نص
 نص مشترك:  نحن مع ( أبو بكر زمال) ضد ساسة
 

 القصة
 
 يوسف أبو الفوز: من سيرسم لي الودرة
 اعتقال الطائي: طقوس
 سلام عبود : ليس مباحا للمرء أن يكون طويلا في بغداد
 صبيحة شبر: محاولة

 رافع الصفار: متاهات الزمن المفقود
 طالب عبد الأمير: في يوم تموزي لاهب
 سلام إبراهيم : رؤيا اليقين
 صبيحة شبر: نقد قصص العدد الماضي

 
 الرواية 
 
 حمودي عبد المحسن:  أربعة فصول من المزمار
 سلام عبود: فصل من رواية زهرة الرازقي
 

 متابعات 
 عنابة جابر: زواج أجمل امرأة
 سناء الموصلي: زهرة الرازقي لسلام عبود

 توفيق التونجي:  المزمار لحمودي عبد المحسن

 شاكر رزيج فرج: طائر الدهشة ليوسف أبو الفوز قصص  
 جمال بو حسّون: سرير الرمل لسلام إبراهيم 
 
حوارات في الثقافة العراقية
 عادل عبد الله :  أدبائنا في المنفى
 علي حسن الفواز:عطالة النخب 
  سلام عبود: ثقافة العنف في العراق
 شاكر الأنباري: منْ يقتل منْ في العراق 
محمد مظلوم: المقهى العراقي ليس مقهى السنترال
 عادل عبد الله :  أدبائنا في الداخل
 سلام عبود: حرب الداخل والخارج

 

مدن وأرياف ووجوه
 زهير كاظم عبود: نبوءة الدكتور شناوة

 
 الحكاية
 سلام عبود:  أبو طبر
 محمد رشيد : حيوان خرافي

 أدب الرسائل
سلام إبراهيم   وكزار حنتوش:  ويمر عمر العراقي خطفا 

 ذكريات ويوميات
 أعتقال الطائي:  إبراهيم زاير ودفاتر البنات
  سلام إبراهيم: قالت لي: أنا عندي حنين
 يوسف أبو الفوز: لابد أن نلتقي
 

 كتاب الشهر
 
 سلام إبراهيم: الفتيت المبعثر رواية محسن الرملي

 
أدب شعبي

جمعة الحلفي: يا بحر

 

 

عودة الى موقع الكاتب العراقي

 

 

 

 

الشاعر( كزار حنتوش
وسلام إبراهيم يحيطان بغانم جودة مقامر المدينة التاريخي على رصيف بالديوانية
 2004 في الشهر الثالث

 

تعد الرسائل منذ القدم الوسيلة الحميمة لتفريغ المشاعر. وكانت الوسيلة الفعالة الوحيدة في تلك الأزمنة للتواصل بين الأحباب سرا وبين المسافر وأهله، بين الأصدقاء، وبين الأعداء أيضا. ووجد العديد من الكتاب والروائيين بشكل الرسالة ومضامينها تقنية في العديد من الأعمال الروائية. والرسائل بهذا الشكل أو ذاك تنقل أحاسيس الناس والأوضاع الشخصية والعامة والمواقف زمن كتابتها وخصوصا بين الأدباء والمفكرين. وهذا لا يعني أن غير الأدباء لا يكتبون رسائل ذات دلالة بل بالعكس وجدت بمئات الرسائل التي وصلتني خلال العشرين سنة الأخيرة من مختلف المستويات التعليمية مادة حيوية عكست مشاعرهم بعمق والأوضاع النفسية والعامة للمحيط وفيها من التفاصيل والأحداث ما يصلح لكتابة العديد من النصوص بالإضافة إلى قيمتها الأدبية.

في منتصف التسعينيات من القرن الماضي وصلتني رسالة من أبن أختي يحكي فيها عن وضعه وأوضاع المدينة والناس زمن الحصار راصدا فيها التغيرات البنيوية التي طرأت على الشخصية العراقية وما أصابها من خراب نفسي مع تهدم منظومة قيم كاملة بسبب العوز والخوف. كما هي علقت عليها وبعثتها إلى الزميل "عبد جعفر" ونشرت في مجلة كانت تصدر في لندن آنذاك أسمها "المهاجر". لم نذكر أسمه طبعا.وأبن أختي ليس أدبيا.

عملية كتابة الرسالة بحد ذاتها عملية حميمة وخصوصا الرسائل المتعلقة بالمشاعر كرسائل الحب والصداقة والأهل بما فيها من شكوى وصياغة لشؤون الروح بالكلمات.

مع التطور التكنولوجي الهائل أصبح للرسائل طعم أخر والرسالة تأتيك برمشة عين عبر  البريد الإلكتروني.

في هذا الباب سأحاول نشر الرسائل التي فيها قيمة أدبية وإنسانية مع التعليق وسرد الظروف المحيط بكتابتها كي لا تصبح لغزا لدى القارئ. اخترت في هذا العدد إحدى رسائل صديقي الشاعر عزيز السماوي الذي مرت ذكرى وفاته الثالثة قبل أيام. وهنا أطرحها كنموذج أتمنى أن تصل المجلة رسائل من هذا النوع مع تعليقات صاحبها، رسائل صداقة، رسائل حب، رسائل أدبية فيها مواقف، رسائل عامة ناس  فيها قيمة معرفية أو أحداث درامية، رسائل شهداء قضوا من أجل الحرية، رسائل من وإلى الأهل في الغربة والوطن، رسائل عداوة على شرط أن تحجب الأسماء الصريحة.

 

 

 

 

وَهْمٌ ويخطف العمر

 

لما قامت الحرب عام 1980 مع إيران قلنا أنها مسألة أيام وتتوقف. لكنها طالت لشهر، قلنا ستتوقف بعد عدة أشهر. ولما مرت سنة بدأ اليأس يمسك بالقلوب فأصابنا الوجوم والشرود وبتنا نتذمر سراً..

في السنة الثانية مصائرنا اختلفت وأصبح كل يسلك حسب ما يراه مناسبا كي لا يفقد ضميره أو كينونته حيث الكل معرض للسوق جنديا للجبهات.

وقتها صدقنا وهم اللحظة السابقة للنوم.. وهم الغد.. وهم الهدوء والسلام.. وزوال الغمة..

وهمٌ في وهمٍ في وهمٍ.. ويخطف عمر العراقي..

 مرَّ عمري. 

