|
قصة في يوم تموزي لاهب |
|
|
طالب عبدالأمير كانت شمس تموز الحمراء اللاهبة، قد استقامت فوق بغداد للتو فأفردت أجنحتها على شوارع المدينة الشبه الصامتة في مثل أوقات الظهيرة تلك من ايام صيف عام 1975، مذييبة الاسفلت لتحوله الى فقاعات تغلي بسائل أسود. كنت أسير في الجانب الايسر من ساحة الجندي المجهول قادماً من منطقة القصر الابيض، حيث أنجزت معاملة الفيزه واجراءات السفر الاخرى. كنت استعد، حينها، للسفر الى اوربا لمواصلة الدراسة، بعدما أوصدت الجامعات والمعاهد في بلدي أبوابها أمامي. لم أترك جامعة، كلية أومعهداً الا وطرقت أبوابه، ولكن دون جدوى فهذه الكليات مغلقة لمن لديهم صك الانتماء للحزب القائد وتلك تطلب شروطاً صعبة التحقيق بالنسبة لي. لم يكن لي نصيب من إكمال الدراسة في بلدي، فلابد اذاً من الرحيل مرغماً. أجتزت نصب الجندي المجهول وأنا واثق من أن جيبي مازال يحتفظ بقطعة من فئة المئة فلس، بعد أن دفعت رسوم الفيزة التي أصرت الموظفة الجميلة أن أنقدها إياها مقدماً، وهو أمر ماخطر ببالي حين تركت المبلغ الذي جلبته معي من الاهل لتغطية تكاليف السفرة من الناصرية الى بغداد ورسوم المعاملات المطلوبة، تركته في بيت صديقي وابن مدينتي الطالب في الجامعة والذي أعارني سريراً فيه. كنت حريصاً جداً أن أحافظ على الفلوس من السرقة وأحمل معي مايكفيني لتغطية الحاجات اليومية فقط. كانت والدتي الطيبة الذكر قد خاطت لي بنفسها جيباً ذو سحّاب في لباسي الداخلي القصير (حد الركبة) لأصر به على الفلوس التي قدر الاهل أنها تكفيني لمدة أسبوع أوعشرة أيام، وهي الفترة الكافية لاجراءات معاملة السفر الى الخارج. كنت قد حسبت بأن قطعة النقود التي بقيت في جيبي تكفيني لأكلة (فلافل) بخمسين فلساً والخمسين الاخرى لأجرة النقل في سيارة الفورد التي يتقاسمها عدة أنفار، توصلني الى بيت صديقي. شعرت بالجوع والعطش فذهبت الى أقرب محل لبيع الفلافل، كرعت كأس ماء وطلبت فلافل ويدي اليمنى تمتد في جيبي لأخرج النقود وأدفع ثمنها. لكنني سحبت يدي من جيب البطلون بشكل مفاجئ فقد التقت أصابعي بثقب صغير فيه. دسست يدي اليسري في الجيب الأيسر، فتشت في جيوبي الاخرى فلم تخرج بشئ سوى وريقات صغيرة مطوية وورق كلينكس مستعمل، ولا أثر للمئة فلس. تطلعت في وجه عامل المطعم الذي تكهن، بعد أن رآني أفتش في جيوب تصفر، بأنني زبون غير نافع. - ها، ماعنك فلوس ؟ سألني. - لا عندي، ولكني لاأدري أين وضعتها. - فتش هنا. قال لي وأشار الى المحفظة الصغيرة التي كنت أحملها تحت أبطي. كنت وضعت فيها جواز السفر، قبل أن أسلمه الى السفارة وبعض أوراق ومعاملات وكتاب ودفتر ملئ بقصائد شعر وخواطر وشخابيط وملاحظات عابرة وعدة أقلام حبر وجاف. فتحت المحفظة وأخذت أبحث فيها بين الاوراق وصفحات الكتاب والدفتر، ولكن دون جدوى. لاأثر لقطعة النقود المبجلة. إعتذرت للعامل وخرجت من المطعم آسفاً لأني لم أستطع التمتع بأكلة الفلافل اللذيذة، خصوصاً وأن أمعائي كانت تعزف من الجوع. عدت الى الجندي المجهول أتطلع الى القوس الرمادي الكبير. شعرت