|
عطالة النخب السياسية ومسؤولية الصناعة الثقافية! |
|
|
علي حسن الفواز يبدو ان البعض من مثقفينا ممن اشبعتهم المهاجر برودة واطمئنانا، واعطت جلودهم بريقا يعكس لمعان العافية والنوم بجرعات كاملة!! يجد في الحديث عن شجون الاخرين وهمومهم واحزانهم وخرباتهم من ابناء جلدته وكأنه حديث في سايكولوجيا التشفي، لانشمّ فيه رائحة المودة والمواساة ورفع الظلم عن ذوي القربى. ولانتلمس فيه وعيا بمعطيات واسباب انتاج هذا الخراب، مثلما لانحدس فيه مسؤولية المشاركة ومدّ اليد بالعون والافصاح عن النصيحة !! لانجد في احاديثهم الاستعراضية سوىباذخ التهم وعطالة الرأي وخلط الاوراق والتجاهل عن الوقائع، والتغافل ولو تلميحا الى المشاركة في انقاذ ما يمكن انقاذه وتخليص الوطن/ المكان/البيت والمواطن/ الحالم والمثقف والمتورط من فخاخ الاحتلال والعنف والسياسات المغشوشة على مستوى الصناعات الوزارية او غرائب ما يسوّ ق لنا من افتراضات الثقافة المدنية التي مازلت حدّ الان ثقافة على الورق وفي اجندة طباخيها!! ان ما قرأته في كتابة الشاعر والناشر خالد المعالي في صحيفة "الحياة" في 11 تموز (واعادة كيكا نشره) اثار الشجن حدّ البكاء، اذ استعرض السيد المعالي كل السوءات ونشر كل المعايب وافترض كل السواد ولوّح بالويل والثبور على زمن ثقافي هرسته الدبابات والهمرات واصحاب الفخاخ، اطلق الوهم على كل شيء ونشر غسيل بيته امام الاخرين، ليقين ما ان هذا البيت لم يعد بيته وان نخل سماوته تنازل عن نخل سماواته، وان ما حدث في العراق لم يكن الآ جزءا من الخراب الذي صنعه العرب والامريكان والعصابين والمتخلفين واللصوص، ثم طالبونا نحن المغلوبين بالحروب والحصارات والأخطاء والعسكرتاريا ان نصلح ما افسده العابرون والماكثون !! فالسيد المعالي يتحدث عن نخب ثقافية وسياسية وكأنه لايعلم ان هذه النخب في عطالة الاحتلال وعطالة الثروة، لاحول لها لتفكر بشيء هو أقرب الى صناعة الاطمئنان، أي الشأن الثقافي !! الثقافة ليست وزارة فحسب وليست هتافا وليست قبائل تمسرح يومياتها واحزانها وتصنع مراثيها، انها تخطيط وبرمجة وعلمنة وسماء مفتوحة للطيور وشوارع تمارس الفرح واليقظة، وحرية تمطر على اصابعنا نجوما وليست طلقات !!! فمن يخطط لاصدار كتاب وأي مثقف ( بطران) يخرج الى الناس شاهرا سيفه واوهامه ليطالب السيدة الحكومة والقيمين على شجونها بفصل ثقافي يغازلنا بالمدائح او الشتائم لافرق !! ان تبديل الوزراء وتبديل الحكومات ونقل الموسم السياسي من مؤقت الى انتقالي لاشأن له بالثقافة الحيوية والمهنية ولاشأن له بالمثقف العضوي والاحتجاجي والاشكالي !!! اذ تبدو هذه الصناعة غاية في التعقيد !! وغاية في ضرورة اعادة تأهيل المواطن والمثقف السياسي والعقائدي والشرطي لاكتساب صلاحية المعيش في زمن له السعة في الحوار والحرية وتبادل الشتائم والاكاذيب دون مرجعيات في المحو!
ان السيد المعالي يبحث عن حلول سحرية !! ويبحث عن كنوز عائلية !! ويمنّي النفس بصناعة ثقافية توزع دور نشرها ومسوقيها و دورياتها على طريقة الفرانكفونيين الساعين الى فرنسة العالم بعد ان ملؤوه الانكلوسكسونين استعمارا لاتعليم وراءه ولا آثار ثقافية علقها على جدران بيوتنا، ان ما يحدث في العراق ياسيدي هو ازمة شمولية، تفجر معها الماضي الاشكالي الملىء بالعقد والامراض والحساسيات التي اكدت فشل انظمة الحكم السابقة واجهزة الثقافة التاريخية الحاضرة اذ لم تسطع رغم كل اكاذيبها واعلامها الباذخ ان تخلّص الجلد العراقي من هذه الاوهام والسذاجات ، وتركت المواطن مخدوعا ومخذولا وعاطلا عن الحوار مع الآخر او ربما مع جيرانه،لان هؤلا ء الجيران منجمون ومرذولون ولا يجلبون لنا سوى الهموم والمصائب !!! كما تفجّر معها الخراب الايديولوجي والاداري والعصابي والثقافوي بكل مدائحه و ( نخبه المزعومة) نحن ياسيدي لانبحث عن برابرة للحل كما يقول كافافيس، لا نقترح ان تظل ايثاكا عاطلة !! نريد لهذه البلاد المغزوة والمبتلاة ان تنهض من الكبوة بابنائها !! بعشاقها الذي غسلوا شوارع المنافي وملؤوا الدنيا ضجيجا واشتهاء بالحلم والشعر والحرية والاحتجاج والاغاني والمراثي !! نريد ان يقف اصحاب الحلم الثقافي الذين فروا نحو حريتهم مع حرية الوطن، ان يأثثوا بيته باناقة احلامهم، ان لايتركوه نهبا للسيل والطوفان وخراب الذمم ورداءة الاداء وسوء النوايا ، ان يبادلوه بتعويض نبيل ، ان يمدوا اليه الهتاف والقصائد والاحتجاج. الحديث عن (عداء النخبة السياسية للثقافة ) ليس حديثا جديدا، انه يتمظهر الان بمرجعيات اخرى، يشوبها الخراب الاقتصادي والاجتماعي بانواع متعددة من الرداءات التي حولت ما هو ثقافي الى توليفات في المزاج السياسي، ونزعات في تأسيس هوامش قلقة على حساب المتن الانساني والوطني، كل هذا يحدث والمثقف امام الفرجة !! لاحكومة تحميه، ولا مؤسسات ثقافيه تشاطره الوعي بضرورة الانتقال الى الضفة الاخرى!! ولا مجتمع مدني حقيقي يمكن ان يؤمن له مناطق اشتغال منافسة !! ولا محيط عربي حكومات ومؤسسات وثقافات تحتض هذا المثقف وتدعمه ازاء خطورة ما بعد الاحتلال بعيدا المواقف الرديئة والسيئة التي اثبتت ان الزعامات الثقافية ليست اقل سوءا من الزعامات السياسية ! ولا مثقفون عراقيون اتسعت لهم المنافي بادروا الى مد اليد وبنوايا خالصة لايجاد ولو انصاف حلول لازمة الثقافي والابداعي. الضجيج والهتاف هو ما يملأ الساحة الان !!! الكل يشتم الكل،والكل لايثق بالكل، والوطن يمزق قيصه من قبل ومن دبر ! ان الحكومات لاتصنع الثقافة وهذا قول حق، ولكن المثقف لوحد لايصنع مشروعا ثقافيا ايضا !! اذ ان هذا المشروع هو برنامج اقتصادي وتخطيطي وتسويقي والسيد المعالي باعتباره صاحب دار نشر اعرف الناس بهذه الشجون، فلماذا لا يصدر نداء الى المثقفين العراقيين العاملين في دو النشر الاوربية والامريكية والعربية بتشكيل (هيأة) دعم وتنسيق مع المثقفين العراقيين في الداخل، واظن هذا جزءا من حقوق اخلاقية!؟؟ ولماذا لايعمل هو شخصيا لايعمل توأمة في مجال اصدار ونشر الكتب مع المثقفين العراقيين بعيدا عن حسابات الربح والخسارة؟ بدل هذه التهم غير الواقعية! ان الخبرات المدنية العراقية في هذا المجال بسيطة ومتواضعة ولا رأس مال حقيقي لديها، والحكومة القديمة هي التي سيطرت على كل شيء له علاقة بالكتاب ولم تترك للاخرين عادات كتابية يمارسونها خارج الهواء الحكومي باطمئنان كامل، والحكومة الحالية عاطلة عن التخطيط لأي برنامج ثقافي على مستوى الميزانية، وعلى مستوى الاداء ووضع المعالجات الثقافية بمستوى المعالجات الامنية !
كما ان تفاصيل الشأن الحكومي وتوزيع المسؤليات هنا وهناك هو سلوك اداري ومزاجي وسياسي احيانا ولا علاقة للثقافي بهذه الموضوع، كما انه قابل للتغيير مع أي انزياح حكومي ، لذا ياسيدي لاعتب على احد !! سوى ان يعتب المثقفون على بعضهم البعض، ان يتعاونوا وان لايرموا الحجر على بعض، والزاوية التي تبدو معتمة عند السيد المعالي في ان هناك عسرة ثقافية وابداع صالح للحياة، هي ليست معتمة عند الاخرين الذين جاءوا الى بلادهم وبين ايديهم مشاريع وافكار لتحريك الداخل الثقافي ! نحن بحاجة الى ارواح باسلة وارادات تتجاوز انويتها، وافكار اكثر عضوية في تفعيل واخصاب ماهو ساكن، وان لانجعل برودة المنافي تصل الى النخاع اللغوي لتصيب الموقف ببرودة قاتلة، كن انت صاحب الخطوة، فالتاريخ يفتح ذراعيه دائما لاصحاب الخطوات الجليلة!
بغداد
|