عبرت الخمسين في العام الماضي وما زلت أتوهم السلام والعودة إلى بيتي في "الحي العصري" وقضاء ما تبقى من وشل العمر فيه

العراقي ركبته الأوهام وضيعته!.

رغم هذه الحقيقة فمازلنا نصدق أوهامنا حتى الرمق الأخير!.

أقول ذلك والمئات لا بل آلاف العراقيين ماتوا وهم يظنون أنهم راجعون غدا إلى بيت الطفولة والمحلة ووهم السلام الضائع مع بداية الوعي والنضج.

والفرح من صيد أمس حد للزغر مذبوح

                             علي الشباني

لم أكن أظن أنني حينما تسللت إلى الجبل هاربا من الجبهة والقمع أنني سأظل غريبا قرابة عشرين عاماً.

أقول غريباً. لأنني ما أن غادرت الديوانية وعاد من المستحيل الرجوع إليها. من هناك.. من الجبل بدأت أشعر بالنفي وسط ظروف غير طبيعية، دوران بين الجبال والقرى البعيدة. قصف جوي ومدفعي، العيش مثل درويش النوم بالجوامع والأكل ببيوت الفلاحين.. والموت يحوم حولك لاقطا رفيق من رفاقك بين الحين والحين.. وكل ليلة أحلم قبل النوم بلحظة عودتي إلى المدينة..

كنت أحمل مدينتي معي في شرودي وسهري ولحظات شوقي ظاناً أن الأمر سرعان ما ينقضي.. لكن الحرب مع إيران انقضت لنجد أنفسنا مقصيين عبر الحدود في معسكرات اللجوء في تركيا ثم إيران.

صار الحلم أبعد والأفق أكثر حلكةً..

لما أستقر بي المقام هنا في الدانمارك عام 1992 مرت سبعة أعوام على مغادرتي المدينة.. كان الحصار والدكتاتور والأفق المستحيل. فدأبت على الكتابة لأصدقاء عرفت أنهم لا زالوا أحياء.. بعضهم صار من رموز المدينة..

ماذا يتبقى للمنفى غير محاولة تجميع شظايا الماضي البعيدة، أمكنة الطفولة، بقايا ذكريات، دفاتر قديمة، أشعار كان يحبها، تنسم أخبار بشرها وهذا ما سيجده القارئ في رسائل كزار حنتوش في التسعينات. سيجد حوارات عن أشعار شعبية قديمة عن دفتر لشهيد ضاع في مقبرة جماعية. كنت أكتب لكل من راسلته كي يصف لي كيف تغيرت المدينة من بقى حيا ومن غادر، هاهو كزار يكتب لي عما جرى لمحلة من أقدم محلات المدينة "الجديدة" واصفا كيف قصت شوارعها الضيقة وضاعت ملامحها القديمة. لما رجعت إلى العراق في زيارة تتبعت الأمكنة المندثرة وعثرت على بقاياها.. ووجدت البيت الذي عشت  واختفيت فيه  في محلة "الجِديْدة" وكتبت عنه روايتي غير المنشورة "برازخ وأخيلة" قد تحول نصفه إلى شارع والنصف الآخر إلى محل سمكره.. سيكتب لي عما أحزنني إذ حول أخوتي الحديقة التي كان أبي يعنى بها إلى دكان. سأكتب رسالة غاضبة لهم، فيكتبون لي رسالة اعتذار واصفين اللحظة التي سقطت فيها النخلة التي زرعها أبي فصيلة إلى أن أثمرت.. وكيف بكت أخواتي وأخواني لحظة السقوط وكأنهم يفقدون أبي إلى الأبد.

جمعت وصلي بالمدينة طوال التسعينات، في تفاصيلها، بالرسائل فوصلتني أعداد لا حصر لها من الرسائل جعلتني وكأنني أعيش في باطنها ولو بالأخيلة التي تبثها كلمات الرسائل بأسماء بشرها وشوارعها وشؤون يومهم. كان ذلك زادي في النص.

في السيارة التي أقلتني مع المهندس اللامع "حسين هاتف" وهو مغترب أخر من أبناء مدينتي يقيم في ألمانيا، وما أن اقتربنا من المدينة سألني:

ـ ما هو شعورك هذه اللحظة؟!.

أجبته فوراً:

ـ وكأنني غادرتها صباحا إلى بغداد وعدت في المساء!.

وفعلا وجدتها وكأنني غادرتها بالأمس والذي أختلف أن وجوه الأصدقاء والمعارف والأمكنة شاخت وأصبحت أكثر بؤساً.

هل كنتُ حقا أحيا ذلك الشعور أم أنني أصنع وهم أخر من أوهامي؟!.

لا أدري..

 أريد فقط الآن نسج  شيئا عن كزار حنتوش والمدينة والأيام!.

 

بيت فقير في شارع فرعي

 

أرتبط بيت كزار في الحي الجمهوري بفترة مبكرة من حياتي، إذ كنت أتردد على شارع قريب من شارعهم حينما تعلقت بفتاة تسكن بمنطقتهم.. كان ذلك عام 1971 وعن طريق أولاد المحلة الذين كانوا زملائي في الصف الدراسي تصادقت مع أخيه الأصغر الذي يكبرني أيضا بثلاثة أعوام "هادي"  ـ سيرد ذكره بالرسائل ـ. توطدت علاقتنا وكان ما يجمعنا قربنا من اليسار وكرهنا للبعث والقومية.. كنا نقضي الوقت بالمذاكرة تحت مصابيح الشارع حتى طلوع الفجر أيام الامتحانات. وكنت أذهب مع "هادي" للبيت لتناول الغداء.. ليس هنالك مائدة ولا كرسي.. تناولنا أم كزار الناحلة، المعصبة بالسواد المغضنة الوجه أرغفة من حلق التنور ويكسر هادي بصل بكفه المضمومة. نتوسد تراب الحوش ونلتهم بسعادة الخبز الحار والبصل. البيت يتكون من غرفتين وباحة.. هل ما أتذكره مضبوطا أم أضفي على الأمكنة ما يجود به التذكر من أخيلة مضافة.. لا أدري لكن الشيء الأكيد هو خلو البيت من الأثاث  سألت هادي عن أبيه فرمقني بعينين مرحتين وقال:

ـ مات يوم أمس ما أتذكره كنت صغيرا!.

الباحة ترابية والغرف كذلك. كنا وقت القيلولة نهرب من وهج الظهيرة إلى ظلال الغرف وترابها البارد الذي أتذوق برودته حتى هذه اللحظة. وهنالك رأيت كزار أول مرة يدخل البيت. ألقى التحية مبتسما وتوجه بصمت إلى الغرفة البعيدة عن المدخل تابعت حركة ذراعيه المميزة وكفه الممسكة كتاب وجريدة ـ لما زارني العام الماضي 2004 في بيت أهلي بالحي العصري كان يحمل كتاب وجريدة أيضا وحركة ذراعه محتفظة بالإيقاع نفسه ـ . قال هادي:

ـ هذا أخي كزار!.

علمت لاحقا أن يعمل مساحا في الطرق والجسور وهو معيل العائلة.

أرتبط ذلك البيت بحدث مهم وقع تلك الأيام جعلني لا أستطيع العودة إلى بيت أهلي فبت في بيت كزار. وقتها كانت لدينا علاقة بتنظيمات الحزب الشيوعي السرية بالمدينة. وكان هادي يوصلني إلى منتصف المسافة بين حيينا المتجاورين. خرجنا تلك الليلة فوجدنا المنطقة مطوقة بالشرطة ورجال الأمن. والشوارع خالية من المارة. عدنا فورا إلى البيت، ففي عبنا خروف، كما يقول المثل العراقي. بعد ربع ساعة دفع كزار الباب وهتف:

ـ ما تدرون!.

ـ ..

أردف بأسف:

ـ قتلوه.. قتلوه لـ "محمود ناصر"!.

بهتت قوانا وحدقنا نحوه بذهول قبل أن يلمنا الحزن والكآبة وكأننا فقدنا أسطورة عَوّلنا عليها بالسر وما يضفه الهمس والمخيلة على ما يفعله:

ـ هل كان حقاً ما نسج حوله؟!.

سوف أتيقن لاحقا وعزيز السماوي في منتصف السبعينات يريني صورة لرجل حليق الشعر يشخص نحوي من عمق الورق القديم بعينين قويتين واثقتين صارمتين، قائلا:

ـ هذا المناضل محمود ناصر!.

أخبرني عن عزم أحد الفنانين نحت تمثال لمحمود، ثم سرد علي تفاصيل كثيرة عن ذلك "الشقاوة" حسب التعبير العراقي "الفتوة" حسب التعبير المصري. العادل القوي الذي يحق الحق ولا يرضى باعتداء القوي على الضعيف، المغيث لكل من يستنجد به، نزيل السجون الذي تهابه الشرطة في مراكز التوقيف. كان الناس يتناقلون قصصاُ عن تغلبه على مركز شرطة كامل بالضرب لأنه لا يسكت عن الإهانة. فأصبح مرهوب الجانب محترما عندما يحل نزيلا بالسجن ـ هذا النمط ظاهرة عربية بامتياز كتب عنها نجيب محفوظ قصصا وكان سائدة جدا ففي عراق الخمسينات والستينات ومع وصول البعث إلى السلطة قامت بمحاولة توظيف كل شقيٍ في أجهزته القمعية، ومن لم يتعاون قتل في ظروف غامضة.

 أما "محمود ناصر" الديواني فقد أصطف على يسار اليسار وأنخرط منذ أواخر الستينات في تنظيمات القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. ولما ضربت هرب العديد من زملاء محمود ملتحقين بالحركات الفلسطينية وعاشوا تجاربها العنيفة ـ رحيم العكيلي ـ  الذي عاش تجربة أيلول الأسود في الأردن وعاد عام 1973 وله قصة أخرى. أما محمود ناصر فبقى مختفياً بريف الديوانية يدخل المدينة بين الحين والحين ويجعل أثريائها يدفعون ما يقوم أود مجموعة الثوار المختفين بعد انهيار "عزيز الحاج" وظهوره ذليلا على شاشة التلفاز. لا أتذكر بالضبط من كان ذلك الفنان الذي يود تحويل تلك الصورة الفوتوغرافية إلى تمثال..

 هل كان صديق المرحوم عزيز السماوي، الفنان التشكيلي "فيصل لعيبي" أم النحات الصعلوك "منقذ شريدة"؟.. لا أتذكر لكن الذي موقن منه أنه واحد منهما. 

وقتها أنحاز الوسط الأدبي اليساري برمته إلا القلة إلى القيادة المركزية ليس فعلا بل هوىً في ذلك المد اليساري الذي أعقب مقتل "تشي جيفارا" في أدغال "بوليفييا" 1967.

أسطورة تهاوت في تلك الليلة!.

أسطورة من أساطير التي ينسجها الحالمون بمدينة فاضلة!.

لا نكف.. نحلم من جديد خالقين أسطورة جديد.. هكذا كنا نفكر في كل من يختفي عن أنظار السلطات مقاوما.. هكذا حلمنا بالعديد ممن أختفي في أواخر السبعينات.. إلى أن جربتُ الاختفاء فتعرفتُ مدى فداحة وعجز وخوف المختفي عن الأنظار.. سأعطف عن نفسي وعلى عينين تحملق نحوي بأمل عند لقاء سري مع أولئك الحالمين.

وتتكرر التجربة..

سوف لا يكف البشر عن الحلم وإضفاء قدرات هائلة على مختفٍ يرتجف من الرعب رغم قوته!.   

سيذهب هادي بعيدا يكمل معهد المعلمين ويتزوج كما يذكر كزار في إحدى الرسائل بأنه رزق باثني عشر طفلا.. بينما ولجت عالم مثقفي المدينة لأصبح قريبا إلى كزار في فترة في السبعينات.

 

المقهى والبار.. الكتاب وكزار:

 

يرتبط كزار حنتوش بشدة بمقاهي المدينة. تجده في السبعينيات يرتاد مقهىَ طوال النهار، وأخرى في المساء لا تبعد عن مقهى الصباح كثيراَ. وفي النصف الأول من ذلك العقد كان متوازنا، يشرب مساءً في نادي الموظفين ويعمل كمهندس مساح في مديرية الطرق والجسور. وكنا أصدقاء رغم برودة علاقته بعلي الشباني على أثر عدم نشره لرد كتبه كزار على مقالة كتبها الروائي "سعدي السماوي" أتهم فيها أشعار الشباني بالدوران في فلك تجربة "مظفر النواب" ونشرها في جريدة الراصد وقتها. ولما كنت و"علي" نلتقي يوميا عند المساء في مقهى "علي الشطاوي" أصبح لقاء كزار يتم في الظهيرة بمقهى حاج سعيد الضاج وسط السوق المسقوف. وكنت أعجب من ذلك وأسأله، هل أنت مجاز؟، فيجيب ضاحكا: لا خرجت لتناول الشاي والعودة. سيحكي معه "عزيز السماوي" الذي كان يعمل بالدائرة نفسها في بغداد، يطلب منه البقاء في الدائرة حتى انقضاء فترة العمل.. فيعده لكنه لا يفعل.. فروح التصعلك ومقعد المقهى وتأمل البشر في النهار والحديث مع الجميع متمكنة من روحه.. قال لي عزيز السماوي: لولا صداقتي لمدير الطرق والجسور لفصلوا كزار منذ وقتٍ طويل. وهذا ما سيحدث له حال هرب عزيز السماوي خارج العراق، إذ فصل كزار فورا وكان سعيدا بالخلاص من ذلك الهم "الوظيفة". كيف يعيش ويدبر يومه؟!. هذا ما لا أدريه لأنني وقتها انشغلت بشؤوني حتى هربي إلى الجبل.. لكن الذي كنت واثقا منه هو لا مبالاة كزار التامة بفصله.. لا بل بدا سعيدا بالبطالة فأمتهن المقهى والتسكع والبارات، ومن تلك الفترة صار يشرب في الظهيرة والمساء..

صار يكتب في المقهى

على حافة الجريدة المطوية!.

يكلم نفسه همساً ويضحك للرواد

هل يستطيع أحد تخيل مقاهي بعينها من دون كزار؟!.

ذاك مستحيل، فطوال أعوام النفي التي ناهزت العشرين كنت أتخيل المدينة سوقها المسقوف فيكون كزار جالسا  على القنفة المطلة على المارة يتأمل أو يقرأ أو يدور ملعقة في استكان الشاي وكأنه كائن المقهى الأبدي!.

 

قول مبارك:

 

مقهى حاج سعيد وكزار حنتوش في ظهيرة صيف حار يرتبط بنقطة تحول مهمة جدا في حياتي.. كان ذلك عام 1974. لكن لأقدم لذلك الحدث قليلا لكي يأخذ حجمه في سياق السرد.

أول ما يبدأ به مشروع الكاتب أي كاتب هو محاولات خجولة.. خواطر ويوميات وقصائد فصحى،  كنت أمارسها سرا.. لأكتشف لاحقا أن القصة القصيرة قريبة إلى نفسي وقتها شجعني بذلك كاتب كان معنا في المجموعة وصديق "كزار حنتوش" جدا  يسكن "الحي الجمهوري" أيضا يدعى "منير ياسين" لا أدري ما حل به، هل مات في الحرب؟! أم لا يزال حياً!. لكن أتذكر أنه اصبح نشيطاً ينشر متابعات نقدية في جريدة "طريق الشعب" العلنية لكنه مع انفراط الجبهة واعتقاله ترك كل شيء ولم أسمع أو أقرأ له شيئا منذ ذلك الحين. الآن تذكرته فقط إذ لم أتذكره لما زرت الديوانية العام المنصرم. المهم كان يكتب قصصا قصيرة وينشر في الصحف وكان يكبرني قليلا.. وكنت وقتها أكتب اليوميات وقصائد وخواطر، فقلت معي نفسي لم لا أجرب كتابة قصة مثلما يفعل "منير" وجربت وجدت صعوبة وعناء. سنة كاملة أجرب إلى أن كتبت ما أعتقده قصة فرحت جدا وهرعت إلى منير فقرأها وشرد بعيدا وقال لم أفهم منها شيئا.. أوصاني بالمحاولة من جديد. فدأبت إلى كتبت قصة أحتفظ بها إلى الآن موضوعها أتذكره عن مراهق تشعله الرغبة ليلا فيتسلل إلى سطح البيت في ليلة مقمرة يعبر سياج الجيران، ومن حافة السطح يطل على باحة يضيئها القمر متلصصا على امرأة رجل عسكري يغيب عن البيت طوال الشهر. تنام جوار أطفالها، ينحسر ثوبها حتى الحوض. فيدب وينزل على السلالم ليزحف إلى  جوارها.. ويمارس العادة السرية جنبها مرعوبا من احتمال كشفه. حملت النص فرحا وذهبت إلى صديقي الشاعر الأقرب "علي الشباني" أحبطني بشدة.. وعامل عالمي اليافع  بقسوة فجعلني أعيش حزنا غير مفهوم إلا لمن حلم أن يصبح كاتبا وفشل. اعتكفتُ وقتها في البيت أياما.. وكنت في داخلي أشعر أن لدي قدرة على الكتابة ولدي ما أود قوله للناس نصاً.. لكن أقرب صديق إليَّ شاعر ومناضل ومثقف قضى ردحا من شبابه في سجن الحلة" نصحني بلهجة أستاذ أن لا أعاود الكرة وأكتب.

أتذكر ذلك اليوم وكأنه البارحة. كنت أجلس جوار مكتبتي في غرفتي المعزولة المعتمة أحدق بالجدار، بالسقف، وملامح صديقي الشاعر لحظة النطق حال فراغه من قراءة وريقاتي الثلاث يزحم لحظتي..

وبغتة خطر كزار على بالي.. فهدأت نفسي الفائرة.. لم كزار دون غيره؟!لا أدري وقتها لكنني لما أستعيد ذلك اليوم بعد أكثر من ثلاثين عاما أستطيع فهم لم فكرت به.. كان كزار بسيطا يتعامل مع الجميع دون تعالٍ ولا يظهر حذلقة بالكلام، فالتف حوله عدد من الكتاب الشباب لا أتذكر منهم الآن أحداً، ثم أنه سألني عدة مرات: هل كتبت شيئا؟!. قفزت من جلستي هاتفا بصوت مسموع: سأذهب إليه هذه اللحظة. حملت أوراقي وهرعت في تلك الظهيرة الحارة إلى سوق التجار فوجدته جالساً في نفس موضعه بالضبط في مقهى "حاج سعيد" لوحده يتصفح الجريدة وإلى جواره كتاب. استقبلني بحفاوة وسألني بخبث عن صاحبي الشاعر الذي كان لا يطيقه ذلك الوقت بسبب عدم نشر رده على مقالة السماوي سعدي كما أسلفت. وكان يتهكم بخبث ويقول:

ـ كله لصاحبك أش لون شاعر وعنده كرش!.

وكنت طبعا لا أنقل مثل هذا الكلام وكزار يعرف أنني لا أفعل ذلك. فصاحبي نعرفه أنا وكزار وسيكتب عنه كزار في نص رسائله مشخصاً تكوينه بعمق.

 وكان "عزيز السماوي" يصر على رؤية "كزار" كلما زار المدينة رغم اعتراض "الشباني". فكان يأتي إلى الجلسات منتشيا يرمق "علي" جانبا وكأنه يقول: غصبن عليك!. وكان الأمر يضحكني وقتها.. كرر السؤال عنه بعينين ماكرتين.. لكنني كنت مستعجلا  فأخرجت أوراقي قائلا: ما تشوف هذه القصة!.

تبسم معلقا:

ـ كنت أعرف راح تحاول!.

وتناولها مني بأصابعه الناحلة المرتجفة السمراء. قلبها صفحة.. صفحة قبل أن ينهمك بالقراءة. أختفي من رأسي ضجيج المقهى.. صياح الباعة في السوق.. وجمدتْ عروقي وأنا أتتبع عيني كزار الذي كان يقرأ بصمت. يعيد الجمل. . يحرك حاجبيه، يبتسم بطرف فمه.. كان يقرأ بالنص وعيناي تقرأ صفحة وجهه إلى أن أتى على أخر سطرٍ في الصفحة الثالثة.. فقلب الأوراق من جديد.. وحدق أمامه عبر الزجاج إلى حشد المارة وظلال السوق. كنت أغالب رجفتي. أقاوم متحاشياً الجدية في نظراته وانفعال وجهه، متوجساً من خيبة أخرى ، لكنه ألتفت نحوي مبتسما وقال:

ـ شوف سلام عندك ملكة قصصية!.

كدت أثب من الفرح. تمالكت نفسي وسألته:

ـ ماذا أفعل؟!.

رد على الفور:

ـ لا تفكر بالنشر.. عليك بقراءة المزيد من القصص والروايات العالمية ثم العربية ثم العراقية.. ومنذ نشوء القصة والرواية.

صمت قليلا وأضاف:

ـ دع كتب النقد والدراسات جانبا وركزّ على النصوص!.

وكان قولا مباركاً.. جعلني أبحث عن أسماء لم أسمع بها من قبل في ذلك السن.. عبد الملك نوري، ذو النون لأيوب، عبد الحق فاضل، محمود أحمد السيد، فؤاد التكرلي.. وكانت كتبهم غير متوفرة وقتها، مما جعلني أدور بين المكتبات العامة.. وأتذكر الآن تلك الظهيرة الحارة في صيف بغداد حينما دخلت إلى "جامع الخلاني" في شارع الجمهورية للراحة والنوم وقت الظهيرة، فلاحظت مكتبةً صغيرةً في الجانب الآخر من ساحة الجامع. وفيها عثرت على "الوجه الآخر" للتكرلي. فلم أغادر كرسي المكتبة إلا بعد أن أتيت على المجموعة بكاملها، فخرجت من الجامع مخدرا بشخوصها وعوالمها الداخلية وأسرارها.. ومن يومها تمنيت أن أكتب قصصا تشبه هذه القصص، لأكتشف لاحقا أن ما أسرني فيها هو صدقها وبحثها في أسرار الإنسان العراقي المكبوت، ولغتها السلسة العميقة. أخبرت كزار عنها، فتحاورنا في نفس المقهى وسط ضجيج السوق.

في اللجة التي أعقبت الحملة على القوى الديمقراطية العراقية أواخر السبعينات. أصبحت المقهى بالنسبة لنا شيئاً مثل أمنية، فالمقاهي محشودة بالعيون وجواسيس السلطة، وفي كل يوم ترد الأخبار همساً عن اعتقال واحد من الأصدقاء. فتوارى عن الأنظار العديد من الأحبة، وغادر البعض إلى المنفى.. أما من بقى فعاش الرعب مجسدا. وجدنا أن أسلم وسيلة للخلاص من العيون واحتمال الاعتقال هو ملازمة البيوت والتزاور بعد حلول الظلام فيها. أما كزار فهو استثناء.. في تلك الفترة أكثر من كتابة القصائد مدحا للجبهة الوطنية والحزب الشيوعي. وكان يشرب من الصباح حتى المساء متنقلا مع الظهيرة من بار إلى بار ويذهب مع من يدعوه إلى البيوت لينشد أشعاره ويضيعها. في يوم ما من تلك السنوات  سأزور ما يشير إليه "كزار" في رسائله باسم "حبيب الأجرب" فيسمعني كاسيت كامل ينشد فبه كزار قصائده التي تكيل المدح للشيوعيين أتذكر منها قصيدة عن "زكي خيري" يقول فيها

رأيت زكي خيري

رأيت عراقاً يمشي في الشارع

 

ومن نمط الأشعار هذا سمعت ساعة كاملة، سألت حبيب لماذا سجلتها.. أجاب: كل يوم ينسى كزار في مكان دفترا من أشعاره.. سجلتها حتى ما تضيع، لكن الكاسيت ضاع هو الآخر و"حبيب الأجرب" يلتحق إلى الجبل ليخوض تجربة عجيبة أفضت به إلى أن يصبح من أغنى مقاولي الديوانية كما ذكر كزار في رسالته وكما وجدته عند زيارتي العراق العام الفائت وقصة "حبيب" موضعها ليس هنا.

لم يكن كزار معنيا بكل تقلبات الوضع السياسي. كنت ألمحه في المقهى بنفس أمكنته القديمة، ولا يهم من يكون الجليس. المهم المقهى والشاي والكتاب والكلام والفرجة على المارة في السوق.. والبار مع قدوم المساء. كان ينادني لما يلمحني ماراً فأجلس معه دقائق وأستعجل البيت في النهار، مرة قلت له:

ـ سمعت أن هادي تزوج!.

فأطلق ضحكته ذات النغم الخاص قائلا:

ـ هي كانت إليَّ ما أدري أش لون صارت إليه!.

قالها ساخرا من الزواج ومشروع العائلة!. ثم قال متعجبا:

ـ أنتم ليش ما تجون لنادي الموظفين بليل!.

أدركت وقتها أنه في عالم والوضع السياسي في عالم أخر!.

غادرته على عجل!. وبقى اللقاء الخاطف يحدث بين الحين والحين إلى دخلت في اللجة الزواج والسوق إلى الجبهات ثم الهرب إلى الجبل والتسلل سرا، ثم الاختفاء في وحدات الجيش العراقي لمدة تزيد على سنة!.

