العدد 15 --------------كانون ثاني 2005

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 

الموت في الزمن المسلح!

من يذكر طه حيدر؟

 
   

 

سلام عبود

 

كنت أود أن يكون عنوان مقالتي هذه: من يعرف طه حيدر؟ لكنني عدلت عن ذلك وجعلته: من يذكر طه حيدر؟ فالموضوع يتعلق بالذاكرة لا بالمعرفة. ففي التذكر يوجد قدر من الواجب الأخلاقي, قدر من الحنين, قدر من المشاركة الحسية في الوجود, الذي قد يكون مجرد وجود عابر, وربما يصل الى حدود الرفقة الحزبية والسياسية, وقد يتسامى الى حدود الصداقة الخالصة.

فمن يذكر طه حيدر؟

قلة قليلة أولئك الذين يذكرون طه حيدر.

من يعرف بأمر رحيله؟

قلة قليلة من تلك القلة هم الذين عرفوا أنه رحل عنا. سبب ذلك يعود, من دون شك, الى ضمور الذاكرة وخياناتها.

ولكن كم من الأصدقاء مشى خلف جنازته؟

لا أحد. نعم, لا أحد. فقد ذهب وحيدا في رحلته الطويلة الأخيرة.

ترى, ماذا فكر طه في تلك اللحظة, وهو يرى فراغا مميتا يطعن ظهره؟

# # # # #

رحل طه ملفوفا بعلم الصمت والخيبة.

فلم يدبج شاعر صغير أو كبير  شطرا من بيت شعر في رثائه.

لم تفتح أبواب النوادي "الثقافية", المنتشرة مثل الفطر في المنافي, لقبول التعازي فيه.

لم تنشر مواقع الانترنيت, التي تملأ الشاشات, حرفا عنه.

لم تنشر صحف الثقافة أو السياسة خبرا عن موته, عدا ذلك الخبر المقتضب, اليتيم, الذي نشرته الصحيفة التي تسببت في نفيه وغربته المميتة.

ولماذا يجب أن يفعلوا ذلك؟

لا موجب لذلك. فهو مجرد رقم ميت في معركة الحياة الجديدة, معركة الأرقام والحسابات والمصالح.

لا موجب لذلك, فهو مجرد كائن مستقل في غابة الولاءات الطائفية والعرقية والحزبية.

لا موجب لذلك, فهو مجرد عابر سبيل في دروب الوقيعة, جاء ومضى.

حينما همست اليه زوجته اليمنيّة, وهو على فراش الموت في أحد مستشفيات عمّان, قائلة:

- العراق قريب!

-                                نظر اليها بإشفاق وأطبق جفنيه, حابسا دمعة حمراء, كادت تفر من عينه, التي غشاها ضباب الرحيل.

-                                # # #  # #

العراق! أي عراق؟

العراق الذي تركه خلفه, قبل الهروب الكبير,  لم يعد العراق ذاته, الذي كان يحفظ طرقاته, عن ظهر قلب.

والصحيفة التي عمل فيها, لم تعد هي ذات الصحيفة, فقد كسرت مطارقُها مناجلها.

والرفاق! أين الرفاق؟

أما الأصدقاء فهم لا يقلون عنه وحدة, هم أيضا يسيرون نحو الخاتمة, وسط غابات الفراغ المسنن.

وماذا يفعل هناك, في العراق؟ ماذا سيقول لهم؟

 ماذا سيقول للأزقة التي لعب فيها مثل طائر لا يكل عن الطيران, وهو يعود الآن محمولا على محفة الموت؟

ماذا سيقول للمكتبة, وعيناه تغزوهما ديدان الموت.

