|

بقلم : كُليزار أنور
gulizaranwar@yahoo.com
لحن العاصفة
متى
أكتبُ عن العاصفة التي داهمتني .. بعدَ أن تنتهي ؟ إذاً ..
أيةُ حقيقة وأية معاناة ستبقى منها ! مازالت ريحها تصفعني ..
تؤلمني .. تذبحني .. ومعَ هذا سأكتبها .. بألمي ، بدمعي ،
بحروفٍ لم تنتهِ !
بنيةٍ
بريئة طرقتُ بابه وبالنيةِ نفسها أظنهُ فتحَ لي .. بهذا الهدوء
بدأت العاصفة تجتاحني .. ولم تُثر حينها غباراً .. بل حباً
وعطاءً .
أعطيتها إياه مع باقةٍ من الكلمات الرقيقة .. أعطيتها دونَ أن
أطمع حتى بكلمةِ شكرٍ ، فعدَ تصرفي هذا في غاية الذوق والنبل ،
فقابلهُ بردٍ أقوى .. فبدل السطر الوحيد الذي كتبتهُ له دوّنَ
لي عشرة على كتابهِ وأهداني إياه معَ رقم هاتف مدون في الأسفل
.
كانت
ليلة رأس السنة .. يومها قلبتُ مئات البطاقات لأختار الأنسب ..
وأرسلتها له .. وكانَ كريماً مرة أُخرى فقابلني ببطاقةٍ أجمل
وكلمات تهنئة أعذب من كلماتي .. بدت كقصيدةِ شعر .. كمياهِ
جدول . أعدتُ القراءة مرات عدة وفي كل مرةٍ كنتُ أرى فيها
شيئاً جديداً ومعنى آخر .. تحترق روحي مع كلماته .. فأحسست
انهُ يناديني دون كلام . اتصلتُ به لأشكره .. أتاني صوته كحلمٍ
أبعد ما يكون عن التصديق .. تحدثنا معاً بشوقٍ وودٍ حديثاً
سلساً ، هادئاً ، مثيراً .. وكأنها ليست المرة الأولى .
لم أنم
ليلتها .. تذكرتُ صديقتي وهي تقول : " حينَ أُقرر النوم ، ما
أن أضع رأسي على الوسادة حتى أغط في نومٍ عميق " . كيفَ
يستطيعون ذلك ؟ هل النوم عندهم جارية تؤمر .. فتأتي ؟ بحار من
الزمن انسكبت من عينيّ .. شعرت بأني لو لم أسكبها لأغرقتني .
استهوينا اللعبة .. وبدأنا نتراسل .. رسائلنا عادية السطور ،
لكنها كانت كفيلة بأن توقد النار في دواخلنا . استطاع أن
يسحبني إلى عالمه بثقافته وعقله واتزانه وأخلاقه .. والمرأة
عموماً ، تعشق الرجل الجريء الذي يتصرف بكبرياء وثقة .
الحب
أسمى عاطفة لدى الإنسان وأتصورهُ أكبر وأعظم من كل الكلمات
التي تُقال فيه .. فهو نبع عذب يُفجر في قلوبنا جداول الحياة
.. بدأتُ لا أشعر بالوجود إلاّ من خلاله .. كنتُ أبحثُ _ منذ
زمن _ عن ذاك الشيء الذي سأعثر عليه في مستقبلٍ لم أكن أدري
متى سيأتي .. وها قد تجسد ما أتمناه .. إذاً .. هي دعوة للحب
.. لكن ، هل هو الشاطئ الذي أقصد ؟
أعلم
بأن ما أُريدهُ محاط بكومةٍ من الأشواك .. ومع هذا مددتُ يدي
إلى الشيء الذي أُريد !
بصوتٍ
هادئ وأسلوبٍ رصين رحبَ بي .. فجلست .. قرأتُ في وجههِ لهفة
الانتظار .. هناك التماعة حزن في عينيه لها بريق شفاف تمنحهُ
جاذبية من نوعٍ خاص .. يتلون صوته بالشوق والإعجاب .. فضلتُ
الصمت في البداية وتركتُ المشاعر والأحاسيس كي تترجم ما نعانيه
وتعكس ما في القلوب .. صوته الهادئ واشادتهُ الرقيقة بي
وعباراته المنتقاة بدقة .. حتى خُيل لي بأنَ الدنيا كرة بينَ
يديه !
عيناه
الرماديتان تنظران إليّ بتعبٍ عميق وفرحٍ بريء .. ووجدتهُ أكبر
مني سناً .. وبكثير .. وأوفر تجربة .. وإلى جانبه كنتُ أجدُ
نفسي زنبقة تحاول أن ترفع عنقها كي تصل قامته المديدة.
صورة
أول لقاء تترسخ في الذاكرة بصورة دقيقة .. نصف ساعة أو أكثر
وأنا جالسة في غرفته وأمام مكتبه نتحدث .. ولو سألوني ماذا
تحوي هذهِ الغرفة ؟ لَما عرفتُ الجواب .. لأني كنتُ ساهية عن
كل شيء !
الحب
علت أمواجه ، اكتسحت سدود مقاومتي كلها .. حب ملأ روحي رضىً
وأماناً وسمواً .. إنسان وجدتُ فيه أحلامي كلها .. فيه فيض من
حنان ورِقة .. ولم يكن صوت الحب يقول لي ذلك .. بل كل مَنْ
عرفهُ يرون فيه مثلما رأيت !
لقد
لمستُ جمرات النار .. ومَن يلمس الجمرات يكتوي بها .. معهُ
أصبحتُ مشتاقة لِما لا يأتي .. ومعهُ بدأتُ أنتظر ما لا يُنتظر
.. ففي عينيه يسكن ألق حزين .. ويبدو حزنه جزء من تكوينه أضافَ
لشخصيتهِ عمقاً ووقاراً .. وكنتُ أشعر بأنَ هذا الحزن يتبدد
كلما التقينا .. هل هو وجودي يفعل به كل هذا ؟!
الرجل
لا ينال من المرأة إلاّ ما تسمح لهُ هي بهِ .. أحببتهُ بكل
عواطفي ، وأحبني بكل جوارحهِ إلاّ أن علاقتي معهُ لم تتجاوز
الورقة وخط الهاتف .. ولقاءاتنا غالباً ما تكون بالصدفة وأمام
الناس .
أعرف
انهُ من الصعب أن نجتمع ولو عملنا المستحيل .. فكل شيء يؤكد
فراقنا .. بيننا فصل مليء بالأمطار والرعود والبرد .
هذهِ
الحقيقة كانت تتوضح أمام عينيّ يوماً بعد آخر .. حاولتُ أن
أقطع آخر أوصال هذهِ العلاقة أو أن أُبددها إلى صداقة .. ولكن
هل أستطيع ؟ فمن السهولة جداً أن تتحول الصداقة إلى حب ، ومن
الصعوبة جداً أن يتحول الحب إلى صداقة .
وكانَ
لابد لي من تكسير هذهِ الدائرة المفرغة بيننا والتوجه إلى عمق
مشكلتنا ومعرفة مكاننا منها بالضبط .. أنظر إلى عينيه ..
أستقرئهما .. وهذهِ المرة لم أجد أي معنى .. صمت .. وصمتهُ قال
: الأمر انتهى !
لمسات
الحزن بدأت تعتصر القلب .. انهُ لم يحاول أن يفعل أي شيء من
أجلي .. أي شيء ! فما أسهل أن يزعم المرء انهُ محب .. وما أصعب
أن يكون !! في تلك اللحظة انهدم صرح الحب تجاهه .. هذا الصرح
الذي أقمتهُ أنا وسعيت إلى بنائه لبنة .. لبنة !
وفراقنا .. كانَ هدية قدمناها مجاناً لكل مَن راهنَ على فشلنا
!
نوافذ للذكرى
ليل كانوني ينسكب في فجوات الوجود ، ونثارة من
الثلج تنسكب معهُ في سواد ليلٍ معتم مسربلاً الكون بغلالةٍ من
الريش الأبيض لتبدد ظلمة ليل شتائي فتضيف عليه سحراً
.
هدوء الليل وثلج كانون وذكريات تدق على جدار
الصمت .. كل هذهِ الشواهد توقظ الجراح في نفسي لتزرع ليلتي
بالأرق .. بدأتُ أتأمل خيوط الظلام عبر نافذتي فتنصهر أشتات
الذكرى بالوجود .. تهبُ نسمات الماضي وأُحاول أن أغلق نافذة
الذكرى .. لكن دون جدوى
!
ألجأ إلى المذياع ، وهو خير ما نلجأ إليه حين
يغادرنا النوم ليأخذنا عبر أثيره حيثما يشاء _ انهُ نوع من
الهرب _ أدير إبرة المذياع يميناً وشمالاً كي أرسو على شاطئ
برنامج أو حديث أو أُغنية قد تبدد أرقي هذهِ الليلة .. لقد
قالوها قديماً : " مَن يهرب من الواقع يقع في المحظور " .
ووقعتُ في المحظور .. إذْ يصعقني صوت فيروز في أعماقي ويهوي
بعيداً .. إنها تغني لصبي الثلج "شادي " . رفقاً بالجرح النائم
يا فيروز !
يداهمني فيض من الألم والعذاب .. وأخذت يدي
تتحسس جسد ابني شادي الذي يرقد بهدوء قربي .. انغمرت أناملي في
أمواج شعره الناعم .. انحنيت نحوه وطبعت قبلات حارة تناثرت في
وجهه الملائكي البريء .. انهُ البرعم الوحيد الذي زرعهُ لي
القدر ليشد عمري للوجود ثانيةً .. برعماً ينبض دفئاً ومواساةً
.
يحملني صوتها الشجي إلى أعوام مغرقة في البعد
.. وبالرغم مني تشق الذكريات دروباً إلى أيام قد مضت إلى الأبد
.. أيام بعيدة إلاّ أنها مازالت محفورة بعمق على جدار الذاكرة
بكل لحظاتها .. فُتحت لي أبواب الماضي وبدأت أتسلل طريق العودة
.. وأصل إلى أيام قد ابتسمت لي آخر مرة
.
في آخر يوم من إجازته الدورية من نهارٍ كانوني
وقد نشر الشتاء طرحة زفاف بيضاء على كل القمم .. فالثلج قد
احتضن المدينة والطرقات .. في ذلك اليوم أصر مروان أن نرحل
بنزهةٍ قصيرة لخد الجبل المواجه لمدينتنا .. قد يكون قراره
غريباً للكل .. لكني لم أستغرب من قراره المفاجئ هذا لِما
أعرفهُ فيه من حبه للثلج والجبل
.
أخذتنا دروب الجبل ممسكاً بيدي .. شعرنا بالدفء
رغم الجليد الذي يغمرنا .. لعبنا كثيراً وتضاربنا بكرات الثلج
.. تذكرتُ قول نيتشه : " في كل إنسان حقيقي يختبئ طفل يرغب
باللعب " . ضحكات وشهقات فرح طفولية وعيناه بالقرب مني تغمرني
بطيب دفئه .
هالة من النور الذهبي الهادئ غطت ثوب الجبل
الأبيض .. أغرقتنا بفيضان من السعادة
..
صنعنا رجلاً ثلجياً .. كان بدون ملامح ، وأصرّ
مروان أن تكون لهُ ملامح .. فتشتُ في جيوب معطفي قد أجد
ملامحاً لهذا الرجل الذي صنعناه بأيدينا .. لكني لم أجد سوى
قلم أحمر غرستهُ في وسط وجهه ليكون أنفاً له .. قلت مازحة
:
_
هذا الرجل كذاب
.
فرد مروان ضاحكاً
:
_
ما الذي يدعوكِ للتهكم عليه ؟
_
يقولون بأن أنوف الكذابين طويلة .. ألم تسمع
بحكاية الصبي الخشبي الذي طال أنفهُ لكثرة ما كان يكذب
.
ودفعَ مروان بقبضة كفه القلم ، فانغمر في وجهه
:
_
لا يهمكِ .. جعلناه من الصادقين .. أنفهُ قصير
جداً .
وبدأ يفتش في جيوبه لعلهُ يجد ملامح منسية نكمل
بها وجهه .. وغرسَ ( بندقتين ) مكان عينيه وعلبة كبريت استقرت
فماً له في أسفل وجهه .. غمرتنا سعادة لم تعرف لها حدود ..
كُنا نضحك .. نضحك ملء أعماقنا إلى أن أخذَ التعب منا مأخذاً
.. فجلسنا تحت شجرة سنديان عالية مثقلة أغصانها بالثلوج ،ننظر
من بعيد إلى مدينتنا الصغيرة الغافية في حضن الجبل .. كنتُ
مصغية له وبكل جوارحي وهو يحدثني بهدوء عن الحرب .. الوطن ..
الحب . يحدثني عن هذا الثالوث الذي يجعل حياة الناس أساطير
وأفعالهم بطولات .. واستغربت حينَ قال
:
_
لو رُزقنا بصبي سأُسميه " شادي
" .
_
شادي .. ولماذا شادي ؟ .. ما الذي يدعوك
لاختيار هذا الاسم بالذات ؟
_
لا أدري ! يعجبني كثيراً .. يذكرني بالحرب التي
أصبحت جزءً من حياتنا وبالشتاء والثلج الذي أعشقهُ وأشياء
كثيرة لا أُدرك معانيها الآن
.
كان النهار يحاول أن ينحدر نحو المغيب والشمس
تسحب أشعتها ، فيتكسر الضوء على الجليد ليخلق ألواناً لم نعرف
لها مُسميات بعد .. وحينَ ذكرني بموعد مغادرته في ذلك اليوم ..
غلفتني شرنقة من الحزن .. وللمرة الأولى اجتمعت في داخلي كل
الأحاسيس المتناقضة بين فرح الحب وحزن الفراق .. ودارينا
دموعنا بعناقٍ طويل
.
كل شيء مر بسرعة البرق .. وما كان يومنا ذاك
إلاّ يوماً سرقناه من عمر الزمان .. وفي المساء غادرنا مروان
إلى الجبهة في قطار الساعة التاسعة .. نعم .. قطار الساعة
التاسعة
!
|