الافتتاحيةأدب عراقي لا أدب خارج وداخل |
|
سلام إبراهيم1 ـ المنطق الأدبي والمنطق السياسيكثر الحديث عن أدباء الخارج وأدباء الداخل وكأن الكلام ترديد صدى لما يدور في العراق السياسي من تصاعد نغمة السني والشيعي والكردي وأبعاد اختلطت فيها النزعة الطائفية المقيتة بنزعة الحقوق وعاد المرء لا يستطيع فرز الحق من الباطل، والخبث من الطيب. في هذا العدد ستجدون ملف البعض جمعته والبعض بعث للمجلة خصيصا عن هذا الموضوع. لكنني أجد أن أسس الحوار الدائر غير سليم وغير دقيق ما دمنا نتكلم عن الأدب. ما يدور من حوار هو نظرة إلى الأدب من زاوية السياسة بينما من المفترض أن نقيم الحوار من منطلق مغاير يتعلق بالمنطق الأدبي. ومنه نتمكن من النظر إلى ما جرى ويجري. لابد في البداية من القول أيضا بأن ليس هنالك أديب خارجي وأخر داخلي هنالك أديب عراقي يكتب نصا عراقيا. لكن من الممكن الكلام عن ظروف كتابة النص. ومن هذا المنطلق ممكن تقسم تلك النصوص إلى قسمين 1 ـ نص مكتوب تحت ظروف القمع زمن الديكتاتور 2 ـ نص مكتوب تحت ظروف الحرية في المنفي. ولكل قسم سماته الفكرية والفنية.. ووفق هذا التقسيم من الممكن النظر بموضوعية للنص وطبيعته. فظروف القمع حددت الأدب وأفرزت ثلاثة أنماط من النصوص: الأول: نص تعبوي ساهم بتخريب وتسميم أفكار القارئ بالتطبيل للحروب وتبرير القمع وهذا يجده المرء في سلسلة قادسية صدام سيئة الصيت، وسلسة أم المعارك أيضا. الأسماء وافرة سيجدها القارئ في موضع أخر بهذا العدد. لما عدت في زيارة إلى العراق العام الفائت اكتشفت أن غالبية الكتاب كتب بهذا الشكل أو ذاك قصائد وقصص تبرر ذلك الوضع بشتى الذرائع توافق مع الوضع لكتاب البعث، أو خوفا أو لمصالح مادية للبعض الآخر إلا قلة معدودة. الثاني: نص التجأ إلى الأسطورة والرمز منشغلا عن هموم العراقي وقت الحرب والقمع خوفا من الاعتقال أو التصفية. كنصوص محمد خضير فغيب العراقي وأحيا المندثر والمدله بخرافات وأساطير قديمة، ومحمود جنداري الذي كتب نصوصا فيها من التلميح والصراخ والإشارة لما كان يجري دفع لها حياته ثمنا سجنا وتعذيبا ثم موتا مبكرا الثالث: نص كان يكتب خفية دون نشر أو برمز مفضوح وفيه يتناول هم الإنسان ذلك الزمن وبصراحة كنصوص علي الشباني الشاعر العامي العراقي. أما النص المكتوب في المنفى فله سماته أيضا إذ تميز بما يلي: أول سمة هو انشغاله بالعراقي في زمن الديكتاتور والحرب وكان صريحا يحاول عكس ذلك العذاب في نصوص روائية وقصصية كتبت خصيصا حول هذه التجربة وكان من المستحيل أن تكتب في العراق نصوص نجم والي، جنان جاسم حلاوي، شاكر الأنباري، جبار ياسين، حميد العقابي، كريم عبد، وكاتب هذه السطور، وعشرات الأسماء الأخرى التي لا مجال إلى ذكرها هنا. السمة الثانية هو الحرية المتشربة في مثل هذه النصوص. فانعكست على اللغة وبنية النص وأسلوبه مما جعلها تتميز وتلفت انتباه الوسط الثقافي العربي فكتب عنها العديد من المتابعات النقدية في الصحف العربية ومن كتاب عرب وليس عراقيين. السمة الثالثة.. النصوص المكتوبة في المنفى تجاوزت ليس التابو السياسي فقط بل حتى العرف الاجتماعي العراقي الصارم فكانت نصوص صريحة وعميقة كشفت الكثير عن تكوين الشخصية العراقية المزدوجة بين خارج عفيف وداخل يبيح حتى الكبائر نجد ذلك في نصوص عالية ممدوح حميد العقابي وشاكر الأنباري وجنان جاسم حلاوي وكاتب هذه السطور، والرائد فؤاد التكرلي الذي لم يستطع طباعة رواية واحدة في العراق زمن الديكتاتورية. هذا الكلام على عجالة أردت منه الإشارة إلى ضرورة أن ننظر للنص العراقي من منطلق أدبي لا سياسي وحينذاك لا توجد ضرورة للقول بأدب خارج وأدب داخل. بل أدب عراقي يعكس همّ العراقي في زمانه أو أدب مزيف كان سماً. أما من ناحية البناء وفنية النص فيوجد في الأدب المكتوب بالداخل والمنفى الغث والسمين ينتظر من النقاد والدارسين العراقيين الجدد تشخيصه والكتابة عن في المستقبل.