ماذا يقول لسنواته العشرين التي نسيها هناك, وهو يعود الآن حاملا معه أكثر من خمسين من السنين, مثقلات بالغربة والخيبة؟

ماذا عساه أن يقول؟

### ## ##

غادر طه حيدر وطنه في نهاية السبعينيات وتوجه نحو دمشق ثم بيروت فعدن. وفي عدن توقف ثم مكث, تزوج وأنجب. عمل محررا في صحيفة 14 اكتوبر, نشر مقالات سياسية واجتماعية وكتب قصصا قصيرة. أصدر مجموعته القصصية الأولى عام 1989 في عدن  تحت عنوان " وشمان للأرض والحبيبة", والتي كانت صوتا مفعما بالأمل, وفي الوقت ذاته صوتا مشحونا بالغضب  على سلطة القمع الديكتاتوري, وعلى لصوص الحياة, الذين سرقوا تاريخ الشعب. وأثناء مكوثه في عدن تخصص في الإعلام الرياضي حتى أضحى, من دون مبالغة, أهم الصحافيين الرياضيين في اليمن الديمقراطية. وعدت وزارة الثقافة اليمنية  بطبع مجموعته الثانية في أربعينيته, تخليدا له وعرفانا بدوره واسهامه الكبير في الصحافة اليمنية.

#  # ##   ##

في عام الهروب الكبير, عام 1978, حينما وفدت الى عدن, أسوة بكثيرمن العواصم, أعداد كبيرة من الفارّين من بطش السلطة الجائرة, كان طه حيدر أحدهم.

في ذلك الزمن البعيد, في مساءات عدن الرطبة, حينما يبدأ النوم يداعب أجفان البشر, كان الناس, سكان العمارات السكنية في المنصورة خاصة, يسمعون الصوت الخشن لـ " أبو حاتم", نائب مسؤول منظمة الحزب الشيوعي العراقي في عدن, وهو يصيح بصوت جهوري مخمور:

-                                - شدوا جنطكم يا رفاق, شدوا جنطكم!

-                                ومن خلف إحدى النوافذ يأتي صوت إحداهن, وقد أيقظها صوت "أبو حاتم":

-                                - عيوني " أبو حاتم" الورد, الجنط مشدودة , بس ننتظر أوامركم, يا رفيق.

-                                تذكر طه حيدر, وهو على سرير الموت, صوت "أم أورورا" الرفيع الصائت, الذي يشبه أصوات الصراصير, فضحك ببراءة ميت.

-                                كانت زوجته تنظر اليه بذهول وجزع, وهي تراه يضحك مغمض العينين , متوقف القلب والأنفاس.

-                                لم تكن تعي سر تلك الضحكة,وسر هذا الخبل العراقي. فلم تر من قبل ميتا يضحك!

-                                لقد ذهب طه ولم يخبرها أن رفيقته القديمة "أم أورورا"  ماتت مثله, في منفى آخر, على سرير مرض آخر, ولم يكن يقف قرب رأسها سوى زوجها, الذي كان يداري خيبته وأحزانه, وهو يروي لها نكتة قديمة لم تعد تضحك أحدا, نكتة طالما أضحكتها في ذلك الزمن المالح, البعيد, حينما كان " أبو حاتم" يمر تحت نافذتهم ويوقظهم من النوم صائحا بصوت آمر:

-                                - شدوا جنطكم يا رفاق!

-                                #  # # # #

-                                أيها العزيز طه! نم, حرستك آلهة المنافي.

-                                نم, أنت لست في عوز الى حقيبة, لكي ترحل, فأنت في أعماق الرحيل.

-                                لقد رحلت خفيفا, بلا حقائب, بلا أصدقاء, بلا مودعين أو معزين.

نم, ففي الأزمان المسلحة  تفقد القصائد ذاكرتها, يفقد القطيع واجبه الإنساني,وتفقد الكلمات ضميرها.

وفي الزمن الدائري تتحجر الذاكرة حينما يمر طيف رجل عابر مثلك. طيف عابر, مسالم, قرر أن يشق دربه, دون أن يربط عنقه بسلاسل أحد.

ولكن, تذكر!

 ستعود, يا طه, الى عراقك مبجلا.

وسيعود معك إرثك, الذي قاتلت به منفى الديكتاتور ودكتاتورية المنفى.

ستعودان معا, أنت وثقافة المنفى المقاومة.

ستعودان حينما تكون الذاكرة أقل أميركية مما هي عليه الآن,

وحينما يكون الضمير أكثر عراقية مما هو عليه الآن.

ستعود محمولا على أكتاف الوطن الأم, أكتاف عراق وفيّ, ثاقب الذاكرة.

 

 

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )