|
متاهات الزمن المفقود |
|
|
رافع الصفار
رفع رأسه إلى الأعلى فرأى سحابة صغيرة بيضاء تتمطى في أحضان السماء الصافية الزرقاء. تلفت حوله مندهشا، وقال بصوت مرتفع: - أمر غريب، سحابة ؟! أخرج منديله المكرمش من جيب بنطلونه وراح يمسح العرق المتصبب من وجهه وعنقه. عاد يتفحص السماء مرة أخرى، فلم يجد غيرها في قلب ذلك الهجير المستعر. تحرك عندها ناحية شجرة توت عملاقة وجلس تحت ظلها الوارف متكئا على جذعها، وممددا ساقيه اللتين كانتا تنبضان بالألم على الأرض. أسند رأسه إلى الجذع ونظر إلى الأعلى فتبدت له السحابة من بين الأغصان المتشابكة. لو تكبر هذه الغيمة فتغطي عين الشمس، لتمكن من مواصلة السير دون عناء. أغمض عينيه وأسلم نفسه لمداعبات النعاس. راحت الأشكال من حوله تتمطى وتغير أشكالها. لم يأت من الغيب، لكنه دنا منه وقرفص إلى جانبه. مد يده ووضع كفه فوق جبينه. قال متسائلا: - هل أنت محموم ؟ - إنها الشمس اللعينة. ويغوص في العتمة. يختنق. يدخل في صراع مع نفسه بحثا عن الهواء. يشهق. يفتح عينيه. يتلفت حوله. في تلك اللحظة بالذات تتوقف أمامه سيارة مرسيدس سوداء فخمة الطراز، وينزل منها فتى يعتمر قبعة أمريكية، مدجج بأحدث الأجهزة والأسلحة الأوتوماتيكية. يقترب من الجالس تحت شجرة التوت. يشير له بيده: - انهض. يلملم الفتى الجالس تحت الشجرة ساقيه وهو يحدق في الآخر باستغراب. - ماذا تريد ؟ - بدون مناقشة، هيا انهض. لم يركبه الخوف، أو ينهار. ظل متماسكا. شبك كفيه حول ركبتيه، وقال بازدراء: - لست عبدا في بيتك أو بيت أبيك كي تصدر لي أمرا. هيا انصرف. انتفخت أوداج المسلح، اجتاحته موجة غيظ. راح يصرخ: - أيها الكلب، ما دمت لا تريد النهوض فلتبق في موضعك. وسحب من خلف ظهره هراوة ذات رأس مكورة سوداء.. وتحرك باتجاه الفتى الجالس تحت شجرة التوت. انهالت الضربات عنيفة، غزيرة.. فوق رأسه، وعلى وجهه وصدره..حتى كاد أن يلفظ أنفاسه. أحس بشيء ما يقترب من الألم يخترق صدره. أراد أن يصرخ، لكن الصوت احتبس في حنجرته..
كان ما يزال جاثيا على يمينه وكفه فوق جبينه. قال متسائلا: - مازلت محموما ؟ - لا لست محموما، إنها الشمس.
ويقترب منه وجه أنثوي متبسم..فينهمر الشعر فوق وجهه. تقرّب من فمه إناءا فيه سائل ساخن وحلو. تحشر إحدى كفيها تحت رقبته فيندفع السائل الحلو داخل أحشائه. يزداد الوجه الأنثوي الجميل إشراقا. يعزف صوت موسيقى عذبة: - لا تقلق، ستكون بخير.
امسكاه من شعر رأسه وسحباه إلى قمة ربوة. كانت بقايا ملابسه ملطخة بالوحل والدم، وجهه تملؤه الكدمات، عينه اليسرى منتفخة مغلقة. شفتاه متورمتان ينضح منهما الدم، وفوق حاجبه الأيمن جرح غائر نازف. اقترب الفتى المدجج بأحدث الأجهزة والأسلحة الأوتوماتيكية من بقايا الفتى المسكين الممدد على الأرض ووضع جزمته العسكرية فوق رقبته وقال معربدا: - اسمع، سأكون رحيما معك وأمنحك فرصة للنجاة بجلدك. سأعطيك دقيقة واحدة كي تنهض وتعدو إلى حيث تريد، بعدها سوف أطلق وراءك هذا الكلب.
وكان الفتى المسلح يشير إلى كلب بوليسي عملاق يمسك به زميله. يسحب جزمته عن رقبة الفتى المسكين ويضيف قائلا: - تلك هي فرصتك الوحيدة إذا أردت أن تنجو من أنياب الكلب المسعور. هيا انهض.
ويستجمع الفتى المسكين ما بقي لديه من قوة وينهض على قدميه. و..منهارا، خائرا.. يندفع عبر المنحدر يدفعه الخوف وبصيص أمل للنجاة من بين براثن مصير أسود محتوم. يندفع مترنحا بين الصخور والشجيرات مثل قشة تتلاعب بها ريح هوجاء.. ويتعثر، يسقط، يتدحرج، يظل يتدحرج حتى يختفي عن الأنظار. يعود الكلب إلى سيده لاهثا، حائرا، بليد النظرات دون أن يتمكن من العثور على طريدته.
عندما يتماثل للشفاء، وتبرأ جراحه..ويصبح قادرا على الجلوس في سريره والتحدث الى الآخرين، يسألها قائلا: - لم تسأليني. - لن أسألك. - لماذا؟ - لأني أعرف كل شيء.
ويتذكر تلك السحابة الصغيرة التي كانت تتوسط كبد السماء في يوم صيفي قائظ. تقول وهي تناوله كأسا من عصير البرتقال وقد أشرق وجهها بضحكة ملائكية: - مثلا، كلما أغمضت عينيك..تحلم بست الحسن والجمال، التي تختطفها الغيلان وتلقي بها خلف أسوار القصر المسحور، فتنذر نفسك لإنقاذها رحمة بأبيها سيد البلاد الحزين، وأمها التي فقدت بصرها من كثرة البكاء على ابنتها، وربما أيضا طمعا بالفوز بقلب الأميرة الحسناء..
عند المغيب يمر شيخ طاعن في السن بشجرة التوت العملاقة فيبصر الفتى الراقد تحتها متكئا بظهره إلى جذعها وممددا ساقيه على الأرض. كان الشيخ محدودب الظهر، يتوكأ على عصا معقوفة من الأعلى، يرتدي جبة بيضاء، ويعتمر عمة خضراء، ذو لحية كثة طويلة شديدة البياض بلون الثلج، ووجهه ذو البشرة البنية بلون الطين كأنه لوحة حفر الزمن عليها نقوشا تحكي قصة الإنسان منذ الأزل. يدنو الشيخ من الفتى الراقد تحت الشجرة، ويقرفص إلى جانبه. يهزه من كتفه هزات خفيفة متتالية. - انهض، يا ولد، لقد انحدرت الشمس إلى المغيب، ستحل الظلمة قريبا. ويحك، هيا انهض. يفتح الفتى عينيه، وقد أطلت منهما أشباح الفزع. - لا أفهم شيئا، من تكون؟ - لا حاجة بك لأن تفهم الآن يا ولد. دعنا نغادر هذا المكان.
وينهضان، يسند أحدهما الآخر، ويتحركان باتجاه ربوة مجاورة. عند قمة الربوة ينهار العجوز على الأرض، أنفاسه تتلاحق سريعة متقطعة. يقول الفتى مشفقا وهو يحدق في العجوز: - ما كان عليك أن تبذل كل هذا الجهد. - لم يكن أمامنا غير هذا المكان كي ننجو من سطوتها. يتساءل الفتى وقد بدا عليه الاستغراب: - سطوة من ؟ يهش العجوز بذراعه وهو يبحث عن أنفاسه المفقودة: - لا عليك من هذا الآن. دعني أسترجع أنفاسي أولا.
المكان نفسه بالتأكيد. في المرة السابقة كان ممرغا في وحل المهانة، وحذاء السيد فوق رقبته، تغمره مشاعر القهر والرعب. الآن يقف بطوله، يسترجع، يتأمل، يقارن، وأعاصير من أحاسيس مختلطة متنافرة تجتاح العراء الممتد داخل روحه الخاوية. أي اللحظتين هي الحلم، وأي اللحظتين هي الواقع، اختلطت عليه الأزمنة وتداخلت، ولم يعد يعرف أين هو الآن، قبل أم بعد، وأين موقع اللحظة الراهنة ؟ يلتفت ناحية الشيخ الذي كان زائغ النظرات، ووجهه ذو اللون البني الداكن مشرب بصفرة خفيفة. - كيف حالك الآن ؟ - دعك من حالي، فقد أسترجع أنفاسي اليوم..وتخرج إلى بارئها غدا. المهم الآن أن تسمع حكايتي.
طال الانتظار حتى فقد الجميع الأمل في ظهور الوريث. - طوال خمسين عاما كنت أخرج إلى العراء كل يوم عند مغيب الشمس، لعلي أجده راقدا تحت شجرة التوت، خمسون عاما وأنا أنتظر وأمني النفس بقدومه دون جدوى، حتى تملكني اليأس، وأيقنت أنه غير آت..
يقرفص الفتى بين يدي الشيخ، ويحدق ببلاهة واستغراب في الوجه الطالع من فوهة الأزمنة الغابرة. - ماذا يجري؟ لا أكاد أفهم شيئا. - ستفهم كل شيء لو تتحلى بالصبر. أتعرف بأني عندما جلست إلى جانب الرجل الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، في هذا المكان، قبل ما يقرب من خمسين عاما، لم أنفعل، ولم ألح في طرح الأسئلة، حتى أنهى الشيخ حكايته.
كانت ليلة ليلاء، خلت فيها السماء من النجوم، ولم يكن فيها قمر. كانت تغطيها الغيوم الكثيفة التي تهدد بهبوب عاصفة هوجاء تحني رقاب النخيل، وتقتلع الزرع من الجذور. كانت الظلمة تطبق أنفاسها على القرية تماما، ما عدا ضوء شحيح يتسرب من نافذة أو اثنتين، فتستطيل الظلال أو تنحني أو تتمطى لترسم أشكالا لعفاريت وطناطل طالما أرهبت نفوس الكبار قبل الصغار، وتتهيأ لاحتلال الطرقات حالما يخليها بني البشر. وكان الفتى ما يزال يرقد في السرير في إحدى غرف دار الحسناء، جسده مرقش بالجروح والكسور والكدمات والرضوض. في تلك الليلة المروعة دار همس بين الرجال: قوات من الحرس الخاص تطوق القرية، وهي تقوم الآن بالفعل بتمشيطها بيتا بيتا، وشارعا شارعا، بحثا عن مجرم خطير مطلوب للعدالة. وكان الهمس أسرع من البرق إلى أذني الحسناء. جلبوا تابوتا إلى غرفة الفتى. طوقت الحسناء وجه الفتى بعينيها الباسمتين وقالت: - لا تقلق، ستكون بخير.
رفعوا الفتى ووضعوه داخل التابوت، ثم أغلقوه عليه. رفعوا التابوت على الأكتاف وساروا به في طرقات تحرسها العفاريت، ويبكيها عواء الريح حتى جاءوا ارض الموتى. توقفوا عند أحد القبور. فتحوا بابه، وهبطوا عبر سلالم حجرية ضيقة إلى قاع القبر. وضعوا التابوت على الأرض، وأضاءوا شمعة، ثم رفعوا غطاء التابوت. جثت الحسناء على ركبتيها، وانحنت فوق الفتى المسجى داخل التابوت وقالت: - أنت الآن في أمان. اطمئن.
والتفتت ناحية أتباعها، ثم أضافت قائلة: - أخرجوا الآن وأغلقوا الباب وراءكم. لا تعودوا إلينا إلا بعد أن تنزاح الغمة وينجلي الموقف تماما.
حلت الظلمة، ورصعت السماء بالنجوم، وهبت ريح شمالية باردة. أخرج الشيخ زجاجة شراب من جيب سرواله. رفع غطاءها وتناول جرعة طويلة. بعدها مسح فم الزجاجة وناولها للفتى الذي لم يتردد هو الآخر في أخذ جرعة طويلة من الشراب. يقول الشيخ وهو يتأمل صفحة السماء المتلألئة: - تبدأ حكايتي في ظهيرة يوم صيفي شديد الحرارة، شبيه بهذا اليوم تماما، عندما يكتشف أبي، وهو رجل دين متزمت، بأن ابنه البكر-أنا- يعاقر الخمرة كل ليلة، فيثور، ويرغي، ويزبد، ويشتم، ويلعن، ويهدد، ويتعوذ من الشيطان، ثم يطردني من البيت: أنت كافر، ولا مكان لك بيننا، هيا أخرج. وأجمع حاجياتي على عجل وأخرج من البيت ومن المدينة، وأهيم على وجهي في العراء لساعات طوال، حتى أصل هذا المكان وأنا منهك تماما، وأبصر شجيرة التوت، فأتوجه إليها وأجلس تحتها طلبا للظل والراحة. وأغمض عيني، فيغلبني النعاس وأروح في إغفاءة متقطعة قلقة..
