العدد 17 --------------اذار 2005     

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

قصة كوردية قصيرة

 
اللحم

   

 

قصة : كلاويز ناصح مجيد

 ترجمة : مكرم رشيد الطالباني

كان قادر العقيم ذو الظهر المحدودب والمظهر المضطرب والنحيف قد جاوز الخمسين
من عمره، وقد احيل إلى التقاعد بعد خمس وعشرين سنة من الخدمة كحارس، وكان
الراتب الذي يتقاضاه شهرياً ليس بالقدر الذي يؤمن إحتياجاته وإحتياجات زوجته،
فقد صادف أسابيع دون أن توقد النار في دارهم وكان هو وزوجته خجى)( كثيراً
.
ما كانا يتناولان الخبز والتمر واللبن في الوجبات الثلاث
كان الوقت صباحاً. . وكانت الشمس تنشر لتوها أشعتها الهزيلة على اديم ومنظر
المدينة، كان قادر جالساً على اللباد الأسمر وهو يتصفح تلك الصحيفة التي
.
كان جارهم يرسلها إليهم بعدما ينتهي من قرائتها
كان عنوان القصة سبيلكان)( والتي قد تم نشرها بالمانشيت العريض تحت إسم مارف)(
:
أخذ شهقة عميقة ملء رئتيه وفرك عينيه ومن ثم شرع في القراءة
. ((
خطوت في شارع مولوي بخطواتي رويداً رويداً كي اعود ادراجي إلى البيت.
بدأت الضوضاء تنتشر في المدينة وكانت المارة منهمكين كل في عمل ما. ليأتي
.
أحدهم، ليغادر الآخر. . مرت بجنبي فتاة لطيفة مشرقة الوجه والملامح .
كانت تسير بخطوات وئيدة كغزالة ظريفة، وكانت تتراءى من مظهرها: عينان خضراوان،
وهي ترسل شعرها الطويل المائل إلى الأشقر على كتفيها وجيدها، مرتدية ثياباً
بلون الحناء، حاملة حقيبتها على الظهر وقد وضعت بعض الكتب في حاملة الأوراق
التي كانت مزدانة بصورة كبيرة لـسبيلكان.)( . لقد سرت قشعريرة في جسدي وأوشكت
أن أقع على وجهي أرضاً، فتحاملت وسيطرت على نفسي وبدأت أتبعها. . فتوقفت
برهة عند الساحة الواقعة قبالة باب السراي . . رفعت رأسي وبادرتها بإستخفاف
:
أيتها( الجميلة هلا تسمحين لي!؟ ) . أدارت وجهها وقالت بلهجة رقيقة تفضل
. .
تيبس الريق في حلقي، ولم استطع النظر في عينيها الزرقاوين، شبكت يداي
وقلت بإبتسامة مصطنعة لم(( لا تضعين صورتكِ عوض تلك الصورة ، لن يفرق أحد
بينكما !؟ )) تفرست فيّ بلهفة (( أشكرك جزيل الشكر )) . أردت أن تستدير
فأومأت لها برأسي إيماءة تقدير وقلت لها بإبتسامة مشرقة : أيتها(( الفتاة
.
إلى أين تذهبين!؟ ))
فأصفرت ملامح وجهها وقامت بتغيير سيمائها وهي تصرخ في وجهي بحقد : لماذا،(
هل جننت!؟ ماذا تعتبر نفسك لتأتي وتقطع عليّ طريقي هكذا ! ) شعرت في أعماقي
بنوع من الإرتباك، وهاجمني خوف مجهول، كأن الجن قد مسني ، فصرختُ بإصرار
:
ولا( زلتِ فوق ذلك تغضبين ، بعد ان جرحتِ كل كياني) . كنا نتجادل حين
.
توقفت سيارة باص قبالتنا، فرمت بنفسها في الباص على عجل وتبعتها بدوري
.
تحرك الباص، فقطع مرحلة ، مرحلتين، رفعت الفتاة يدها البيضاء البدينة
فجأة وطلبت بصوتها الرقيق النزول، فخف الباص من سرعته حد التوقف . . فأستعدت
للنزول ، وقمت أتبعها، فألتفتت إلتفاتة سريعة . . أخذت شهقات متقطعة وبدأت
تسرع في خطواتها . . وصلت إلى عتبة الدار . . فأدارت وجهها للمرة الأخيرة
.
وألتفتت إلتفاتة ملأى دلالاً، وأغلقت الباب بعد دخولها
وفي صبيحة اليوم التالي، أسرعت للوقوف قبال دارتهم وأنتظرت ظهورها . هبت
نسمة هواء باردة، سرت في جميع أعضاء جسدي ولامست وجهي . أنفتح الباب ، كانت
هي بعينها، توجهت إلى مظلة موقف الباص التي كنت اقف تحتها . . رمقتني بنظرة
.
سريعة وهي تطرق برأسها
وصلت سيارة الباص . رمقتني بطرف عين، وهمت بالصعود إلى الباص وهي تمط شفتيها
وراحت تجلس على مقعد ثنائي بصمت، وعقب صعودي إلى الباص ورغم عدم إزدحام الباص
أسرعت دون جلبة لأقعد جنبها . . وطرقت رأسي نحو الأسفل ونظرت بطرف عين إلى
كتبها الموضوعة أمامها علني اتعرف على إسمها أو إسم مدرستها على الأقل، ولكنها
حتى اللحظة التي همت فيها بالنزول لم ترفع كفها عن الكتب، وقبل لحظات من
.
نزولها غرقت في عالم، قلت فيها وأنا أفكر : ( هلا تعيريني ذلك القلم )

