على حافة الحب حتى اعتناق الكراهية

 

تصدر عن موقع الكاتب العراقي

 تحت اشراف القاص  سلام إبراهيم

يرجى ارسال المواد الى

salam54@maktoob.com


العدد 21 ---- تموز 2005     


الافتتاحية

  سلام إبراهيم: النص العراقي والناقد

شعر

صلاح عواد:   البيت العتيق

ترجمة : بدل رفو المزوري: قصائد للشاعر ألويس هيركويت

محمد بن الأمين: ربّماوات

عبداللطيف الحرز: ازقة التباوين وموت المعلم 

القصة

حسن حمود الفرطوسي: زوايا الصمت

    صبيحة شبر: أستاذتي.. ما عاد لك

خضير فليح الزيدي: نساء

  أسعد الهلالي: الرازم

اعتقال الطائي: قصص في دقيقة واحدة للكاتب المجري إشتفان أوركين

قراءة في قصص نصوص

سلام إبراهيم: قصص العدد الماضي

نص

خضير فليح الزيدي: على حافة الحب حتى اعتناق الكراهية

كريم كطافة: قصة طف معلن

أدب الرسائل

سلام إبراهيم: مقدمة عن أدب الرسائل وقصة الرسالة مع نص الشاعر المرحوم رسالة عزيز السماوي

كتابات شابة

 طالب عبد الامير: مصافحة بيد واحد

 هشام عليوي:  البوح

حسين الهلالي: اور ملهمة المبدعين

لقاء مع مبدع

وديع شامخ: حوار مع الفنان المسرحي العراقي المغترب حازم كمال الدين

كتاب الشهر

سلام إبراهيم:  "الحدود البرية" رواية ميسلون هادي

 

طالع الأعداد السابقة

 العدد 20

العدد 19

العدد 18

العدد 17

العدد 16

العدد 15

العدد 14

العدد 13

العدد 12

العدد 11

العدد 10

العدد 9

العدد 8

العدد 7

العدد 6

العدد 5

العدد 4

العدد 3

العدد 2

العدد 1

العدد صفر

 

 

 

 

   

             

 

 خضير فليح الزيدي

 

 

(( في ظروف غامضة جدا .. وأجواء ممطرة عاصفة ، تم استبدال عصارة الفاكهة الطازجة بعصارة الحروف البلاستيكية بأمر من جهات عليا .. ))

مذيع إذاعة مونتكارلو

                                                                                            مساء 6/11

العقد الأخير من القرن الماضي

- ركض  -

- نحن -

      حين استيقظنا من عمق إغفاءة ليست بالقصيرة ، توهمنا خاطئين ان علينا حث الخطى مسرعين ولاهثين ككلاب بلق نحو نجوم كاذبة .. ركضنا وكان علينا الإسراع في الركض ، فالسياط خلفنا كأنشوطة من  نار . ركض أشبه بحدوة اللذة الخاطفة .. ركض حتى تتقطع الأحذية .. ركض حتى تتشقق الفخذين ..  حتى انبثاق الألسن من أفواه مفغورة على وحشة الهواء .. ركض حتى انتفاخ الخصيتين وتصاعد اللهاث عاليا .. حتى تخرج العيون من محاجرها وتتورم الأوردة الممزقة في سائر الجسم ثم تتوقف القلوب عن الخفقان ركض حتى يتوحد العالم بنشرة أخبار موجزة خالية من الأخبار والبيانات العاجلة والتي وردت توا ، خالية من الكوارث ، الحرائق ، الأعاصير ، البراكين ، الفيضانات ،الانقلابات السريعة . نركض خفافا وعراة أو ربما نرتدي المعاطف الثقيلة التي تزن عدة أرطالا منتفخين بداخلها كقياصرة مخلوعين توا من مناصبهم.الى أين يا ترى نحن راكضون ؟

      طيلة السنين التي خلت نركض كنا بإفراط والكل يومئ في الركض فالأطباء المتكبرون والمعلمون المتغطرسون وكذلك أساتذة الجامعة ، خطباء الجوامع ، المرشدون ، العجائز ، مذيعو التلفزيون ، محررو الصحف يوصونا بالركض باستقامة على حافة سلك متوتر بين أعمدة عالية نحاذر فيها  من الخطأ والخطيئة ، نستبدل الدماء بالدماء لا لنعيش بل لنركض دون الاصطدام ببعضنا البعض ، وحين نسأل الى أين نحن راكضون كل هذه السنين ؟ لا نعرف .. لا جواب .. صمت .. المهم الاستمرار في الركض . نركض لننام في الركض وينام الركض فينا انه مارثون أيامنا الأخيرة ، الانعتاق من الركض يستجدي المشي على ساق واحدة حتى نصاب بالحمى .. حمى جديدة دخلت أجسادنا نحن فقط .. فقط نحن .. لماذا ؟

 

  مقطع رقم (2)

 

 - ضرب -

-كنا-

في صبيحة يوم تشريني بارد وفي ساحة المدرسة الابتدائية ومثل قطيع من الأغنام الهزيلة نصطف بثلاثة صفوف .. نفتح أيادي نحيفة راعشة مزرقة ترتفع عصا المعلم الطويلة وتهبط على الاكف ، ترسل العصا النحيفة صوتا مخيفا وهي تشق الهواء برشاقة – الضرب – ضرب آخر من الأب والخال في باحة الدار .. ضرب الفتيان الأشقياء في طريق العودة من المدرسة والحداد الذي نعمل معه عند ضياع أحد المفكات. – الضرب – الذي تناثر على الرصيف .. كبرنا على غفلة من الزمن كانت أجسادنا بحاجة ماسة لضرب رؤوسنا بكونكريت تمثال الحبوبي (1) الثقيل ،نضرب رؤوسنا بقوة فتطير العصافير مفزوعة من أكمام عباءته والتمثال يتصبب عرقا من فرط خجله ، مرة تلو أخرى نضرب رؤوسنا بقاعدة التمثال فيستيقظ شرطي الساحة من قيلولته تحت ظل شجرة اليأس القصيرة . نستمر بالضرب ، حتى تدمى رؤوسنا ورأس التمثال وعمامته العالية الضاربة بذيل سحابة هاربة نحو صحارى قلوبنا المتيبسة ، نأخذ عصاه بعد التماس العذر منه لنضرب بعضنا البعض بها ، فيلوذ خوفا بعضنا بعباءته الكونكريتية .. نضرب رؤوسنا فتندلق الأغاني السريعة الهابطة من فوهة مكبر الصوت المعلق على حافة التمثال ، ثمة ذبابات غانيات تلعق دمنا النازف من رؤوسنا المكدمة التي تنفتح مع كل ضربة بالكونكريت الأسمنتي .

كنا نعجب لاستقامة شارع التمثال ولا تستقيم أرواحنا على هدى سنوات ذلك الضرب .. تضمحل  رؤوسنا شيئا فشيئا .. لتندثر أو تمحى على السواء .

 

 

 

 

الحبوبي : نصب لشاعر ثائر في مدينة الكاتب .

  مقطع رقم (3)

 

صمود-

 

-علينا …

ان نقرأ أحد الإعلانات الصادرة حديثا عن مارثون المدينة ، قبل التوقف على مكان لأجسادنا الرخوة محشورة بعنف بركاني بين كتل تعاني من الركض والضرب ، يزدحم المكان بالمارثونيين فتزكم أنوفنا روائح كريهة لأجساد متعفنة تتكدس بحشد هائل غير مبالية بحرارة الجو والشمس الحارقة واليأس القاتل عليكم قال البائع المرثوني ذو الكرش المتدلي :

-ان تصمدوا في المارثون ، فالصمود هو الطريق الصحيح لكم .. الصمود هو الصمود ، يخلق منكم رجالا صلدين قادرين على قهر ضنك الحياة . قلنا له بصوت واحد :

- نكره المارثون .. نكره الركض والضرب ونكره الحياة أيها البائع لقد تعبنا الا           تعرف ؟ لا نقدر بالبوح في الكلام بأكثر من هذا الا تفهم ؟ علينا ان نضرب .. والكلام للبائع الأرض بأقدامنا ونثبت كالجدران .

أين هي الجدران التي يتحدث عنها هذا الأبله ؟ لنسند عليها أجسادنا المتعبة من الركض والضرب ونصمد في ظلها قليلا نحتضنها أو ننام تحتها ، نضاجعها أو نأكل من آجرها الصلد ، نحدق في شقوقها أو هندسة عمارتها التي تثير فينا القرف .. يصرخ بائع آخر فينا وبصوت قد دربه لمثل تلك المناسبات :

-أيها السفلة – عليكم الصمود في المارثون الأخير ولاغيره فهو الخلاص من بؤسكم – ما أكثركم أيها الأوباش – المارثون هو الإعلان الأخير للصمود .

 

 

 

  مقطع رقم (4)

 

شنق –

 

-شاهدنا-

في واجهة أحد المحال على الشارع الرئيسي في المدينة ، بأم أعيننا ثلاثة أفعال تعلق من رقابها متدلية خلف زجاج مظلل أنيق .

يوم كنا صغارا نفترش البراري ،أو نقفز كالجراد فوق المزروعات اليانعة في حقول الحنطة وعلى برك الماء الراكدة أو نسبح عكس التيار في ماء الفرات الهائج في تموز أيامنا الغابرة ، كنا شغوفين بشنق الضفادع الخضر المرقطة .. نضع في رقابها عقدة الخيط ثم نضيق الخناق عليها حتى نتحسس دموعها تقفز من عيونها الجاحظة ؟ نضعها معلقة فوق برك المياه الراكدة لأيام طويلة حتى تتيبس وتجف ، تلك القلوب القاسية أورثها الشارع إيانا نصطاد الجرذان السود والفئران الرمادية المصلوبة بمصيدة ذات النوابض الفولاذية .. نقطع رؤوس العصافير فاصلين الأجساد عن الرؤوس أو نمسك الديكة لنخصيها ونحن غارقين في كل هذا بكركرات الضحك الصبياني المتواصل كانت الأفعال على التوالي –نركض – نضرب – نصمد . وضعت على بطونها ورقة صغيرة تعلن عن أسعارها – أنها من جلد طبيعي – كان يقول البائع ذلك ، وهو يلمعها كل صباح بخرقة مبللة بماء نقي افضل بكثير من ماء الشرب الذي كنا نقرعه . الأفعال الثلاثة المشنوقة كانت تلتمع تحت تأثير الضوء الحارق ، ولم نر على أجسادها العارية أي اثر للدماء أو الكدمات .. ربما سجلت في دائرة الطب العدلي وفاة طبيعية لها .

 

 

 

 

  مقطع رقم (5)

 

وهم –

 

·      توهمنا-

عندما قالوا لنا ان باستطاعتكم :

انه باستطاعتنا إمساك القمر ونودعه في قفص الطيور ، أو نطعمه للنمور الجائعة ، فنصبنا له فخا على حافة النهر ، وحين طلع النهار لم نجد في شباكنا سوى غيمة تائهة بأجنحة متكسرة ، فاختلفنا على مصيرها  نرميها للقطط ، نلصقها في دفتر الرسم ، نعمل منها طائرة حربية ،نلعب بها كرة القدم . حتى أشار علينا رجل بعكازين وقدم واحدة كان يسترق الحديث قال :

نبني منها كوخا في ارض الحرام وننام في الليل تحت سقفها ، وفي الصباح نجمع الحاصل من مزرعة الألغام ونصطاد الجراد بصواريخ القاذفة.

 

 

 

 

انتهت

 


اللوحة للفنان صادق طعمة