بأنني مقبل على مغامرة لامفر منها. لابد لي اذاً من السير على الاقدام في نار جهنم اللاهبة مسافة طويلة من الكيلومترات، فرأس الحواش حيث تقع الشقة التي أسكن فيها، منطقة تقع في الطرف الآخر من المدينة الكبيرة. وضعت المحفظة الصغيرة السوداء على رأسي وبدأت الرحلة. قطعت ساحة السعدون، عبر أبو نؤاس ومن ثم التحرير، حتى أحسست بأن رجلي لن تستطيعان حملي، وشعرت بثقل جسمي الذي أصبح كتلة من الماء. ماعدت أحس بالجوع ولكن بالعطش. دخلت أقرب مقهى صادفني وطلبت من صبي المقهى ماء. لاأدري كم كوب ماء شربت ولكني شعرت بالارتواء وإنتعش جسدي قليلاً، ثم جلست لأستريح في ظل شجرة، في ركن أرقب منه خالدة جواد سليم البرونزية، لكن سرعان ما أصطدمت عيناي بالثقوب التي رصعت الجدارية. كنت قد مررت سابقا مرات كثيرة من تحت هذا النصب العملاق، لكن تلك كانت المرة الاولى التي إنشد فيها بصري الى الثقوب فخلتها اصبحت جزءاً من مضمون النصب، فالحرية التي جسدها سليم في هذه الجدارية ظلت شامخة تزين صدر المدينة، رغم محاولة الذين ناصبوها العداء واطلقوا عليها النار في مجزرة عام 1963. إسترسلت في النظر الى الجدارية أتتبع مسار شعورٍ حزين انتابني ونقلني الى عالم آخر بعيد كاد ينسيني حالتي لولا أن يدي إمتدت صدفة الى جيبي. لربما كنت أبحث عن منديل ورقي أجفف فيه قطرات العرق التي تصببت على جبهتي. تلمست، من جديد، الثقب في جيب بنطلوني الايمن وندبت الحظ العاثر. ثم نهضت متوكلاً على الله وواصلت المسيرة مخترقاً شارع الرشيد. لا أدري كم مضى من الوقت وأنا أقطع كل هذه الكيلومترات حينما لاحت لي منطقة رأس الحواش. وقفت لأتأكد من أنني في الطريق الصحيح، ولما تيقنت من ذلك ركضت باتجاه البناية التي وجدت بابها مفتوحاً فدخلته مسرعاً وأخذت أنقل قدمي بين سلالمه العريضة الى الطابق الثالث. توقفت أمام الباب لحظة لأسحب نفساً طويلاً، قبل أن أضع أصبعي على الجرس. قرعت الجرس عدة مرات فلم أسمع جواباً، بدا لي أن صاحبي قد خرج ونسي أن يترك لي المفتاح، إذ مددت يدي تحت قطعة الحصيرة أمام الباب في أمل على أن أجد المفتاح فلم أعثر عليه. "كملت السبحة، كانت عايزه التمت. شسوي؟" تلوت ذلك همساً وقررت مواصلة قرع الجرس، فلاخيار لي سوى أن أحاول، أو أخيم أمام الباب منتظراً صديقي. استرقت السمع الى حركةٍ وراء الباب فتشجعت لقرع الجرس ثانية. لحظات وسمعت صرير المفتاح يئز وإنفرج الباب بصاحبي وهو يفرك عينيه، لقد كان الاخ يغط في نوم عميق بعدما كرع عدة زجاجات من "اللاكر". دخلت الشقة منهكاً، نزعت قميصي المبتل غير مبالٍ بأزراره التي تقطعت ورميته على الكرسي. ثم فتحت أزرار البنطلون بتثاقل وسحبته الى الاسفل. وحينما حررته من قدمي ورميته على الكرسي هو الاخر سمعت رنة قطعة معدنية قفزت من البنطلون وأرتطمت بالحائط. ولما بحلقت بها اكتشفت المأساة. كانت هي المائة فلس ذاتها التي سببت لي كل هذا الارهاق والتعب وكذلك الجوع. فقد كانت مختبئة في طوية البنطلون. تمالكت على الارض أحامل نفسي على الضحك حتى غلبني النعاس.
ستوكهولم 1996
|