هل في هذا القول مبالغة؟!.

لا أنا فعلا سلمت نفسي من بيت أختي الكبيرة في تكريت في عفو خاص، وتنقلتُ من موقف تسفير إلى أخر حتى وصلت وحدتي في شرق البصرة.. وجعلت في الإجازة الشهرية أمكث في البيت ولا أخرج إلى شوارع المدينة إلا نادرا وفي الظلام. وفي يومٍ زارني صديق من بغداد كنت مختفيا فترة في بيته وألح يريد اللقاء بـ "كزار" وكنت أعرف أن كزار أصبح يعاقر الخمرة طوال الوقت ويكاد لا يفارق بار "المصايف" الكائن تحت الجسر المعلق ظهراً. تسللت مع ذلك الصديق ووجدته هنالك فعلا.. عانقني بشوق وعاتبني على عدم التواجد في البار وكأنني فارقته البارحة لا سنتين قضيتهما بين الثوار في الجبل والاختفاء وجبهة الحرب في شرق البصرة ، قلت لنفسي: أنه حقا في عالم أخر. ليلتها جاء معنا وبات لدي في الشقة التي كنت أسكنها ـ حي الإسكان ـ وقضينا  ليلة حوار وقراءات شعرية بقيت في ذاكرتي زادا حينما بدأت رحلة العذاب والنفي المستمرة حتى هذه اللحظة.

كنت في ساعات الشدة والصعاب وعندما تضيق بي الدنيا، وأحير بروحي، أحسد كزار على عبثية وضعه الإنساني التي جعلت يصادق الجميع، ويعاقر الخمرة والمقهى، ولا يبالي بشي رغم أن رسائله التي سيطلع عليها القارئ تنضح ألماً وتقول الكثير عما جرى في العراق والعراقي وقت كتابتها. قلت أحسد "كزار" لبقائه في أمكنة طفولته وصباه وشبابه حتى خريف العمر. هو يعرف حسدي له ولكل من تمكن من المكوث في البقعة التي ولد فيها حتى الشيخوخة لذا كتب لي وبخبث في إحدى الرسائل ـ فهو يعرف شدة تعلقي بأمكنة طفولتي وصباي ـ عن سكره في بيت أستأجره يطل على ساحة في الحي الذي نشأت فيه "حي العصري". ويحدثني عن موقع بيتي الذي يراه من السطح وهو يحتسي العرق. حسدته من الأعماق.. وأنا أشعر يوما بعد أخر بخواء أيام المنفى وعزلتي التامة في بيت ريفي، لا أنيس ولا قريب، والكل في المنفى مشغول بهمه، يعارك هذا الفصام العميق في الروح بين ماضٍ حميم ساطع رغم مرارته وبين حاضر النفي الرمادي رغم توفر كل مستلزمات الحياة الأساسية.

فالإنسان يعيش مرة واحدة؟!..

العمر خاطف

فما جدوى العيش في منفى بارد في الثلث الأخير منه؟!.

لهذا فقط ألعن كل لحظة من سبب لنا كل هذا العذاب!.

ألعن البعث وصدام وكل من طبل له وثبته!.

طوبى لكل من بقى؟!.

طوبى للرصيف والشاعر الصعلوك والخمرة والمقهى

طوبى للنهر الصغير الجارح جسد المدينة أبدا!

طوبى لروحي الدائرة بين الأزقة والبيوت رغم بعادي

طوبى لكل صعلوك!.

لما زرت العراق في الشهر الثاني من عام 2004 لم أبت ليلة خارج المدينة لا بل خارج بيت طفولتي في الحي العصري متذوقا ما كان كزار يلوّح فيه بكلمات رسالته. وكنت قد جمعت الكثير من الأخبار الصغيرة عنه من الوسط الأدبي في بغداد في الفترة التي كنت فيها غائباً. جمعت أخباره الطريفة من الشاعر "نصيف الناصري" الذي روى لي ظروف زواج كزار بطريقة فكاهية ساخرة.. وقتها أبدت لي عجبي.. فأخر رجل في العالم يصلح للزواج هو صاحبي "كزار" ولما كتب لي عن ذلك كنت أعرف تفاصيل زواجه. وفي الفترة تلك يبدو أنه مد وشائج علاقته بالشاعر خيري عباس الذي أقترن بأختي الصغيرة " سليمة" التي يكنيها كزار في رسائله "بأم روعة". لما عدت أول من سألت عنه ـ كزار ـ ولم يطل الأمر زارني مخمور طبعا في اليوم التالي في بيتي وأشبعني قبلا وعناق. نفس الملامح السمراء التي تبدو وكأنها حمصت للتو بالتنور، نفس الأصابع المرتجفة الناحلة، نفس نبرة الصوت، نفس الهيكل وكأنني غادرته البارحة، في الضجيج ذاك لم نتمكن من الكلام وسط الزوار، لكن في الأيام التالية وجدته على الرصيف جوار الجسر القديم واقفا بانتظاري حيث أذهب عصر كل يوم إلى ذاك المكان الذي قضيت جلّ طفولتي فيه أخدم زبائن عمي "خليل الحلاق" أشهر خالق نكت بالمدينة والذي وجدته هو الآخر تجاوز السبعين يتواجد بنفس موقع دكانه الذي تحول إلى محل حلويات، يجلس صباحا في مقهى صغيرة مجاورة لدكانه  القديم في الصباح، وفي مقهى كبيرة على سطح دكانه القديم في المساء.

وجدت كزار هنالك قلقاً أخبرني أنه معتكفا في البيت، لا يخرج إلا بالضرورة، مرتبكا، قلقاً، كنت أدرك لم هو قلقا إلى هذا الحد، سلبه الوضع الجديد أهم مكان من أمكنة عمره البار.. لا بل شكا لي من مسلحي "مقتدى الصدر" التي كانت تجوب المدينة تعتدي على محل تسجيلات، تكسر الأسطوانات وتعبث ما تشاء، تشم الكفرة. أما من تجده قد احتسى الخمرة تقيم عليه الحد.. في مشاهد ذكرتني بميليشا حزب البعث، الحرس القومي في طفولتي، والجيش الشعبي في شبابي، وبعدي فدائيي صدام. نفس المحنة تتجدد تتكرر بأثواب جديدة والعراقي تحت المطحنة كما يقول صديقي الشاعر جمعة الحلفي:

هذا البحر.. مو بحر

هذا.. دمي المسفوح

وهذي السفن مو سفن

هذي مراكب نوح

دم أهلي هذا البحر

من نينوى.. من أكد

من أور.. من أشور

من أول التاريخ لليوم

دم أهلي مهدور!.

هذا البحر.. مو بحر

هذا البحر جذاب

هذي السفينة جذب

وهذي المراكب جذب

هذا البحر تابوت 

دم أهلي هذا البحر

دم أهلي ياقوت

من أور من أشور

من نينوى ومن أكد

من أول التاريخ لليوم

بس العراقي يموت!!.

   كنا ننتظر على الرصيف قلقين من عدم مجيء رسول الخمرة المسمى "صباح" الصامت كان يأتي قبيل المساء بقامته الفارعة وجسده الممتلئ ودون كلام يشمل الواقفين من الأدباء والفنانين ومحبيهم بنظرة مستطلعة ويغيب، مع حلول المساء يتسلل إلى زقاق ضيق معتم ليضع كيساً من الخيش عند مدخل الشقة التي نشرب فيها ونتحاور يحتوى على حاجتنا من الويسكي والبيرة والجن والعرق. ولما تأخر ذلك اليوم: أخذت كزار في جولة على أمكنة سرية أخرى تبيع الخمر إلى أن حصلنا على بغيتنا من بيت جوار التجنيد القديم، في طريق عودتنا وقف كزار وحدق بيّ جانبا وقال:

ـ شني هاي سلام ما صار لك  أيام بالمدينة واندليت كل هذي الأماكن!.

ـ كزار العركـ يندلني مو أني أندله.

أطلق ضحكة عاصفة.

كنا نحمل خمرتنا بحذر لنتسلل إلى شقة منزوية، أو إلى بيتي بالعصري مخافة من قطيع مسلح لا نعرف من أين أتى. فمرة كنت أنا وكزار عائدين من المقهى ظهراً. كنا نسير جوار سوق السمك فلمحنا حشودا قادمة من جهة ـ الجديدة ـ تهتف ضد الاحتلال. حشود مسلحة، متوترة، ترمق الناس بعداء بيّن.ْ الوجوه غريبة كلها، علق كزار:

ـ هذولة أمنين!.

ـ هو أنت تسأل لو أني الغريب عن المدينة!

ـ والله ما أعرف ولا واحد.. هذولة غربة

وقفنا نحملق بالصراخ الهستيري. ثمة معمم مراهق يجلس جوار السائق في سيارة تيوته بيكب يصرخ بمكبر صوت يدوي ويؤشر نحو حشد الواقفين على الرصيف، ولما صار أمامنا ركز سبابته نحو جسدينا فرأينا بوضوح أصابعه المرتجفة المزينة بمحابس الفضة وملامحه المؤنبة الحاقدة وعينيه اللتين جعلتنا نتذكر هتافي حزب البعث أوائل السبعينات:

ـ أنت الواكف على الرصيف إذا ما تنزل ويانه أنت تأييد الاحتلال!.

وجه مسعور أعادنا إلى أيام البعث الأولى حينما كانوا يسلكون نفس السلوك!.

قلت لكزار:

ـ مسكين أيها العراقي من محنة البعث إلى محنة هؤلاء!.

سيقومون ـ مليشيات مقتدى الصدر ـ في الأيام التالية بالإغارة على إحدى الشقق التي يتجمع فيها عدد من مثقفي المدينة، لم تكن الشقة التي نلتقي فيها، بل شقة أخرى كان يلتقي فيها جمع أخر منهم "علاء رسول النجار" مدير تلفزيون الديوانية وقتها والذي دعاني لجلسة في تلك الشقة ولم تسنح الفرصة كي ألبي دعوته. سيعتقلونهم تلك الليلة، وفي الصباح سيجلدونهم في الساحة قرب جسر المحافظة، فينقلون إلى المستشفى وهم في وضع خطر وبائس، جرى ذلك وسط المدينة وعلى مرأى من الشرطة والسلطة وقتها. تخيلت نفسي أجلد معهم.. وكان ذلك الاحتمال كبيرا لو أن الغارة تصادفت مع تلبية دعوة "علاء".

أيها العراقي

من جلاد إلى أخر

جسدك عار مباح

أيكون قدرك هذا؟!.

خاطبت كزار ونحن نجلس على الرصيف:

ـ إذا تبقون على هذا الوضع راح يجي اليوم اللي تنجلدون بالشارع لأنكم ما تروحون للمسجد وقت الصلاة!.

ـ شنسوي هذا قطيع مسلح ما يسمع!.

ـ ما أدري أطلعوا للشارع!.

في الأيام التالية المتبقية على موعد رجوعي إلى الدانمارك سيقرع كزار باب أهلي في الحي العصري عند العاشرة، لنخرج معا إلى مقهى في سوق المدينة المسقوف وكأننا في السبعينات.. نشتري الصحف، الصباح، المنارة، النهضة، طريق الشعب، بغداد، المؤتمر، و.. و.. نطالعها ونتحاور.. أجد قصائد لزوجته الشاعرة "رسمية محبيس" منشورة بالصفحة الثقافية لطريق الشعب.. فيسألني:

ـ هل رأيتها؟!.

وكنت فعلا قد رأيتها في احتفال يوم الشهيد الشيوعي في قاعة إعدادية الديوانية للبنين، ألقت قصيدة قبل أن أقدم كلمتي عن أخي وأولاد عمتي الذين ضاعوا في مقبرة جماعية لم تزل سرية. امرأة قصيرة، ساكنة الملامح، محجبة، ترتدي العباءة والعصابة. ألقت قصيدة جميلة ومؤثرة. قلت معلقا:

ـ رسمية شيوعية لو شنو!.

هدر بالضحك وقال:

ـ أشمدريني.. محجبة.. تصلي يومية، وصورة الإمام علي بن أبي طالب معلكه بالغرف والصالة، وبرمضان تصوم وتكعد الليل كله تقره أدعية السجاد.. وتكتب قصايد تنشرها بطريق الشعب.. والله ما أدري شنو القضية يا سلام!.

تركت كزار حائرا

بكل ما يدور

وأجد نفسي حائرا

     في هذا الركن البارد

               بكل ما يدور حولي من سكون

                                       فأتأرجح على حافة الجنون!.                                      

 

 

بغداد/ الخميس 25/8/1994 العاشرة صباحا

الصديق العزيز سلام

آثرت أن أكتب إليك من بغداد، أنا الآن أكتب في مقهىً يطل على ساحة الميدان، وضجيج جهاز "الفيديو" التي انتشرت بكثرة في مقاهي بغداد يطغي على ما عداه.. والجميع يتناولون الشاي بالأقداح، إذ أن صاحب المقهى من الشقيقة مصر العربية‍‍.. والشاي بخمسة وعشرين دينارا ـ تصور ـ، ويثير منظري الغريب ـ أنا قريب الشبه بالمصريين ـ حنق العراقيين وغبطة المصريين.. وأنا أتجول في بغداد بالنعال والقميص الذين لم أغيرهما منذ بداية الصيف، وأنّى لشاعر مثلي أن يرتدي ملابسَ جديدةً.. على الرغم من كوني شاعراً مرموقاً.. ولكن الشاعر هنا له مواصفات أخرى، عدا كونه مرموقاً.

عُينت في دائرة السينما والمسرح براتب قدره مائتان وخمسون دينارا على الرغم من كون الأجرة بين بغداد والديوانية تتراوح بين 75 ـ 100 دينارا فقط لا غيرها ـ تصور.

علي الشباني، لا زال حيوياً، وسمينا، ومرفها، وكذلك حبيب الأجرب الذي عنده الآن أموال قارون، ولكن ـ لقد تغيرت ملامح (الجديدة) إذ هُدمت ، ويعاد الآن بناءها إذ شقت فيها الشوارع العامة طبقا للتصميم الجديد للمدينة. وبطل العرق أصبح أغلى من الذهب، تصور بطل العرق العصرية ها بـ 800 دينار، ولذلك أقلع العراقيين عن الشرب.. وهذه هي الحسنة الوحيدة.

كنا البارحة في بيت "رضا ذياب" وتكلمنا كثيرا عنك. وقال لي أنه سيرسل إليك رسالة أخرى رغم أن أخر بطاقة منك قد وصلت إليه في نيسان، ويحاول الاتصال بك من عمان أواخر شهر أيلول من عمان إذا ما وجّهت إليه الدعوة من الجهات الفنية هناك.

أكملت الآن إنجاز ديوانين الأول: "قصائد لا يحبها الرأسماليون" الذي أرجو أن يموله علي الكحلي.

والثاني: "أسعد إنسان في العالم" الذي أرجو أن يموله كريم الحلاق إذ أن طباعة الديوان في عمان تتجاوز الثلاثمئة دولار.

عزيزي: كيف هو حال علي الكحلي، ومنعم الكحلي، وشاكر السماوي، وجاسب وعباس المهاويين.. أرجو إخباري عن (ابيحي) صباح كاظم الذي هو في السويد كما أشيع، كيف أخباره؟. أكتب لي عن ذلك أرجوك..

عزيزي: إخوانك بخير صدق، وأهلك الآن فتحوا دكاناً من الدار دكاناً محترماً، وإخوانك جميعهم بخير.

قد تسنح لي فرصة لزيارة عمان، من هناك سأبرق إليكم. ولكن على إخواني هناك أن يتأكدوا أنني سأبقى "كزار حنتوش" الطيب رغم كل شيء.. كل شيء.. وسأظل أتذكركم حتى في الدار الآخرة..

الحياة جميلة تبقى، ونبقى نكتب الأشعار، ونحب، ونصادق، ونعيش بين الزهور والأوحال حتى النهاية.. حتى النهاية..

تحياتي للعائلة الكريمة في الدانمارك.. مع تحياتي للصحاب وأسلم.

 

مع الرسالة قصائد كتبتها مؤخراً

      كزار حنتوش

                    بغداد ـ دائرة السينما والمسرح

الأسماء الواردة في الرسالة:

1ـ علي الشباني الشاعر العراقي المعروف

2ـ علي الكحلي القاص والروائي علي عبد العال

3ـ شاكر السماوي الشاعر العراقي المعروف

4ـ رضا ذياب ممثل مسرحي عراقي يعيش الآن في كندا

5ـ حبيب الأجرب: هو حبيب ظاهر كان مقاتلا في حركة الأنصار أوائل الثمانينات شجاع مقدام عاد إلى الداخل سرا وعاش حياة مختلفة وهو الآن من أثرياء مدينة الديوانية

6ـ كريم الحلاق، جاسب على مهاوي، صباح كاظم "ابيحي" التحقوا بحركة الأنصار في كردستان عام 1982 والآن يعيشون في اسكندنافيا.

ـ عباس مهاوي، ومنعم الكحلي اشتركا في انتفاضة 1991 ولجأ إلى رفحا في السعودية ثم إلسويد           

هذه الأسماء سوف يتكرر ذكرها في رسائل كزار التالية

 

القصائد

 

قصائد عابسة

                                       كزار حنتوش

 

1 ـ نهاية قيصر الصعاليك

 

ها إني وقعتُ

كبعير

وسكاكيني كثرت

ـ لا تعبأ..

جارحنا كالطاعن في الماء

أووه.. أووه...

لكن "حميد بروتش"

وأنا أعدو زحفاً صوب حدائقه

هدّ الحيل بنرجسة بيضاء

ـ آه.. آه..

فات الوقت إذن

ها إني وقعتُ

كبعير

وسكاكيني كثرت

أووووووووووووو

 

2 ـ الحظ

كل خميس

أنصب نفسي كالسدره

في الميدان العام

لكن الطير الذهبي

يصرف عني

ويحط على غيري

 

3 ـ مجد القط البري

                         إلى جان دمو

 

القطط البيض الناعمة

ما آوتني

في البيت الدافئ

ونمور الأحراش الصعبة

طردتني

من وجر الليل الخافي

ولذا همتُ على وجهي

في الحرية!

دون رفيق

 

4 ـ كعب أخيل

 

أخرجت من السجن

كنبيذ عتق دهراً في قبو

كان القمر الأخضر

كوة زنزانة

والليل، الليل، الليل، الليل، الليل

يراقب سكناتي

بنجوم لا حصر لها

وأنا أمشي فوق رؤوس حوافري

الخمسة

مشطوباً كالزابرا بالأسلاك الشائكة

سأدبغ جلدي

في نادي البغل الذهبي

وأدور هناك.. هناك، هناك، هناك

كعمود غبار في الديوانية

يلتف، يلتف، ويلتف، ويلتف، ويلتف

وأعب من الخمرة هناك

ما يكفي لهلاك ثلاثين مقاول

هم.. هم.. وسأرمي عند الفجر إلى

الوحل

مثل الأشعار البرناسية!

لا..

سأروح إلى مقصفنا