أنتاب الذهول قادراً، وجحظت عيناه، وكسراب بعيد، يزرع الوهم في قلبه تملكته
الحيرة، دندن مع نفسه : آه( ، وهل المدينة بلا حكام وقوانين)( ليعمد إلى
نشر قصتي بإسمه . كان يجب أن أدرك سبب تأخره ومماطلته منذ البداية، فأعتذر
مرة بعدم قراءتها، وفي المرة الأخيرة أدعى : لقد( مزقها أطفالي،) عندها
بدأت أرتاب منه، مثلما أرى بأم عيني، عهد عليَّ أن أبدأ في مقارعتك وتلقينك
.
درساً لا تجرؤ فيه إلى تكرار مثل هذ العمل طوال حياتك)
قام برمي الصحيفة جانباً ودفع بجسده المتعب وأنتفض واقفاً ليبلل وجهه بحفنات
من الماء، قبالة خزان الماء الصغير، ومن ثم قام ينشفه بالمنشفة المعلقة على
السلسلة، وأخذ يتجه صوب مسكن مارف)( . . وشرع ينطلق . . وكان يدندن بصوت
:
متهدج وخفيض
. (
حسناً حسناً مارف، سأصل إليك الآن، وعندها سأعرف ماذا أفعل بك!؟ )
شرع يقترب من عتبة دارهم . وضغط على زر الجرس بأنمله وكان جبينه ورقبته يتصببان
عرقاً، وكان التعب قد اخذ منه مأخذاً، فتح مارف له الباب، تغيرت ملامحه برؤيته،
فبادره قادر بالتحية بوجه عبوس وملامح مرتبكة . أما مارف فقد وضع ذراعه
في ذراعه بقوة داعياً إياه بالدخول. . فسارا معاً حتى أستقرا في حديقة القصر
.
دلف مارف إلى المطبخ . . تمعن قادر في روعة وجمال القصر وأشعل سيجارة وهو
مهموم، ونفث منها بعمق نفثات وثبتها بين أصبعيه المصفرتين يرتفع منها خيط
.
من الدخان الأبيض الرفيع ليدعك عينيه اليسرى
أخرج مارف علبتي بيبسي باردتين من الثلاجة وجاء بهما ليضعهما على الطاولة
الموضوعة امام قادر : وتوجه إليه بإبتسامة يبادره السؤال عن أحواله : (
إذن كيف انت !؟ هل أنت في صحة جيدة!؟ كيف هي أمورك!؟ واسرتك ، بإلله عليك
.
أخبرني ماذا تفعل مع المطالعة والكتابة!؟ )
شرع قادر يغير من جلسته . . وقد جحظت عيناه، أراد أن ينفجر في وجهه مباشرة،
لكنه تمالك نفسه، واردف قائلاً بحنان : ( وكيف لي أن أكون!؟ أشعر بضعف
نظري. . ففي الحقيقة . . ) ألتقط مارف منه حديثه، وأخرج ظرف رسالة كان قد
دس فيه بعض النقود ليضعه أمامه واردف بأستحياء : ( في الحقيقة إني أشعر
بخجل تجاهك، فلو قبلت منا هذا كهدية متواضعة، عندها سنشعر بأننا سعداء محظوظين
. )
أضطرب افكار قادر، وأرتبكت تحليلاته، وقال مستهزءاً : ( لكنني لم أحضر من
أجل النقود) . ودون أن يرتبك مارف، قال بلهفة : ( أدرك . ولكن ثق بيّ فمنذ
.
مدة وأنا أود من كل قلبي أن أستذكرك ولو كانت بهدية متواضعة)
تناول قادر علبة البيبسي بصمت وقام بفتحها ,. . وأرتشف منها رشفات وشرع يصغي
إلى ماضيه بعمق : ( أه كم أنا في حاجة إلى النقود، لقد دفع بي الفقر والعوز،
من أجل لقمة خبز، إلى بيع ذكريات عمري، كل ما املك من كتب، بثمن بخس.)
:
تناول الظرف ودسه في جيبه . . وقبيل نهوضه كسر الصمت المخيم على المكان
(
لو تسمح ، أود أن أستأذن . . فقط وددت أن اعرج عليك وانا في طريقي
. .
لدي مجموعة قصص أخرى . . لو رغبت في مطالعتها في أي وقت، سأقوم بإحضارها
لك.)
حين ترك بيت مارف، هبت نسمة هواء، كانت رقيقة إلى الحد الذي جعلت القشعريرة
تسري في جسده، تنهد بعمق وقام يدندن : ( منذ أسبوع ولم توقد النار في دارنا
.
من الأفضل أن أبتاع بعض اللحم الطري واعود . إنني على ثقة بأن خجي ستسعد
.
بسماع هذا النبأ كثيراًُ
)
 

 
 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )