ثقافة العنف في العراق

 

نصوص عراقية

 

 

العدد 23 -- أيلول 2005

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com

 

شروط النشر: لم يسبق نشر المادة في المواقع الألكترونية ويجب الالتزام بعدم نشرها على النت الا بعد نفاد مفعول العدد (شهر واحد).

يجب أن تكون المادة مكتوبة ببرنامج الوورد ومصححة لغويآ ومرفقة كملف


الأفتتاحية

 سلام إبراهيم: أدب عراقي لا أدب خارج وداخل

مقالات في الأدب 
 
 د. عدنان الظاهر:   البياتي 
 محمد مظلوم: الرصافي بعد ستين عاما
 د. إبراهيم الجعفري: في ذكرى الجواهري  
 سلام إبراهيم: كتاب كانوا سوط الجلاد  
 كريم كطافة: من أفشى السر
 عزيز التميمي: كلود سيمون والرواية الجديدة
 طالب عبد الأمير: سحر الشرق

الشعر

 صادق الطريحي: نساء في مقبرة
 مفيد عزيز البلداوي: أرى أنني لا أرى 

 عبد اللطيف الحرز: كتاب الموت
 ترجمة: بدل رفو: قصائد من الشعر النمساوي
 
  نص
 نص مشترك:  نحن مع ( أبو بكر زمال) ضد ساسة
 

 القصة
 
 يوسف أبو الفوز: من سيرسم لي الودرة
 اعتقال الطائي: طقوس
 سلام عبود : ليس مباحا للمرء أن يكون طويلا في بغداد
 صبيحة شبر: محاولة

 رافع الصفار: متاهات الزمن المفقود
 طالب عبد الأمير: في يوم تموزي لاهب
 سلام إبراهيم : رؤيا اليقين
 صبيحة شبر: نقد قصص العدد الماضي

 
 الرواية 
 
 حمودي عبد المحسن:  أربعة فصول من المزمار
 سلام عبود: فصل من رواية زهرة الرازقي
 

 متابعات 
 عنابة جابر: زواج أجمل امرأة
 سناء الموصلي: زهرة الرازقي لسلام عبود

 توفيق التونجي:  المزمار لحمودي عبد المحسن

 شاكر رزيج فرج: طائر الدهشة ليوسف أبو الفوز قصص  
 جمال بو حسّون: سرير الرمل لسلام إبراهيم 
 
حوارات في الثقافة العراقية
 عادل عبد الله :  أدبائنا في المنفى
 علي حسن الفواز:عطالة النخب 
  سلام عبود: ثقافة العنف في العراق
 شاكر الأنباري: منْ يقتل منْ في العراق 
محمد مظلوم: المقهى العراقي ليس مقهى السنترال
 عادل عبد الله :  أدبائنا في الداخل
 سلام عبود: حرب الداخل والخارج

 

مدن وأرياف ووجوه
 زهير كاظم عبود: نبوءة الدكتور شناوة

 
 الحكاية
 سلام عبود:  أبو طبر
 محمد رشيد : حيوان خرافي

 أدب الرسائل
سلام إبراهيم   وكزار حنتوش:  ويمر عمر العراقي خطفا 

 ذكريات ويوميات
 أعتقال الطائي:  إبراهيم زاير ودفاتر البنات
  سلام إبراهيم: قالت لي: أنا عندي حنين
 يوسف أبو الفوز: لابد أن نلتقي
 

 كتاب الشهر
 
 سلام إبراهيم: الفتيت المبعثر رواية محسن الرملي

 
أدب شعبي

جمعة الحلفي: يا بحر

 

 

عودة الى موقع الكاتب العراقي

 

 

 

سلام عبود

(المقدمة)

الدوافع التي تقف وراء كتابة هذا الموضوع كثيرة, في مقدمتها حالة الالتباس السياسي في الوضع العراقي, وما يلازمها من تعقيد فكري وسلوكي, أدى في أحوال كثيرة الى تحول الجدل أو النقاش في أصغر المواضيع الى رطانة لا منطق لها. هذا الموضوع هو محاولة لإعادة النظر في بعض الأمور الثقافية – الاجتماعية, وإعادة النظر في مبدأ رؤية هذه الأمور. وهو أمر يحرص الجميع على تجنبه ويتحرجون من الدخول فيه, لما يجره من عواقب لا يحب الناس التورط فيها، مفضلين على الأغلب النأي بأنفسهم عنها، وترك من هو أكثر تعطشا منهم لتحمل الأذى- وهم قلة نادرة- إلى تحمل أعبائها. أرجو أن لا يعامل هذا الكتاب معاملة البحوث العلمية، فشأنه أقل من ذلك بكثير. فهو مجرد خطاب عاطفي طويل, لكنه خطاب صادق. وينبع صدقه ليس لأنني حرصت على أن أكون عادلا فيه مع نفسي فحسب، ولكن أيضا لأنني اضطررت، بغية تجميع مادته، وخاصة نصوص الداخل، التي تجاوزت المئات، إلى الارتحال آلاف الكيلومترات، إلى هذه العاصمة أو تلك، لكي أمنح نفسي فرصة كافية للتعرف على بعض ما كان يجري في وطننا قبل إبداء رأي. وقد اكتفيت من النصوص, في أحوال كثيرة, عند عرضها, بتلك التي خصها الإعلام الرسمي بشيء من الإهتمام. وهي نصوص لا تتميز بالسوء أو الجودة قياسا بغيرها. لكنها تتميز بوضوح القصد, فيما يتعلق بموضوعنا: حرية التعبير والموقف الأخلاقي للكاتب والنص. ففي نصوص الحرب التي زخر بها عقد التمانينيات في العراق توجد كمية كبيرة من النصوص التي تستحق الإدانه بحق، ولم تكن هذه النصوص هدفنا المباشر، كما أسلفنا.

إن موضوعنا، بوضوح تام، هو القيام برحلة قصيرة تتقصى أساليب وطرق الكتّاب المتنوعة في التعبير عن ذاتهم، وهم يقفون في مواجهة واقع مأساوي ظالم. وهي رحلة أيضا في سبل التأقلم والتكيف، التي تقيمها الذات مع نظام سياسي وإجتماعي شديد القسوة.

لقد أثار نشر جزء من هذا الموضوع في صحيفة (المجرشة) العراقية, التي تولى إصدارها في لندن الفنان فيصل لعيبي, ومجلة (عيون) الصادرة في المانيا عن دار الجمل, ردود فعل كثيرة مختلقة، ومتباينة في حدتها. وظهرت معها أسئلة تتعلق بمادة الكتاب المعالجة وأخرى تدور حولها، أو حول ما يفترض أن يكون. لذلك أجد نفسي هنا ملزما بتوضيح بعض الجوانب المتعلقة بالموضوع فأقول مجددا: إن هذا الكتاب ليس دراسة عن نص الحرب، فهذه غاية أوسع من حدود هذه الدراسة المتواضعة. لأن موضوع أدب الحرب يشمل الأدب المؤيد والمعارض للحرب، إضافة إلى الظواهر السلبية والإيجابية فنيا وفكريا. كما توجد جوانب تاريخية ونفسية وإجتماعية وسياسية تتطلب البحث أيضا, وتلك أمور لا تدخل ضمن مجالات بحثنا في دراستنا هذه. لذلك فهذا للكتاب غير معنى بمتابعة قضايا أو الإجابة عن شؤون لا تقع ضمن دائرة البحث فيه. بيد أن هذا لا يلغي أو يقلل من أهمية تلك الأسئلة.على العكس, فأنا أؤكد بقوة على ضرورة معالجتها من أجل ان يكون صورة الواقع أكثر تكاملا ووضوحا وهذ الأمر يضع مسؤولية جسيمة على عاتق الكتاب والفنانين، ممن تتهيأ لهم سبل الدراسة، ويدعوهم إلى القيام ببحث تلك المواضيع بشكل ، وهي مهمة ثقافية ووطنية ضرورية، تتطلب كما أرى جهدا جماعيا كبيرا لغرض تحقيقها.

هناك من الأصدقاء من طعن في جدية النصوص المعالجة، معتبرا تلك النصوص، أو أغلبها، نصوصا لا قيمة لها فنيا. وهذا أمر صحيح إلى حد كبير. لكنني وجدت أن تلك الأنفة الأدبية، وهذا الترفع الثقافي ينطوى على خطر كبير. فهو أولا يحاول أن يعطي تبريرات كاذبة عن سبب عدم مواجهة هذا الأدب الردئ حتى اليوم في الثقافة العراقية. وهذا أمر يثير أكثر من سؤال. وثانيا إن هذا الرأي يتجاهل الدور الخطير الذي لعبه أدب الحرب الرسمي على مدى عقدين ولما يزل. إضافة إلى ذلك فإن هذا الأدب حاز على جوائر وألقاب لا يصح تجاهلها، بعضها صدر من مصادر حكومية، وآخر صدر من كتاب ونقاد قد يخدع المرء بقيمتهم ومكانتهم الأدبية.

والأهم من ذلك كله، ان هذا الأدب كان الصورة الرسمية لفكر النظام، عكس على نحو عميق سبل تفكير النظام ومزاجه وطرق تعامله مع الواقع. لذلك فهذا الأدب، بصرف النظر عن قيمته الفنية، هو أحد المصادر الأساسية لدراسة للواقع، وهو صورة أدبية للوضع النفسي والعقلي والاجتماعي للأديب في فترة معينة من تاريخ شعبنا. لذلك، فإن دراسة جوانب علنية من طرق التعبير قد تقود إلى رسم صورة للمناخ الفكري، الذي عاشه الأديب والشعب في مرحلة ما، وهو ما نهدف إليه. ولمزيد من الوضوح، ولكيلا يقع القارئ في ورطة بحثية، أود ان ألفت نظره إلى أنني قمت بالتقاط ملاحظات تاريخية من حقب مختلفة، حول العنف خاصة، ولم يكن هدفي من ذلك كتابة تاريخ ما، بقدر ما كنت أهدف إلى تتبع بعض جذور المشكلة زمنيا. لذلك، فعلى الرغم من أن هذا الموضوع يتخذ من الأدب والتاريخ موضوعا له، لكنه لا يرغب في ان يكون بحثا في التاريخ أو النقد أو التاريخ الأدبي، بقدر ما هو بحث في القيم الأخلاقية، وعلى وجه التحديد في الممارسة الأخلاقية للأديب، وفي الوظيقة الإجتماعية للأدب، في حقبة أرغم فيها الأدب على ان يكون مشروعا سلطويا، وطولب الأديب والفنان أن يكون، كرها أو طوعا، جزءا متمما لجهاز السلطة.

ولذلك كله، فإنني أؤكد هنا, على أن هذا البحث ليس دراسة في الأساليب، وليس دراسة في الجوانب الفنية والجمالية، وربما لا يكون أيضا دراسة متكاملة عن ظواهر فكرية، بل هو دراسة إجتماعية، ذات منحى أخلاقي. ونؤكد هنا على كلمة أخلاقي، بإعتبارها الهدف المباشر لجملة الملاحظات والمقارنات والتحليلات التي تناولها الكتاب.

 وموضوع المسؤولية الأخلاقية هذا يناقش، في الكتاب من خلال مبحثين متداخلين هما، أولا: الحرب والعنف. وثانيا: سبل التعبير عنهما في الأدب العراقي. وعلى وجه الدقة درجة تطابق هذا الأدب مع أهداف السلطة وسياستها، سواء قصد كاتبوها ذلك عن وعي وإرادة, ام لم يقصدوا. فهو بحث أخلاقي في مبادئ العنف الرسمي، السلطوي, وسبل التعبير عنها ثقافيا، أو سبل تداولها أدبيا. ويستطيع المرء أن يسمى هذه الدراسة، كما أحسست وأنا اقوم بها، بأنها اصطياد في الماء العكر. هذا الشعور الكريه، بأنني أغوص في مشاعر بغيضة، وأخوض في ماء آسن لازمني طوال فترة دراستي للنصوص، منذ أن بدأت بتجميعها لبنة لبنة في فترة عملي في مركز البحوث في عدن في الثمانينيات. فكلما فتحت صفحة جديدة من كتاب خفق قلبي بشدة وأنا أمضي قدما في دراسة نص ما، خشية أن تقع عيناي على كلمات تحمل مشاعر عدوانية أو كاذبة أو منافية لمبادئ الضمير، وهي كثيرة إلى حد مقرف وممل. فليس مبهجا أن تقرأ ذلك، وليس مبهجا ان تذهب لتجمع الأدلة والبراهين حول ذلك. والأكثر بشاعة هو أن تكتشف وجود تلك الكلمات في مواطن لا تحب أن تراها، وفي اشخاص لا تود لهم أن يكونوا هناك. لكن الواقع القاسي له أحكامه القاسية.

ومن ضمن مظاهر قسوة الواقع هذا، أنني وجدت نفسي متلبسا في جريمة إلحاق الأذى بالآخرين، وهو إحساس سيظل يعذبني بشدة. فلربما ظلمت هذا أو ذاك من الأدباء، حينما سلطت الضوء على نص له دون غيره، أو حينما تناولت مقطعا صغيرا، هامشيا، من نص طويل له، مبرزا إياه كشاهد ودليل على موضوع لا يسر أحدا، بمن فيه كاتبه. ولكن, لا يلومن نفسه من تباهى بأنه قذف إلى السوق بفيالق مدرعة من النصوص, فمثل هذا المقاتل جعل نفسه, بالضرورة, مادة مباحة يسهل أخذ ما يؤخذ منها. وهنا يكون الاستهداف بحثيا خالصا، مرده سهولة الحصول على مثال. وذلك ظلم مضاعف، أحمل نفسي مسؤولية الآلام التي سأسببها لأصحابها، وآمل منهم أن يكونوا رحماء بي، نظرا لحسن نواياي. إن هذا الإختيار ينطوي على قدر كبير من الظلم والقسوة، لكنه اختيار إرغامي، يشبه الوقوع في الأسر أو التعرض إلى ظلم من قوى قاهرة لا سبيل إلى تفاديها.

فما كان بمقدور هذه الدراسة أن تورد الأمثلة كلها والأسماء والنصوص كلها. ذلك مطلب خيالي وخال من الحصافة العلمية. وما كان يمكن تجسد الظواهر من دون إعطاء أمثلة حسية. لذلك سيكون ظلما فادحا لو أخذ كاتب ما بجريرة جملة صغيرة، مثل تلك الجملة التي يؤكد فيها كاتب ما أن الشعب أصبح مزهوا بالعسكر، حينما صور لنا فتاة عاشقة تنظر بإعجاب وزهو إلى بدلة حبيبها الذاهب إلى الحرب، أو مثل تلك الجملة التي تعبر عن فكرة كون الناس أصبحوا محاربين في اعماقهم حينما يهزأون بالقنابل. وبمناسبة القنابل، لقد صورنا للقاص محمد سمارة بأننا شعب إعتاد أن ينام فوق سطوح مكشوفة على وقع القنابل! ولا أعرف حقيقة جدية مثل هذه الصورة. أهي أزمة في السقوف، أم خوف من السقوف، أم هي شجاعة شأذة، حقيقية؟ فبعض كتاب الحرب العراقيين تجرؤوا على القول أنهم كانوا يرتجفون هلعا، حالهم حال أي مخلوق عاقل على وجه الأرض، على الرغم من أن مثل هذا الاعتراف أمر شاذ وخال من النبل الوطني في نظر كتاب الحرب. لكنني حينما قرأت نصوص محمد سمارة ونصوص الأشقاء القصاصين الفلسطينيين، الذين "زاروا" جبهات القتال ضمن وفود الكتاب، لكي يسجلوا إنطباعاتهم عن شجاعتناالخارقة، وجدت موضوعا قصصيا هامشيا، هو في الغالب ليس من صلب الحدث، يتسرب بكثرة وبوضوح تام إلى قلب نصوصهم، كما لو أن سلطة ما خفية تفرضه فرضا على النص، ذلك الموضوع هو تكرار فكرة سقوط "شخص" ما أسيرا بيد الإيرانيين.

تلك ملاحظة هامشية لا تكون شيئا بذاتها، ولكنها ملاحظة تقف في تعارض تام مع صورتنا ونحن ننام عند القصف تحت سقوف عارية، وتتعارض بقوة أكبر مع كون الخرب "مبتدأ الفرح" كما قال القاص يوسف اليوسف. فلم يكن في أعماق النفس سوى الهلع! إن النص فاضح وماكر، وهو أكثر مكرا من كاتبه احيانا، مهما كان كاتبه حاذقا في الدهاء والتزوير. فالنفس لها أسرارها، وللكتابة  أسرارها الخاصة المغايرة. ونحن هنا نريد أن نصل إلى جوهر العنف من خلال تصورات وأفكار من عبروا باقلامهم عن العنف كحقيقة مؤكدة مورست ببشاعة ضد إنساننا وبوساطته، وعن العنف كصورة مزورة للبطولة الكاذبة والإنتصارات الوهمية والبهجة المأساوية المتواصلة بهيئة بكاء جميل، أوخراب جميل، أو بقاء جميل، أو أي لون أخر من ألوان السعادة السوداء.

لقد أرغمت الحرب، لطولها وقسوتها، الجميع على تحمس مواضع الخطر فيها، فهي كما قال جواد الحطاب لم تكن مجرد نزهة رومانسية. وحتى الشعراء الأكثر توفيقا في المجال المهني كعدنان الصائغ، الذي طالما ذيل كتبه متباهيا بمكانته الأدبية وبما حقق مهنيا خلال فترة وجيزة، وهو دون شك يستحق ذلك، حيث "عمل محررا ثقافيا في جريدة القادسية، وكذلك في الطليعة الأدبية، والجمهورية، ومجلة الكتاب، ومسؤولا للقسم الثقافي في حراس الوطن، ورئيسا لتحرير مجلة أسفار ورئيسا لمنتدى الآدباء الشباب". كل هذا الزهو المهني لم يجعله بمنجاة من ورطة الوهم، ولم يحجب عنه روحه الإحساس بالانكسار.

"توهمت... يا ليتني ما صحوت من الوهم، يوما/ فابصرت كل المرايا مكسرة/ والمسارات فارغة في المدينة حد التوحش".

بيد أن الصائغ مثل كثيرين من أسرى الداخل لم يكن قادرا على مغادرة هذا الوهم:

"لكنني.../ بعد عشرين عاما، وماذا تبقى؟/ سأمضي مع الوهم/ حتى النهاية" من قصيدة (مرايا الوهم).

إن الادعاء بالصفاء والوئام، مهما غلف بالأمان والمكابرة، لم يكن قادرا على ستر عري واقع مشحون بالمخاوف والكوابيس ومشاهد الموت، ولا على إخفاء الخيبة الروحية التي عاناها الناس في بلادنا.

لذلك، فليس المقصود هنا وضع هذا الكاتب أو هذه الجملة الصغيرة تحت العدسة الكبرة، لتلتقطها إرادة شريرة أخرى، لكي تستخدمها لأغراض خبيثة معادية لجوهر دعواتنا الرامية إلى نبذ العنف. فمثل تلك الملاحظات الصغيرة لا تكون بذاتها قيمة ما. ولكنها ستغدو ذات قيمة كبيرة وحاسمة حينما تضاف إلى جملة واسعة من الصور المماثلة، التي تكون، بمجملها، لوحة الحياة العامة والمنهج الأخلاقي للنظام ولثقافة النظام. إن هذا البحث هو بحث معاد للعنف أيا كان مصدره، وهو بحث معاد للشر، سواء كان شرا قادما من سلطة مؤسسة أو افراد، من نص أو من كلمات، من نيّات أو من افعال، من داخل أو من خارج. إنه مشروع للعراك المستميت مع العنف والشر أينما وجدا.

لذلك سأعيد مجددا القول ان موضوعي هذا هو وجهة نظر أخلاقية وليس بحثا أدبيا. فهو لا يُعنى بدراسة مستوى التعبير الفني, لكنه يُعنى بتشخيص أوجه السلوك البشري من خلال النصوص الأدبية، ومن خلال مواقف الأدباء. وهو بمعنى آخر ليس أحكاما قضائية أو جنائية، بقدر ما هو حوار مع ذات "عليلة", حوار اقرب إلى المونولوج الحزين منه إلى البحث العلمي أو الأدبي. وهو رحلة عاطفية في القيم الروحية، وعلى وجه التحديد في الممارسة الأخلاقية للأديب وفي الوظيفة الاجتماعية للأدب، حينما يتحول الأدب إلى مشروع سلطوي، ويتحول الأديب والفنان إلى ذيل ملحق بجهاز السلطة، بإرادته أو بغير إرادته. فأديب هذه الحقبة جعل من نفسه، بوعي أو من دون وعي، وثيقة حية على واقع ما. إن أفضل قصائد تمجيد الحرب، من وجهة نظر السلطة، التي كتبها عبد الرزاق عبد الواحد مثلا، هي في عين الوقت أفضل الوثائق التي تثبت حجم الكارثة وتفضح أبعادها الروحية والمادية، من وجهة نظري الشخصية.

إن الحديث عن الأبعاد الروحية للكارثة أمر يستهوي كثيرين، ولكن لا أحد يجرؤ على إيراد ودراسة أمثلة حسية على هذه الأبعاد, على الرغم من  أننا نستطيع أن نجدها في كل بيت بل وفي كل شخص. وليس الأمر محصورا، كما يظن كثيرون، بالسلطة وأفعالها. فأبعاد الكارثة تسري على الجميع نفسيا وإجتماعيا وثقافيا. ومن الأمثلة العجيبة، التي حصلنا عليها في هذا الشأن، الحوار الثقافي الذي دار على صفحات "الزمان"، والذي أسمته الصحيفة "صور من الخراب الثقافي بصوت عال"، والذي أضطر فيه أحد المتحاورين إلى الرد على خصمه المسرحي د. فاضل سوداني قائلا، وهو يحاول النيل يحاول النيل منه "كما أود أن اضع امام القراء بان اسمي قد ورد في القائمة التي نشرتها جريدة الزوراء حول الأدباء العراقيين وضمن تصنيفاتها المعروفة النابعة من أغراض النظام, وعلى الرغم من الخلط المقصود ووضعهم اسمي في خانة "الوسط" وهذا يزيد فخري, لأن هناك أسماء في هذه الخانة أمثال مظفر النواب وفوزي كريم وأسماء أخرى..." ولا يكتفي المحاور بهذه الحجة الثقافية لإثبات أهميته السياسية والعقلية، بل ذهب به الخيال المدجن إلى حد أنه يسأل خصمه "كما أسألك هل ورد اسمك كباحث ومثقف أو كمعني في أمر من الأمور الثقافة العراقية أو العربية في هذه القائمة! (الزمان- العدد840-6/2/2001) هذه صورة من صور الواقع الثقافي وهي إحدى الصور الكثيرة التي جعلتني أقول في جزء من كتابي: إنني أخشى أن يشاركنا في كتابة مؤلفاتنا قادة فرق الإعدام! فقد أضحى طبيعيا أن يجد بعضهم في إرهاب السلطة الموجه إلى الشعب وسيلة لتثبيت مكانته في المجتمع والوسط الثقافي، حتى بتنا نعتقد ان هذا البعض يقر داخليا بأن السلطة هي المصدر الوحيد للتقييم والحكم الأدبي والاجتماعي، سواء كنا في حضنها أو بعيدين عنها. إنهم اطفال السلطة، الذين لم يفطموا بعد، وربما هم أجنتها, التي لم يقص بعد الحبل السري الذي يربطها بجسد أمها الطيبة! إن هذه الصور هي لمحات من دمار تام لذات لم تعد تميز بين كون الجلاد جلادا أو ناقدا حكيما. وهذا حد متطرف في خرابه، وهو الأساس نفسه الذي جعل شخصا مثل حسين كامل يصدق، عند خروجه من العراق، بأنه مؤهل لتولى رئاسة هذا البلد المظلوم. فهو قد بنى- بعضهم يعتمد اعتقادا جازما بأنه شهيد !- قناعاته على حقائق مماثلة التي دفعت هذا المتحاور إلى الاستنجاد بالقتلة ليثبت حقه الثقافي الذي لم يستطع إثباته بنفسه. فبعضهم لم يدرك بعد أن الخراب لم يعد جميلا، كما يدعى كتاب السلطة، وهو لم يكن جميلا في يوم ما.

ومن خلال تجربتي الشخصية,  وعلى الرغم من معرفتي المحدودة بهيئات العمل الثقافي في الخارج, وجدت أن درجة الإنحطاط الروحي، ودرجة السطحية وانحلال القيم، عند بعض المنفيين، تفوق إلى حد كبير ما هو موجود عند الجماعات الثقافية في الداخل، الموالية للسلطة. من منا يجهل الأعمال اللصوصية التي يتخذها البعض باسم النشاطات الثقافية للجمعيات والإتحادات الوهمية والنوادي على طول رقعة المهجر الأوروبي؟ من لم يسمع بذلك؟ إن صور الخراب متعددة ومتنوعة، وهي لا تخص الداخل أو الخارجين توا من الداخل. إن الخراب شامل وعام. ففي الخارج هناك كائنات متخصصة في الخراب، تعيش حتى على خراب الخراب!

وعلى الرغم من هذا كله، وسواء قبلنا سلوك بعضنا أو لم نقبله، وسواء تقاطعت بنا الطرق أو التقت، سنظل جزءا من ذات واحدة تبحث عن سبل للم شتاتها وتجميع مزقها، يصر بعضهم على الإيغال في تمزيقها، ولا تسعى سوى قلة نادرة إلى إعادة توحيدها، من أجل تخليص مما لحق به من جور وتدمير.

لقد علمنا صدام حسين- حقيقة هو لم يعلمنا ذلك، فنحن نعرف ونجيد الأمر بنفس القدر الذي يعرفه هو ويجيده- لقد علمنا صدام حسين أن نكذب على ذواتنا ونحن في موقع الإذلال, وحينما وجدنا أنفسنا في موقع الحرية، شرعنا نتبادل الأكاذيب مع بعضنا. نبيع أكاذبينا إلى أصدقائنا مقابل حفنة أخرى من الأكاذيب. إن حرية كهذه لهي أحط من العبودية, وان ثقافة تتمرغ في مشاعر الكره لهي صورة محزنة تشهد على خراب شعب. آن الأوان لأن نكون أكثر شجاعة ونقول كفى كذبا, كفى لؤما! آن الأوان لكي نروي بصدق لأبناء وطننا اليتامى حقيقة ما جرى، عاريا من كل لبس. ربما سنستطيع بذلك تجنيبهم ما وقعنا فيه من شر وأذى, فلربما سيمكنهم ذلك من أن يغفروا لنا, فقد خلفنا لهم وطنا من خراب، وطنا أُخرِج أبناؤه من أزمانهم الشخصية وقُذفوا في ظلمات العالم السفلي.

لقد إفتتح الشاعر أحمد مشتت قصيدته (سأرسم الوطن على نظارتيك) بالكلمات التالية: "تفاوض المتخاصمون، فمن يفاوض القتلي" أما أنا فسأختتم هذه المقدمة بها, لأنني حينما شرعت في كتابة موضوعي هذا لم أكن راغبا في مفاوضة أحد سوى القتلى. ولكن، كم سيطول حبل التفاوض مع القتلى يا نوح البابلي!