
سلام إبراهيم
مادة الرواية الخام
أعتقد أن كتابة
الرواية تعتمد على أمور جوهرية من أهمها، طبيعة المادة الخام المنتقاة
لصياغة النص الروائي إذ تتحكم إلى حد بعيد بنجاح أو إخفاق النص. وكي
يكون كلامي واضحا أشير إلى أن المادة الخام تشمل كل العناصر التي يبنى
منها العمل كاختيار الشخصية المحورية والشخصيات الثانوية والمكان
والزمان وطبيعة العلائق بين هذه المكونات التي تشكل في الخلاصة تيمة
النص الروائي. ومن منظور أوضح، في كثير من الأحيان تحدد التيمة طبيعة
الشخوص والمكان والزمان والعلاقات ونسبها في النص. وعلى دقة منظور
الكاتب وخياراته يكون النص نصا ناجحا أو مخفقا. والكلام لحد الآن يدور
حول الكاتب المتمكن من أدواته الفنية التي هي اللغة، مفردة وجملة سردية
وطريقة بناء المقطع أو الفصل الروائي، إذ نجد عند الكثير من كتاب
الرواية المتمكنين من أدواتهم تفاوتا في مستويات نصوصهم، ولو تأمل
القارئ نصوص أي كاتب يختاره من هذا المنظور للاحظ ما ذهبنا إليه.
الإشكالية التي
تعاني منها النصوص الروائية العراقية تسقط في الغالب في هذين المطبين
" إلا قلة من النصوص الناضجة". فالروائي المتمكن من أدواته الفنية
ينتقى مادة ميتة، أو مادة حية لا يحسن صياغتها وتوليدها كنص روائي يبني
حيا معادلا للتجربة المنتقاة وسأحاول في مواضيع مستقلة إلقاء الضوء على
هذا النمط من النصوص، والكاتب الذي يحاول ولوج عالم الرواية حديثا لا
يستطيع الوقوع على المادة الخام التي تصلح للنسج الروائي، وإذا وفق
تخونه أدواته الفنية غير الناضجة.
من هذا المنظور
قمت بتحليل العديد من النصوص الروائية التي أزعجت كتابها ورد البعض
عليها كما فعل الروائي "محمود سعيد" بعد أن كتبت بطريقة إيجابية عن
روايته "زنقة بن بركة" وغير إيجابية عن روايته " نهايات النهار" لم أشأ
التعليق على رده وقتها لكنني أجد في هذا الموضع مناسبة للإشارة إلى رده
والجواب على تسائله عن سبب تناقض كتابتي النقدية عن راويتيه.
ما عمق هذه
الإشكالية هو غياب تام للنقد العميق للنص الروائي العراقي المكتوب
والمنشور بغزارة في السنين الأخيرة. فالعديد من النقاد والدارسين
العراقيين لا يطلع أو ينظر بتعالي وسخرية للنص العراقي بحيث لم أجد
دراسة روائية جادة عن عشرات النصوص الروائية العراقية التي صدرت مؤخرا.
أقول جادة في إشارة لعشرات المقالات المقتضبة التي تنشر في الصحافة
العراقية والعربية والتي يغلب عليها طابع المجاملة أو العداوة، أو
دراسات مفتعلة تحاول تطبيق نظريات كتب النقد الغربي على النص المحلي
فتضفي على النص ما ليس فيه وتوقع كاتبه بوهم الإنجاز مما يكسله عن الجد
لتجويد نصه ورؤيته للعالم والمجتمع والإنسان، وسأحاول تناول بعض تلك
المقالات في الأعداد القادمة من مجلة ـ نصوص ـ يعني تفتقد إلى
الموضوعية والعمق في محاورة النص كونه بنية فنية لم تأت من الفراغ بل
تولدت من ذات المبدع الذي هو وليد بنية مجتمعية في زمان ومكان معينين.
سنحاول في هنا
تحليل واحد من النصوص الروائية العراقية ـ الحدود البرية ـ لميسلون
هادي الصادر مؤخرا عن المؤسسة العامة للدراسات والنشر 2004 . النص
يحاول الكتابة عن الراهن العراقي فهو مقسم إلى قسمين الأول تحت عنوان ـ
حزيران 1994 ـ والمقصود بذلك العراق تحت الحصار. ويمتد هذا القسم على
هيئة فصول قصيرة يتناوب فيها السرد الكاتبة وشخصيتيها ـ خالد ـ
الدكتور، و ـ بيان ـ والفصول الصغيرة معنونة باسميهما من ص9 إلى ص117.
أما القسم الثاني فتحت عنوان ـ حزيران 2003 ـ تقصد بذلك العراق بعد
شهرين من الاحتلال، مقسم إلى ست فصول مرقمة يمتد من ص 121 إلى ص 155.
حكاية النص تتلخص
في أن ـ بيان ـ ربطتها علاقة بقريبها ـ خالد ـ القادم من البصرة
للدراسة في بغداد والذين سكن معهم في البيت فُقِدَ في حرب الكويت لكنها
لم تصدق مقتله رغم إبلاغها رسميا. تعيش على ذكراه وتصاب بقرحة المعدة
إلى أن تتعرف على الدكتور ـ خالد ـ الذي يسكن في منطقتهم فيعالجها
وتنشأ علاقة أيضا لكنه يسافر إلى الأردن هربا من الحصار ويتركها، ليعود
بعد سقوط النظام ويجدها غير متزوجة وتعيش مع أختها المتزوجة لينتهي
النص نهاية ضبابية غير ذات دلالة عن بقائهما بعدين عن بعضهما.
أما التقنية
المتبعة فهي تناوب صوتي خالد وبيان في فصول متلاحقة ينتهي بها القسم
الأول بتنقيط الفصل الخاص بـ "خالد". تختار الكاتبة اللحظة التي ينتظر
فيها خالد السيارة المتوجهة إلى عمان وطوال هذا القسم ينتقل السرد بين
الحافلة والركاب وذكريات ـ خالد ـ وبين ـ بيان ـ وهي في البيت
وحواراتها مع نفسها ومع جارتها وأختها لينتهي بحادث الاعتداء على من
لصوص الطريق إذ يصاب خالد بطلق ناري ليعالج في مستشفى الرمادي ويسافر
حال تماثله للشفاء..
القسم الثاني يرصد
عودة خالد الذي حصل على جنسية بلد أخر. عاد ليبيع حصته من البيت ويرحل
ثانية.
هذا العرض المكثف
لحكاية ـ الحدود البرية ـ يبدو ظاهرا وكأنه يعرض لمسار حياة معقدة
ودرامية مرت في العراق طوال عشر سنوات أدت بالتالي إلى دخول القوات
الأجنبية، لكن النص في الطريقة التي عرضته الكاتبة أقرب إلى بنية القصة
القصيرة منه إلى بنية الرواية. فالشخصيات التي عرضت ضيقة العالم، لم
نفهم عن حياتها وتكوينها إلا كل ما هو سطحي وخارجي. لم نعرف شيئا عن
شخصية قريبها ـ خالد ـ الذي قتل في حرب الكويت إلا كونه زرع شجرة في
الحديقة، ولم نعرف عن بيان إلا كونها شابة مخطوبة لخالد، أما الدكتور
خالد فهو طبيب يحاصر ويفضل الهجرة إلى الخارج، أما باقي النص فهو مشغول
بالوصف الخارجي الذي ينقل الواقع كما هو إذ لم يرتقِ إلى مصاف السرد
الفني الذي يرتقي ويشيد عالما خاصا بأمكنته وزمنه وطعمه لا يحيل إلا
لما يشيده فيبرر الكتابة كونها فنا لا مجرد وصف ميت لأمكنة حية وسوف
نشير إلى نماذج منها عند تحليلنا لبنية النص اللغوية.
نعود إلى النقطة
الجوهرية التي افتتحنا بها الموضوع إلا وهو الشخصية وعلائقها في الزمان
والمكان. أستطيع الذهاب إلى حيوية الشخصية في النص تعود إلى فكر الكاتب
وقدرته على تحميلها وجوهرتها بما هو ضروري ومشترك وعام يجعلها تحمل
الهم العام في زمنها عبر معاناتها الشخصية مما يجعل النص يهم القارئ
بهذا الشكل أو ذاك. شخصيات ـ الحدود البرية ـ، خالد القتيل، بيان،
عايدة، خالد الطبيب، رحاب شخصيات باهتة غير مفصلية، شبه ميته في
الحياة أصلا، لم تحمل أية دراما أو تقاطعات حادة يجعلها فاعلة في حياة
النص (أذكر هنا أن للنص حياة أخرى غير الحياة الواقعية مادتها الكلمات
واللغة). ولا أقصد بالتقاطعات تلك الأفعال الصارخة كمقاومة السلطة أو
ما شابه ذلك، لا بل حتى على المستوى الإنساني البسيط. فحتى حينما نقص
أو نحكي خبرا أو قصة أو حادثة لشخص ما بالحياة فمن المفترض أن تكون
الشخصية لها فعل خاص بها يلفت النظر ويستأهل القص والذكر ويجعلها تعبر
عن تجربة جوهرية تهم السامع مما يجعله ينصت. في الفن والكتابة يكون هذا
القانون فاعلا، فشخوص الكاتبة لا يتوفر فيهم هذا الشرط الجوهري لذا قد
يلقي الكاتب الرواية بعيدا بعد عدة صفحات.
الشخصيات رغم كونها
من الطبقة الوسطى التي حصلت على مستوى لا بأس به من التعليم، كخالد
الطبيب وبيان التي تكتشف في الفصول الأخيرة بأنها طالبة ماجستير فقيرة
الفكر وسطحية في نظرتها للحياة يلمس القارئ ذلك من فعلها داخل النص
ومنظومتها الفكرية الساذجة في لحظات تأملها للحياة أو دخولها في الحوار
مع الآخر، ومثل هذه النماذج كما معروف في الحياة والنص تكون مستسلمة
لقدرها ليس لديها أي قدرة على المقاومة لا مع الآخر ولا مع الذات. أي
أنها من رماد لذا لا تهم القارئ أصلا بل تهم نفسها فقط. ويستطيع القارئ
العودة إلى أي حوار بين شخصيتين في النص كي يتلمس ملاحظتنا. فالشخصية
المحورية ـ خالد ـ في الحافلة المتوجه نحو الحدود الأردنية عندما ينهد
الرجل الجالس جواره في الحديث عن ذكريات الحرب ولذة أيام القصف ومتعته
الخفية يتسأل في حوار داخلي ص 98 ـ 99 يكشف عن فقر الشخصية وسذاجتها من
ناحية وسذاجة أداء الكاتب من ناحية أخرى إذ يتحول الحوار الداخلي إلى
شبه خطبة إنشائية "من الإنشاء المدرسي":
" أيمنع الأمل
إنسانا من الموت؟ أيحميه من الفشل والمرض والخوف؟ وهل هذا الحل السحري
هو في متناول الجميع، أم أن الله يخص به من هم مثل هذا الرجل؟" ص98
ويستمر في مقطع
طويل في التعليق على موضوعة بديهية عن دور الأمل في الحياة في مضامين
مستهلكه معروفة لا تضيف شيئا :
" يدركون أن لديهم
الأمل الخفي والمتجدد في الحياة، ولكنهم يخافون عليه من الابتذال..
يضمونه عن عيون الآخرين.. لا يعلنون عنه ولا يستعرضونه.. لكي لا تتحول
أفواههم إلى أبواق تهتف وأجسادهم إلى فاترينات تتحرك" ص99.
بالمناسبة أوردت
هنا أعمق مقطع حاولت فيه الكاتبة إضفاء شيء من فلسفتها على شخوص نصها.
أما بقية الحوارات فشديدة السطحية إذ تتناول أمور شائعة ومستهلكة، سوف
أورد منها شيئا يتعلق بالشخصية الثانية في النص "بيان" ويستطيع القارئ
العثور عليها في كل صفحات النص.
ـ فيروز شئ نادر
وجميل.. مع ذلك لم أعد أحبها.
قلت لها:
لماذا؟
قالت:
ـ في أغانيها
فقدانات كثيرة.
قلت:
ـ ربما هذا ما
يجعلها جميلة.
قالت:
ـ نعم.. أجمل
الأغاني هي الأغاني الحزينة.. ذلك أن الشاعر والملحن يسجلان عادة قصة
حب فاشلة.. قصة حب لم يعيشها في الواقع.. فيعيشانها على الورق.. هذه
أجمل القصائد: أحلام لم تتحقق.. وعواطف لم تنفجر
ـ أحلام وعواطف..
هذه أجمل الأغاني.
ـ قصة الحب الناجحة
قد تكون جميلة أيضا" ص23 ـ 24
الحوارات ليست
فقيرة الفكر والمعنى فحسب بل بدت منقطعة لا ترتبط بوضع الشخصيات، ممكن
حذفها.
لو بحثنا عن علة
ذلك نرجع إلى الكاتبة حيث أن النص لعبة كلمات وجمل، الفقر إذن في فكر
الكاتبة والحوار مفتعل ومصنوع من ذهن الكاتبة لا من نسيج الشخصيات
والنص وهذا يعني فقرا شديدا في المخيلة والفكر، فمن المفترض أن ينتقي
الروائي حوارات تعمق الحالة الروحية والنفسية والذهنية للشخصية.
فقر الشخصية من فقر
مخيلة وفكر الكاتب لذا نجد أن شخصية بيان تشحب رويدا.. رويدا في النص
حتى تتحول الفصول التي تخصها في تناوب السرد إلى فصول مختصرة لا تتجاوز
الصفحتين وفقيرة المضمون مليئة بالوصف المحنط أي دون إحساس.
قسمت الكاتبة النص
إلى قسمين مؤرخين في إشارة إلى زمنيين عراقيين قبل وبعد الاحتلال
وتغيير النظام مما جعل النص مطالب بإلقاء الضوء عما جرى زمن الحصار
للعراقي وبعد السقوط وهذا يتطلب وعيا مركبا وعميقا يستطيع تصور الواقع
بموضوعية دون انحياز أيدلوجي كي يرى المتغيرات وعبر النص وسيرة الناس
التي يسردها على القارئ يوصل كل التناقضات المجتمعية في هذه الحرب
القائمة والتي تغيرت مسميات أطرافها فحسب. لكن القارئ بعد إتمام
الرواية سوف لا يجد شيئا، لا عن زمن الحصار ولا عن الزمن الذي يلي سقوط
السلطة. الكاتبة واعية بعدم قدرتها على ذلك لذا حاولت في مدخل القسم
الثاني التعبير عن موقف أيدلوجي يخص الكاتبة لا الشخوص المروي عنها إذ
تورد مقاطع تاريخية عن المرات التي تعرضت فيها بغداد للاحتلال عن طريق
تقنية ساذجة بجعل خالد يقرأ ذلك في جريدة وهو في طريق عودته إلى العراق
في حزيران 2003 :
" بعد دخول هولاكو
بغداد عاصمة العباسيين سنة 656هـ وقتله للخليفة المستعصم بالله، أخر
الخلفاء العباسيين" ص122
ثم يورد شاهد ثاني
عن استيلاء الفرنسيين على الجزائر عام 1830، ثم تعدد الكوارث التي
نزلت بالأمة حسب تعبير الكاتبة عن احتلال الصليبيين لعكا وبيروت وتعدد
ذاكرة التواريخ إلى أن تصل إلى إنشاء إسرائيل عام 1948. ص123
هذه المقاطع ليس
لها أي علاقة بشخصيات النص التي لم تبد أي اهتمام من سياق السرد بمسألة
الاحتلال. وبالتالي تريد الكاتبة بهذا المعنى قرن صدام حسين كونه أخر
فارس من فوارس الأمة العربية الذي سقط بسبب الاحتلال، مغالطة السياق
التاريخي الموضوعي لسياسة صدام وسلطة البعث التي قمعت شعبها وأشعلت
الحروب وهجرت وقتلت واحتلت أراضي الجارتين إيران ثم الكويت فجلبت
الحصار ثم الاحتلال.
كتابة الرواية والوعي
باللغة
الركيزة الثانية
الجوهرية في كتابة الرواية هي الحرفة ونقصد الوعي في التعامل مع اللغة.
فالرواية أصلا عالم مشاد من الكلمات. وطريقة تعامل الكاتب مع المفردة
بدءً من الحس بها ثم اختيارها لبناء جملته السردية وصولا إلى الفصل أو
الفصول ثم بناء النص من أول جملة إلى جملة الختام تحدد إلى حد كبير
أسلوب الكاتب. إذا كان وعي الكاتب باللغة متواضع سيظهر ذلك فورا على
النص إذ يكون ركيكا مثقلا بالزوائد والإنشاء ومفككا، وكل هذه التقنيات
مرتبطة أيضا بالقسم الأول ـ مادة الرواية الخام ـ بشكل عام ومن خلال
مطالعتي للرواية العراقية والعربية وجدت أن الكثير من الكتاب لا يعير
قضية اللغة اهتماما فجاءت نصوصهم مليئة بالزوائد والركاكة والمقاطع
التي لا ترتبط بحبكة النص. ـ الحدود البرية ـ إحدى نماذج هذا النمط
من الكتابات سأورد العديد من الشواهد كي يكون كلامي عمليا وليس مجرد
إطلاق لأحكام.
التعامل مع اللغة
في الكتابة من أدق أسرار صنعة الكتابة. وهذا الجانب قلما تناوله النقاد
بالتحليل الدقيق، لا على الطريقة البنيوية بحساب عدد الكلمات التي تدل
على شيء ما وبحساب أخرى تدل على شيء أخر كي يصل المحلل إلى المبنى
الدلالي للنص كما يفعل النقاد في الغرب ممن تطورت لغاتهم إلى حد يكاد
يتلاشى فيها الفرق بين الكلام المنطوق والمكتوب، وهذه إحدى محن النقاد
الناقلين والمطبقين حرفيا للنظريات النقد الغربي على النصوص العربية.
أقصد هنا التمحيص
اللغوي في بنية الجملة السردية العربية من زاوية دلالات الفعل المستخدم
مثلا للتعبير عن حالة أو حركة ما، دقة استخدام الوصف والتشبيه، متانة
الجملة وكثافتها في التعبير عما تصوره من حالة أو حدث، وهذه المباحث في
اللغة درساها النقاد العرب القدماء في النص القديم بدقة زمن ازدهار
الحضارة العربية الإسلامية حيث كانت العربية هي اللغة السائدة والفرق
بين اللهجات تقلص زمن العباسيين، ويستطيع الباحث ملاحظة الكثافة
اللغوية تلك في طريقة استخدام اللغة بالرجوع إلى كتب النثر العربي
الشهيرة ككتب الجاحظ وأبو فرج الأصفهاني في الأغاني وغيرها.
هذه الإشكالية
محلوله لدى الكاتب المبدع الواعي بلغته والقادر على استيعاب لا الفصحى
العربية بل حتى المحكي منها وتطويعه من خلال النص الروائي بنحت مفردات
اللهجة في الكتابة مما جعل من تلك المفردات المنطوقة لها نحت كتابي
أضافت للموروث اللغوي والثقافي العربي مشاعر وحس ولهاث الإنسان المعاصر
هذا نجده واضحا في نصوص، نجيب محفوظ، الخراط، التكرلي، غائب طعمة
فرمان، إحسان عبد القدوس، يوسف إدريس، الطيب صالح، زكريا تامر، ممن
جدَّ كي يعادل لغة واقع متدهور في صياغة فنية دقيقة عبر اللغة. أوردت
فقط أسماء هذا الجيل الرائد كمدخل لتناول التجارب المضيئة لأجيال أحدث
لاحقا في موضوعة وعي اللغة والنص النثري.
في اعتقادي مهمة
الناثر العربي عسيرة جدا لأسباب جوهرية ألخصها في أنه أمام تراث لغوي
مكتوب هائل، فاللغة العربية من أقدم اللغات الحية وأشدها صرامة في
قواعدها النحوية، ومن أكثر اللغات الحية التي ماتت الكثير من دلالات
أفعالها بسبب التطور الحضاري لكن الأفعال تلك ما تزال حية في القواميس
هذا أوقع العديد من الكتاب قليلي الخبرة في صياغة جمل ترتكز على تلك
الأفعال التي كانت حية في زمن ما مما جعل من نصوصهم مفتعلة مصنوعة
الجمل تحتاج إلى قاموس وكأننا نقرئ نصا بلغة أخرى. ليس الكتاب قليلي
الخبرة فحسب بل كتاب مخضرمين حدثوا النص العربي النثري كـ "أدور خراط"
المصري الذي حاول في نصوصه نحت لغة جديدة تمزج بين المحكي والموروث
العربي لكنه وقع في مصيدة الصنعة، وأقصد أحيانا يقع الأستاذ حينما يجد
نفسه مسيطرا في النثر في مطب وكأن قارئه له نفس وعيه. حينما قرأت
نصوصه: "رامة والتنين"، " الزمن الآخر"، " أضلاع الصحراء" وجدتني أضطر
أحيانا إلى الاستعانة بالمنجد كي أقع بالضبط على معنى الأفعال والأوصاف
التي أستخدمها الخراط.
ـ فكيف إذن بالقارئ
العادي في زمن الانحطاط هذا؟.
هذه المهمة العسيرة
التي تتلخص في تطويع اللغة العربية في النثر بحيث تحافظ على عمقها
التاريخي وتعبر بعمق عن إنسان عصرها تحتاج إلى نقد وتحليل متخصص يستطيع
وضع النص الجديد في موقعه الحقيقي كونه يضيف شيئا للثقافة أو لا.. كون
النص في الأساس هو بنية لغوية يفترض أن تكون سليمة من نواحي التعبير
والدقة قبل البدء بالتحليل كي نغوص في دلالات النص النثري وعلاقته في
البنية المجتمعية في الزمن الذي يتناوله النص.
مثل هذا المنطلق في
تحليل النصوص غائب في طريقة تعامل المتابعين والنقاد العرب للنصوص
الروائية والقصصية التي تنشر بغزارة هذه الأيام. وإلا لفكَّر كاتب مثل
هذه النصوص ألف مرة قبل الإقدام على نشر مثل هذه النصوص غير الواعية
بعلاقة اللغة بالحضارة بالتاريخ بالواقع وبصنعة الأدب. قد طولت في
التحليل واستخلاص النتائج قليلا لكنني أجد أن كل ما قدمته ضروري كي لا
يفهم ما سوف أطبقه على نص ـ الحدود البرية ـ وكأنه قادم من موقف مسبق.
وكي يكون التطبيق التفصيلي للغة نصها واضح المنطلقات.
زوائد الجملة السردية ( الحشو
والتكرار)
يكتظ النص بالجمل
السردية المترهلة التي تحتاج إعادة صياغة بحذف الزائد منها. سأورد
نماذج من هذه الجمل:
"كان البيت في
الداخل باردا جدا بسبب تكسّر زجاج النوافذ، فصار مشرعا للهواء
البارد الذي يصفعه من كل الجهات" ص81
الجملة الثانية
زائدة تضعف الجملة السردية لأن الجمل التي تسبقها كافية فتكسر النوافذ
يوحي بالبرد في الداخل. أي يمكن حذفها.
"كدت أبتسم لشدة ما
منحني إياه من الفرح تلك اللحظة" ص83
كلمة إياه زائدة.
"ثم أشارت لي بأن
آخذ الثرموس وأصب لنفسي منه قدحا" ص79
"منه" زائدة لأنها
أشارت له بأخذ الثرموس وهذا يكفي للقارئ كي يعرف أن سيصب منه.
" أخذت الأم دموعها
تنهمر من عينها على شعر أبنتها تقرأ" ص105
الأصح "من
عينيها" وهذه أيضا زائدة لأن الجملة بدونها توحي بذلك.
" تمدد الرجل
العسكري في حضن خالد وهو ينزف دماً غزيراً من الجهة اليمنى
لجبهته" ص108
فعل النزف وجو
المعركة مع السلابة يوحي بالدم فالدم مفردة زائدة مع صفتها.
يكون التكرار حشوا
حينما تكون الجمل غير ذات دلالة أو ممكن صياغتها بكثافة، بعكس
الاستخدام الضروري للتكرار الذي يأتي من صلب السرد ونجده في كثير منه
في نصوص ناجحة فنيا فهو يسهم غالبا في تعميق وعي الشخصية ووعي السرد
وبالتالي وعي القارئ. وهذا مبحث لست بصدده في هذا الموضع. وهنا سأورد
نموذج من التكرار حشواً
" جلست إلى الألبوم
وأخذت أقلبه مجددا من بدايته، فشعرت أنه يأخذني عنوة من بركة عكرة
ويرميني إلى ماء رقراق وصاف ونظيف، الماء به برودة تلدغ القلب، لكنه
صاف ورقراق ونظيف" ص116.
هذا التكرار يرهل
النص لأنه غير ضروري ممكن اختصاره وتكثيفه، سأصيغه هنا صياغة مكثفة كي
يتخلص من ترهله:
يأخذني عنوة من
بركة عكرة ويرميني إلى ماء فيه برودة تلدغ القلب لكنه صاف ورقراق
ونظيف".
النص مليء بالحشو
والجمل المترهلة أكتفي بهذا القدر.
الإطناب والاسترسال
يسبب الإطناب في
السرد إلى وقوعه في مطب الإنشاء المدرسي. أقول الإنشاء المدرسي تمييزا
عن الإنشاء بمعنى البناء. ففي مدارسنا المتوسطة نكتب الإنشاء في محاولة
للتعبير باللغة عن حادثة أو ما شابه. وقلة الخبرة وقتها تجعلنا ندور
ونكرر ونشرح ونطنب كي نعبر عن الموضوع المطلوب. وهذا بالضبط ما أقصده
بالإنشاء. الاسترسال في والإفاضة في محاولة التعبير عن حالة بالتشبيه
والشرح. سأورد هنا نماذج منها:
الكاتبة في
محاولتها لوصف خوف شخصيتها ـ بيان ـ تشرح لنا في سطرين كاملين وصف
طبيعة ذلك الخوف:
" تواصل جلوسها على
الأرجوحة ترهف السمع إلى الشارع متكورة على قلبها كطفل خائف كسر
آنية ثمينة وظل خائفا لوقت طويل بعد كسرها، لأن أحدا لم يكتشف غلطته
تلك ولم يعاقبه عليها العقاب الذي يستحقه" ص17
هذا الشرح زائد
فتعبير خوفها كخوف طفل يكفي للوصول إلى حالتها الشعوري ومثل هذا الشرح
يمطط السرد ويحوله إلى مجرد إنشاء بالمعنى الذي أشرنا إليه. والنص يكتظ
بمثل هذه المقاطع سأورد نموذج أخر كي لا أتهم بتسقط هنات النص ويكون
كلامي عن كثرتها مبرراً:
" ولم تره مرة أخرى
بعد ذلك.. كأنما كلماتها الأخيرة تلك كانت عود الثقاب الأخير الذي
يوضع فوق كومة من عيدان الثقاب المتشابكة فتنفرط من توها وتسقط.. ولم
تكن تعتقد أن لهذا العود كل هذه القوة على إسقاط تلة بأكملها إلا
عندما أتصل بها في الليلة الماضية وقال لها إنه راحل هذا اليوم ولن
يعود" ص69
هذا المقطع أرادت
الكاتبة فيه التعبير عن وصول العلاقة بين بيان وخالد إلى نقطة حاسمة
قرر بعدها السفر. وبدلا من تكثيف الجملة السردية بالقول أن كلماتها
الأخيرة أوصلت الموقف إلى نقطة التفجر بسفره راحت كطالب المتوسطة توصف
في سطرين كاملين أثر كلماتها. وهذا الكلام الموضع تحته خط زائد في حالة
حذفه يتمتن السرد.
أكتفي بهذا المقدار
بموضوع الإنشاء المدرسي.
الوعي بالمفردة
يشكل الوعي
بالمفردة واللغة الجذر العميق للموهبة وملكة الكتابة، فالكاتب الموهوب
والجاد ينضج كلما تقدم بالعمر وكتابا بعد أخر. وبمنظوري يقاس درجة تطور
الكاتب الموهوب على طريقة تعامله مع المفردة وهو يرصها في جملته
السردية. وكثير ما استغربت من كتاب معروفين بهذا القدر وذاك يتعاملون
باستخفاف مع اللغة والمفردة وهذا الموضوع سأعود له في تفحص نصوص مثل
هؤلاء الكتاب المعروفين. وما أقصده هو الاستخدام غير الدقيق للمفردة
بالنص. فكل كلمة لها مدلول وتشير إلى فعل ووصف وحالة يتطلب الوعي بها
كي تستخدم بدقة في الكلام والنص الفني أيضا.. وهنا سأورد نموذجا يشير
إلى عدم وعي الكاتب باللغة مما يؤدي إلى سوء التعامل والاستخدام:
" أصبحت رائحة
السمن الدايغ تطغي على رائحة الرز المسلوق فقالت عايدة:
ـ السمن
ثم انغمر الرز بزيت
أزلي حار لم .... ستدور ساحبة المطبخ الأزلية بعد قليل لتنفث روائحه
إلى الحدائق وتحيله إلى ذكريات" ص46.
الأزلي تعبير يرتبط
في اللغة بما هو باقٍ إلى الأبد أي من المفردات التي تستخدم بكثرة في
المواضع الروحية والشعورية من الكلام والكتابة. لكن الكاتبة استخدمته
في موضع يومي وحركي يتعلق بالأكل والزيت بينما وجودنا في الكون عابر
والكون والله هما الأزل.
طريقة تصوير الحدث لغة
الأحداث حينما
يشاهدها المرء في الفلم السينمائي أو الواقع تعبر عن نفسها في الصورة
الواقعية أو الفنية. لكن في النص الفني وكما كررت أن أداة الكاتب
اللغة، بمعني نحس بالحدث في الكيفية التي يصور فيها الروائي الحدث الذي
يصفه وهذا يتطلب دقة تشبه دقة الكاميرا الذكية التي يقف خلفها مبدع ذو
عين وفكر. في الرواية الأمر أكثر عسرا كون الكاتب يرتب اللغة كي تصور
وهذا يتطلب التعامل الدقيق مع اللغة كي تدل وترسم الحدث. أي خلل في
التعامل مع اللغة سيظهر فورا فالنص النثري في تقديري يشبه اللوحة
التشكيلية كل شيء فيه وفيها محسوب، اللون الأحجام والنسب بينها،
الأفعال والأوصاف ودلالات الكلمات في تناسبها مع الحدث المسرود بكل
أبعاده.
في الفصل الذي تصف
فيه الكاتبة المعركة مع السلابة على طريق بغداد عمان. تحاول تصوير ذعر
ركاب الحافلة لكنها تستخدم لغة ومفردات تفرغ الشخصيات من حسها والحدث
من توتره بجمل جاهزة تميت جو الحدث شديد التوتر، فيؤدي ذلك إلى موت
المشهد الواقعي الموصوف لا الذهاب به إلى مصاف الفن والخيال. فالكاتبة
في تصويرها لحدث المعركة بدلا من استخدام أفعال التوتر المناسبة لجو
الحدث العنيف نجدها ترخي السرد باستطراد وإطناب يميع المشهد ويجعله
باردا ميتا وذلك بالإعراض عن الوضع البشري المضطرب تحت الرصاص الذي لا
يسمح في التأمل حتى، والتعليق الميت المألوف الصادر لا عن الشخوص في
تلك اللحظة المتفجرة بل عن كلمات الكاتبة الجالسة وبيدها القلم
والمفكرة عوضا عن شخوصها بالمحنة، أورد هنا المقطع الذي يوضح ما ذهبت
إليه:
" الرصاص أصبح
يلعلع ويتساقط على الحافلة كالمطر. وربما فكر الكثير من ركاب الحافلة
أن نهايتهم قد حانت في هذه الساعة البرية الموحشة، ولا بد أنها مقدرة
لهم بهذه الطريقة في لوح القدر المكتوب، وربما فكر البعض الآخر أن كما
يحدث هو شيء أشبه بحلم من أحلام اليقظة أو المنام"
استخدام " ربما"
أفسد عنف الحدث الحار، والرصاص لا يتساقط من السماء كالمطر بل كان حسب
وصف الكاتبة من سيارة السلابة أي يجيء بشكل مستقيم، والإمعان في قراءة
أفكار الشخوص والكلام عن اللوح المكتوب ميّعَ الحدث. أما توصيف الحدث
بحلم يقظة أو حلم منام فهو غير مناسب حسيا لسبب بسيط هو أن تهديد
الإنسان بوجوده الفيزيقي يناسبه لغةً وصف الكابوس لا الحلم ولا حلم
اليقظة.
وصف المكان
يرتطم الكاتب الذي
ينقل جزء من الواقع أو المكان بالوصف الواقعي بجدار إذا لم يكن لديه
الفهم العقلي والشعوري للواقع كوحدة حية شاملة فيتحول لديه الوصف إلى
جزر مفصولة عن سياق السرد تفاقم من فقر النص بالانشغال بما هو عرضي مما
يجعله عاجزا عن نقل الواقع بالرغم من أمانته الحرفية. فالحياة تفترض
وتستوجب انعكاسا في ذات الكاتب ككل حي وفاعل ومتحرك لا كوم ميت ينتقى
منها ما هو جوهري يندمج مع الحدث والحبكة والتيمة في وحدة متنوعة.
وهذه من المبادئ
التي أصبحت ألف باء الكتابة الروائية لكننا نجد الوصف في نص ـ الحدود
البرية ـ عبارة عن كلمات فيها كل ما هو غير جوهري وتكتظ بالجمل
الجاهزة، أو الصناعة المفتعلة لنأخذ نموذجين عشوائيين منها:
" اخضرت رؤوس
الحشائش اليابسة وأزهرت وروداً صفراء وبيضاء تخللت الأرض كقطرات لون
سقطت من ريشة رسام انطباعي" ص36
" الجدران تحدثت
لتعلن في ضوء النيون الأبيض الساطع عن مستطيلات فاتحة اللون.. طلاؤها
أكثر بياضاً من بقية الطلاء وإن كان من اللون نفسه.. مستطيلات بدت لي
بشكل قاطع أوضح.. وأنقى.. وأكثر نظافة" ص116.
مثل هذا الوصف
الميت الذي ليس له علاقة بشخصيات النص جاء مفتعلا ووضع حاجزا بين اللغة
والحياة. هذا النمط من الوصف نجده بغالبية صفحات النص.
ثبتت الكاتبة
تعريفا بالكتب التي نشرتها كالأتي
1 ـ أربع روايات
2ـ سبع مجموعات
قصصية.
3 ـ ثمان روايات
وكتب للفتيان
4 ـ سبعة كتب
مترجمة.
كل هذه الكتب وبهذا
الوعي باللغة والكتابة فتخيلوا جريمة النقاد والكتاب العراقيين والعرب
الذي يجاملون ويطرون مثل هذه النصوص كما هو مثبت في غلاف الكتاب الأخير
من مديح سامي مهدي، عبد الرحمن مجيد الربيعي، ونازك الأعرجي، عبد
القادر القط، ونزيه أبو نضال. فيخدعون الكاتب والقارئ معاً
اللوحة للفنان صادق طعمة
|