نصف نائم، كأنه في حلم، يقظة، كابوس. جلبة أصوات تقلقه، تضايقه، تقض مضجعه. صنوج، وأبواق، وطبول، وأقدام تضرب الأرض المغطاة بالحصى في إيقاعات عسكرية رتيبة، وفرسان، وجياد تجر عربة ملكية تبرق تحت ضوء الشمس. يفرك عينيه وهو يحدق في ذهول. يتجه صوبه أحد الحرس. - انهض، من أنت؟ وماذا تفعل في هذا المكان؟ - عابر سبيل.
ويشير برأسه إلى اثنين من الحرس المدججين بالأسلحة. - خذوه.
يربطوه إلى جذع شجرة عند سفح الرابية، ويخلعون عنه جلبابه. ويبدءون بجلده. تنهال السياط فوق جسده فتطلق براكين النار في عروق الفتى المسكين.
برد الجو، وبزغ القمر بدرا شاحبا عند الأفق خلف شجرة التوت العملاقة، فانبسطت أسارير الشيخ. لكن الفتى ظل متوترا. ينهض واقفا على قدميه، مشدودا كأنه سهم يوشك أن ينطلق. يحدّث الشجرة والقمر قائلا: - تريد أن تقنعني بأن ما جرى لم يكن مجرد حلم أو كابوس. - وما رأيك أنت؟
يعود الفتى ليقرفص بين يدي الشيخ كأنه بنيان شاهق..ينهار. يقول منتحبا: - لا رأي قاطع عندي. نعم هو أكثر من كونه مجرد حلم، لكن ليس فيه شيء من الواقع. - بالتأكيد هو أكثر من كونه مجرد حلم، ولكن فيه شيء من الواقع.
حلم فيه شيء من الواقع. اختار قائد قوة الحرس الخاص عشرا من أجمل صبايا القرية وقال لشيخها: - سآخذهن عوضا عن الفتى الذي تتسترون عليه.
حاول أخ لإحدى الفتيات أن يعترض، فأرداه القائد قتيلا برصاصة اخترقت جمجمته. وتجرأ أخ ثان أن يتقدم إلى الأمام فتصدى له الحرس برشاشاتهم، ورقشوا جسده بثقوب صارت ينابيع دم. عندها تراجع الجميع وألجمهم الرعب، فانطلقت النسوة بالعويل والصراخ يلطمن الخدود، وينفشن الشعور، ويمزقن الثياب. أما الآباء فارتكنوا في زوايا الخجل، ودسوا رؤوسهم في صدورهم وانخرطوا في بكاء طويل مكتوم. لكن الشباب لم يستكينوا، وقرروا الانتقام من الطاغية وإنقاذ الفتيات من براثنه. في الليلة التالية قام عشرة من خيرة فتيان القرية بمهاجمة قصر القائد، فقتلوا الحرس، وانقذوا الفتيات واقتادوا القائد الذي وجدوه في مخدعه يضاجع إحدى الفتيات، عاريا إلى القرية حيث ربطوه إلى جذع في الساحة الرئيسية، وأصدروا حكمهم في حقه. قام والد الفتاة التي وجدوها في مخدعه بتنفيذ الحكم. كان الوالد يحمل خنجرا ذا نصل يبرق تحت الضوء عندما اقترب من القائد، وكانت نظراته تطلق حمم حقد تزيح الجبال من مواضعها، فأمسك عضوه الذكري بإحدى يديه،وسحبه بقوة إلى الأمام وبضربة خاطفة بالخنجر بتره عن الجسد، وألقاه على الأرض بين قدمي الضحية. بعد ساعة من الصراخ والتوجع والأنين عمد أحد الفتية إلى إطلاق رصاصة الرحمة في رأس الطاغية. فانطلقت الزغاريد في أرجاء القرية تعلن ميلاد يوم الفرح. - مهمتك هي تحويل الحلم إلى واقع. - كيف؟ - لا أدري. هذه مهمتك. - ومهمتك أيضا. - كانت، ولكني للأسف لم أفلح في ذلك.
مع خيوط الفجر الأولى لفظ الشيخ أنفاسه الأخيرة، وكانت آخر كلماته: - ليكن مثواي الأخير عند الشجرة.
ليبيا/الزاوية 20/1/2000
اللوحة للتشكيلي حسام كاكي |