2 ـ جهل الوسط الأدبي العراقي في داخل الوطن بالنص المكتوب بالمنفى
النظام الدموي لم يجهّل عامة العراقيين فقط، بل جعل الوسط الأدبي في العراق ممن لم يتمكن من السفر ومعرفة ما كان يجري من نشاط أدبي للعراقيين في المنفى أعمى تماما، ولما زال الظلام بفضل القوات المحتلة طبعا لم تتح للقارئ في العراق ولا للوسط الثقافي معرفة حجم الحركة الأدبية في المنفى ولا مئات الكتب التي صدرت بشتى مجالات المعرفة وأقصر كلامي هنا على مجال اهتمامي الأدب النثري والنص الأدبي بسبب الاضطراب الأمني والسياسي المستمر حتى هذه اللحظة مما لم يتح له أقصد القارئ المهتم ـ وهو بالمناسبة ليس عريضاً كما يتخيل البعض ـ في الإطلاع على النص المكتوب بالمنفى حجمه، قيمته الإبداعية، تطوره، تيمه. هذا ما لمسته شخصياً حينما زرت العراق وأقمت أمسية أدبية مثلا في كلية الآداب بمدينة الديوانية فوجدت طلبة الأدب والوسط الأدبي يجهل أي شيء عن أدب المنفى وكأنهم خرجوا من السجن للتو. ليس الجمهور والوسط فقط بل المهتمين والدارسين أيضا. إذ وصلتني رسائل عدة بالبريد الإلكتروني لطلبة دراسات عليا يعدون أطروحة عن أدب المنفى لا يعرفون مثلا عبد القادر الجنابي هل هو روائي أم شاعر، ويعددون الكثير من الأسماء التي يريدون فقط معرفة الجنس الذي يكتبون فيه أو الكتب التي صدرت لهم، ويسألون أيضا عن المجلات العراقية الأدبية الصادرة بالمنفى وهذا ما سوف أخصص له مقالة خاصة، إذ لعبت مثل هذه المجلات دورا مهما في الوسط الثقافي العراقي والعربي. وغير ذلك من الأسئلة. هنا الحديث عن طلبة جادين يحاولون الحصول على معلومات تساعدهم في الدراسة. أما الحديث عن الوسط الأدبي في الداخل ذاك أكثر التباسا تدخل فيه المواقف السياسية والتاريخ السلوكي للأديب في علاقته بالسلطة الدموية، ثم بالوضع الجديد وحرية الصحافة بحماية بندقية الغريب المحتل، فوجد نفسه مطلوباً للعمل اليومي في تلك الصحف التي جاوزت المائة.. فأين له الوقت كي يطلع على النص العراقي المكتوب في المنفى زمن سجنه بأسوار عراق صدام الحديدية وهو يلهث للكتابة كي يكسب لقمة عيشه، هذا الوضع يجعلنا نفهم كثيرا لم يكتب بهذه العجالة وعدم المعرفة في تناول مثل هذا الموضوع الذي يحتاج إلى دراسة نتاج معرفي عراقي صدر بالمنفى طوال أكثر من عشرين عاما يشمل كل فروع المعرفة الإنسانية. لذا نجد مثل هذه الكتابات المبتسرة في الصحافة العراقية وعلى الانترنيت متسرعة وغير دقيقة المنطلق تبخس حقيقة كاتب المنفى وكاتب الداخل كما ورد في مقالات عادل عبد الله التي أعدنا نشرها هنا في نصوص والتي يشم منها أنه يتنافس على سبيل العيش ويعتبر من جاء بعقد مع الأمريكان نافسه في رزقه وهذا منطلق غير أدبي ولا يعني النص العراقي أبدا بل شأن عابر يتعلق بالعيش والصراع والوضع السياسي فلم يا ترى يجري الخلط بهذه الطريقة التي لا تقدم شيئا للجدل الفكري حول المأزق الوجودي العراقي بمفهوم مصير العراق لا بالمفهوم السارتري . هذا الحوار إذا بقى قائما على هذا الجهل فسوف لا ينتهي.. أقترح هنا كما كتبت لطلبة الدراسات العليا الذين كتبوا يطلبون المساعدة في تزويدهم بمعلومات عن أدب المنفى والجنس الذي يكتب فيه كتاب المنفى.. وهذا مستحيل فجهدي مثلا يقتصر على النص النثري كونه مجال اهتمامي، لكن مثلا في الشعر هنالك دواوين أكثر لا أستطيع حصرها ناهيك عن الكتب الفكرية وعن التاريخ العراقي والمذكرات، والموسيقى والتشكيل والمعمار. العراقيون كانوا وما زالوا أنشط الجاليات في مجال النشاط الفكري. ذلك يحتاج أن تقوم وزارة الثقافة واتحاد الأدباء العراقي بإصدار سلسلة تعيد نشر هذا النشاط الفكري العراقي أيام المنفى كما كان يفعل النظام المقبور في سلاسل كتبه عن أدب قادسية صدام ومعاركه.. وستكون هذه السلسة تاريخيا وفنيا تعبر عن الأدب العراقي المواجه لذلك الأدب الفاشي أدب الخراب وستكون الصورة واضحة للأجيال القادمة التي من المؤكد أنها ستدرس كل هذا النتاج وسوف تقول قولا يختلف حتى عما نعتقده هذه اللحظة ونذهب إليه. أقترح تشكل لجنة من كتاب المنفى تساهم مع لجنة من وزارة الثقافة العراقية واتحاد الكتاب لتحديد وأرشفة الجهد الفكري والأدبي العراقي المنشور طوال ثلاثين عاما وتوفيره طباعة وبأسعار رمزية للقارئ العراقي في الوطن. إذ جرى استيراد وإدخال كل شيء المخابرات، والإرهاب والقوات الأجنبية والستلايت بكل قنواته الإباحية غير المشفرة للمشاهد العراقي تحديدا، وكل شركات الأمن والتنقيب وووو إلا الثقافة العراقية التي أنتجت في المنفى زمن الدكتاتورية فهي وحدها المغيبة والتي يجهلها لا العراقي بل المهتم والأديب بالداخل حتى.
3 ـ الأديب العراقي والعناد
ما يزيد التباس الوضع الثقافي العراقي ليس فقط ما أشار إليه عادل عبد الله في مقالته حول التباس هجرات الأدباء وأسبابها.. عن هجرة سببها سياسي كما حدث مع من هاجر في نهاية السبعينات، أو من أضطر اضطراراً للتواري والمقاومة والهجرة وهذا أسميه جيل الضمير الأخلاقي غير المشخص بالنسبة لعادل عبد الله.. ـ هذا الجيل يشمل كتاباً كتبوا نصا موضوعيا عن التجربة يعنى بلا موقف سياسي مسبق. وجيل اضطر إلى الهجرة بسبب أوضاع الحصار وضيق العيش. وهذا الجيل الأخير كان قريبا في الثمانينات من السلطة وكتب لها نصوصا فازت بجوائزه لكنه عندما خرج من سجن العراق الكبير زمن صدام وتنسم الحرية ورأى الدنيا وأحس بإحساس الطائر كتب نصوصا مختلفة جميلة وعميقة وعبقة فيها شجن كبير ودهشة جعلت من تلك النصوص في دائرة الضوء لكن ما وقع به مثل هؤلاء الكتاب هو ما أشرت إليه بالعناد العراقي المتصل بفكرة سابقة عرضت لها في موضع أخر عن عدم سماع العراقي للرأي الآخر.. هذا ما وقع فيه هذا النمط من الكتاب والمبدعين، فبدلا من حالة التسامي التي من المفترض أن تكون متوافقة مع نصوصهم الجديدة في فضاء الحرية نجدهم ينجرون لحوارات جانبية مع أنصاف كتاب من الحاسدين والنمامين فيتشبثون بمواقفهم السابقة ويدافعون عن تلك النصوص المكتوبة تحت سلطة قمع دموية بدلا من التنصل منها كي يسكتون كل كلام وكي ينسجموا مع ضوء النص الذي كتبوه. يدافعون من منطق التكوين العشائري للشخصية العراقية التي لا تسمع ولا تقبل النقد، والدفاع واهٍ بطبيعة الحال لي حوار معهم في نص منشور في هذا العدد عن الكاتب والتجربة والموقف. ما نحتاج إليه نحن العراقيون هو الصراحة ونزع ذاك الكبرياء الفارغ الذي يجعلنا نستنكف الاعتذار عن خطأ ما اقترفناه. الاعتذار هو مفتاح البساطة والرقى
ملاحظة: كعادتي سألت صديق عن رأيه بباب ـ أدب الرسائل ـ .. فعاب عليه كونه جميلا لكنه يعرض لذات الكاتب. عجبت من قوله.. فالرسالة كما ذكرت هي محض نص حميم سري يتعلق بشخصين المرسل والمرسل إليه فلابد إذن أن تكون الرسالة والتعليق عليها شديد اللصق بالشخصين والعلاقة.. بيّ وكاتب الرسالة في هذه الحالة
|