|
أدبـاؤنـا فـي الـداخـل |
|
|
عادل عبد الله
في مقال سابق لنا ”أدباؤنا في المنفى“ لم ترد كلمة مديح او ثناء واحدة بحق اخواننا الادباء والمثقفين الذين اختاروا وربما، مكرهين، البقاء هنا ابان الحقبة السابقة. فلماذا اذن شنت الردود التي وصلت الينا عن المقال حملتها الشعواء على مثقفي الداخل مفترضة في نوع من القياس المنطقي الفاسد، ان ادانة او عتابا يصدر من احد ما في الداخل، الى اخر في الخارج، يعني بالضرورة تزكية ومديحا لنفس المعاتب او المدين، بل ومسوغ كاف للنيل المقابل ممن صدر العتاب عنه لكل ذلك أقولها علنا هذه المرة دونما حرج من احد مفصلا حالنا حالهم في هذه العلاقة التي لا يريد البعض صفاء لها. لايشكل المكان بحد ذاته أيما قيمة يمكن ان تضاف للمقيم فيه انطلاقا ”فقط“ من وجوده في هذا المكان. لكن للمكان، البيئة، والظرف الاجتماعي والاقتصادي الاثر البالغ في تشكيل وعي الافراد وفي سلوكهم ونتاجهم الثقافي والابداعي. من هنا فما من فضيلة او مزية او مديح او بطولة يمكن لاحد خلعها او نسبتها لمثقف في الداخل ثوابا أو”اجرا“ يمنح له بسبب من بقائه هنا في العراق إبان تقطيع السلطة لاوصال ابنائه مثلما ليس كافيا في الوقت نفسه ان تجري ادانة احد المثقفين انطلاقا ”فقط“ من مغادرته العراق ايام حكم الطغاة له وجورهم على اهله. معنى ذلك”بعد اسقاطنا من حساب المعادلة كل اولئك المثقفين الذين عملوا على خدمة النظام ومؤسساته “. ان معيار تقييم المثقف ومكانته الشخصية سيكون رهينا بمواقفه من السلطة ونوع سلوكه ازاءها ومقدار إسهامه في النيل منها والعمل على اسقاطها. وليس يخفى على احد ان مثل هذه الممارسة الثقافية كان يمكن لها ان تحدث هنا في الداخل او في الخارج على حد سواء ، اي كان يمكن لمثقف الداخل بصمته تارة او بامتناعه عن العمل في مؤسسات السلطة الثقافية وتسويق نوعها الثقافي بالرغم من حاجته الماسة لمثل ذلك العمل، ان يؤسس لنفسه مثل هذه المكانة التي تستدعي احترامنا له وتقديرنا لمواقفه، مثلما يمكن في الوقت نفسه، لمثقف عراقي يقيم في دولة اوروبية ان يلسع النظام كل يوم بإبرة قلمه المسمومة تلك التي جرب النظام بالفعل مقدار اذاها عليه. وهذه حالة اخرى تستدعي بالمقابل كل اعجاب وتقدير لأصدقائنا هناك سواء الذين عادوا لبلادهم ام الذين نترقب بصبر نافد رجوعهم لنا. اما في الجانب السلبي الاخر من المسألة فيمكن الاشارة الى ان قسما كبيرا من مثقفي الداخل، اضطروا بعد ان طال بهم الامد وضاقت سبل العيش عليهم - اضطروا الى الذهاب الى الوليمة مرتدين لباسها الرسمي ومقدمين من مهاراتهم العمودية ما فاجأوا به الوسط النثري والحداثوي الذي ينتمون اليه حتى اذا عادوا الى بيوتهم محملين بعطاء القائد السخي لعنوا بودلير ومزقوا مطبوعات ”دار التقدم“ مفضلين عليها انفاق ساعاتهم في البحث في دواوين الشعر العربي عن قواف ملائمة لقصيدة مليونية جديدة. اما القسم الاخر”منا “ وهم”شر البرية“ فانهم اولئك الذي ارتدوا في جلسات المقاهي والبارات لباس المعارضة وتكلموا بثقافتها ومفرداتها بالرغم من كونهم يعملون في مكتب مؤسسات عدي الاولمبية وفي نوعها الثقافي الملتزم والحريص على انتاج ثقافة ملهمة تستمد روحها من توجيهاته السديدة تلك التي كانوا يتلقون اسرارها المقدسة في جلساتهم السرية والعلنية المصورة معه. نعم بقي في هذه الفئة تقسيم فرعي اخر هم اولئك المثقفون والمبدعون حاملو روح المعارضة وكبرياء العداء للسلطة طلابا واساتذة جامعيين ومدرسين وعمال وموظفين وعاطلين عن العمل هؤلاء جميعا هم ابناء التاريخ العراقي الخاص وهم النتاج الطبيعي لوعي مجتمعاتهم وسواء عليهم اهاجروا تحت طائلة هذا السبب المعلن او ذاك ام بقوا هنا يبيعون الكتب والاشياء الصغيرة في الشوارع امام حياء اصدقائهم من هذه المصائر التي آلوا لها فهم وحدهم المعنيون هنا بـ”مثقفي الداخل“ كتسمية شرف لهم استحقوها لصبرهم على اذى السلطة وحفاظهم على روح الثقافة العراقية من بلوغها لحظة الانهيار الكامل والاستسلام الكلي لقبضة السلطة. غير ان حجر الزواية الذي اسس لخراب علاقة المثقفين في بعديها الخارجي والداخلي هو بوصف صريح له: ان اخواننا المثقفين قد عادوا الى بلادهم وهم ”غرباء“ عنها لا يعرفون من مثقفيها الا ما بقي عالقا في ذاكرتهم ولأن عودة الكثير منهم كانت بقرارات اميريكية وبمناصب مهمة محجوزة لهم من جهة ولانهم لا يريدون ان يخسروا هذه المناصب او يفشلوا في اداء مهماتها من جهة اخرى. ارتأوا ان يعتمدوا على ما وجدوه حاضرا امامهم من العناصر الثقافية دون تمحيص او اعتبار للماضي الثقافي الذي كانت تنتمي اليه هذه العناصر، الأدهى من ذلك ان تعرفهم على حقيقة هذه العناصر واخبارهم بالوثائق عن حقيقة سلوكها المشين سابقا لم يزد اولئك المسؤولين المثقفين الغرباء الجدد الا تمسكا بهذه العناصر واصرارا على بقائها في اماكنها الثقافية العاملة. في وضع ثقافي وسياسي بائس كهذا، أيبقى لاحد في الخارج او في الداخل من عتاب او لوم يمكن ان يتوجه به الى مثقف في الداخل اذ يضج بشكواه وهو يرى بعد كل سني القحط تلك كل اولئك الذين كانوا يحولون بينه وبين رزقه وثقافته وعيشه الكريم يتبوأون مرة اخرى ذات المناصب المهمة التي ستمنعه بالفعل مرة اخرى من رزقه وثقافته وعيشه الكريم كأن شيئا من التغيير لم يحصل. أو كأن الذين وفدوا من الخارج الى بلادهم يريدون ان يكملوا لهم مشهد اقصائهم ونفيهم داخل البلاد لما تبقى من حياتهم المريرة هنا. ربما تكون لهذا الحديث بقية، أحسب ان من الحكمة ان امنح غيري حق اكمالها.
|