|
قصـائد من
مجموعة ( تريـســتيا )
ترجمة
وتعليق: بُرهان شاوي
1
هذه ليلة ً
ليست بالبريئة..*
ورغم هذا
فلديكم يتـقدُ الضوء..
بينما عند
بوابة أورشليم
أشرقت شمس ً
سوداء.
الشمسُ
الصفراء ُ مرعبةً
.. نم
هنيئا.. نم ..
ففي معبد
اليهود المضيء
دفنوا رفات
أمي.
أنتم.. يا
فاقدي البركة..
أنتم .. يا
منزوعي القداسة..
في معبد
اليهود المضيء
أقاموا
القداس على رفات إمرأة..!
فوق جثة
أمي..
تعالت أصوات
بني إسرائيل..
بينما صحوتُ
أنا، في مهدي..
على شمس
سوداء مضيئة..!
1916
* كتب
ماندلشتام هذه القصيدة بعد وفاة أمه مباشرة.. وتذكر زوجته
ناتشا
ماندلشتاما
في مذكراتها بأن أمه ماتت عن عمر يناهز 84 ولم يكن ماندلشتام
حاضرا عند
وفاتها، إذ أبرقوا إليه، لكنه لم يستطع سوى الوصول عند الدفن،
لذا كلما كان
العمر يمر به يزداد شعوره بالذنب إزاء امه.
غســق
الحــرية
لنمجد، أيها
الأخوة، غسق الحرية..،
وعام الغسق
العظيم..!
فعلى مياه
الليالي الفائرة
أ ُسدلت
سقيفة ٌ من الغابات الرهيبة..
وها أنت
تشرقين على السنوات الصماء
أيتها الشمسُ
ياحكم
الشعب..!
لنمجد أعباء
القدر،
ذاك الذي
يخطف قائد الشعب وسط الدموع..!
لنمجد سطوة
هذه الأعباء المكفهرة المظلمة،
وثقلها الذي
لا يطاق..
فمن لديه
قلب، عليه إذن، أيها الزمنُ، أن ينصت
إلى سفينتك
وهي تهبطُ للقاع..!!!!
نحنُ في فيلق
المحاربين،
ربطنا
السنونوات ببعضها ، هناك،
وهكذا أختفت
الشمسُ
فكل العناصر
تزقزقُ، تتحركُ، تعيش...
ومن خلال
الشباك يبدو الفجر كثيفا..
فالشمسُ قد
أختفت
والأرضُ
تطفو..!
ثم ماذا..،
فلنحاول
دحرجة العجلة الهائلة،
الكثيرة
الصرير، والخرقاء...
فها هي
الأرضُ تطفو..
تشجعوا، إذن
أيها الرجالُ
فسنشق المحيط
مثل نصل محراث حاد..
وسنتذكرُ رغم
الصقيع
كيف أن هذه
الأرض أغلى لدينا
من السماء
العاشرة..!!!
موسكو – آذار –مارس 1918
·
هذه القصيدة تحاول أن تستقطب أجواء السنة الأولى من الثورة
الروسية. لقد أثارت القصيدة الكثير من النقاش حينها وكُتب عنها
الكثير من المقالات، فمثلا كتب إيليا إهرنبورغ: كلمة ( الغسق )
هنا تحمل معنيين: الأول إشراقة الحرية، ربيع العام 1917
والثاني غروبها في ربيع العام 1918.
أما السماء
العاشرة فهنا تطابق مع التقسيم الذي جاء في الكوميديا الآلهية
لدانتي، من حيث أن
ماندلشتام
كان متاثرا بدانتي .
الحياة في
فينيسيا
الحياةُ في
فينيسيا عقيمة ٌ ومكفهرة ٌ..،
معناها واضح
لي..
فها هي تنظرُ
مع إبتسامة باردة
في المرآة
الهرمة الزرقاء..
عطرُ الجلد
الشفاف، والعرقُ الأزرق..
الثلجُ
الأبيضُ، والديباجُ الأخضرُ،
كلُها تمزجُ
في إناء قبرصي..،
ثم تُسحبُ من
المعطف ناعسة ودافئة..!!!
وتتقدُ..
تتقدُ الشموع
في السلال،
وكأنما حمامة
ٌ حطت في علبة للرماد..،
وعلى خشبة
المسرح، وفي الساحات،
ثمة إنسانٌ
يموت..!
إذن، لا خلاص
من الحب والخوف،
فحلقات (
زُحل ) ثقيلة جدا..،
والصخرة –
السندان التي تقُطع الرؤوس عليها مغطاة ٌ بالمخمل الأسود
وكذا الوجه
الرائع..!
ثقيلةٌ تبدو
يا فينيسيا أ ُبهتك
في إطارات
المرايا القبرصية ..،
الهواءُ هنا
ثقيلٌ، وفي النوم
تذوبُ جبال
المرايا الهرمة..!
أورودٌ بين
الأصابع أم قواريرُ؟
أيها البحرُ
الآدرياتيكي الأخضر.. وداعا
ويافتاة
فينيسيا، لم أنت صامتةٌ، قولي شيئا..!
إذ كيف لي أن
أغادر هذا الموت الإحتفالي البهي؟
في المرآة
تتلألأ ( فينوس ) سوداء..
كل الأشياء
تمضي ، والحقيقة: ظـــلامٌ
يُولد إنسانٌ
.. لؤلؤة ٌ تموت
و( سوزان ) *
يجب أن تنتظر الشيخوخة..!
1920
·
وزان فتاة يهودية حُكم عليها بالموت رميا بالحجارة بعد أن
إتهمها بعض السادة ممن حاولوا الإيقاع بها فأنقذها النبي
دانيال من الموت ( من الشروح على المؤلفات الكاملة لماندلشتام
– دار الآداب – موسكو – 1990 )
من أجل الفرح
من أجل
الفرح، خذي من كفي
شيئا من
الشمس وقليلا من عسل
جادت به
نحلات ( بريسفون)*
وثاقُ الزورق
المفكك لا يحل..،
وظل الخف على
الفرو لا يُسمعُ..،
وفي غابات
الحياة لا يقُهر الخوفُ...!
لم يبق لنا
غيرُ القُبل..
مثل صغار
النحل الكثيفة الشعر،
اللاتي يمتن
حين يطلقن الأجنحة خارج الخلية..!
هن يخشخشن في
أدغال الليل الشفافة..،
وطنهن غابات
( التايغا )** الكثيفة..،
وقوتهن:
الزمنُ، وردة ُالعسل، والنعناعُ.
خذي إذن، من
أجل الفرح، هديتي الوحشية..
قلادة سيئة
المنظر، قلادة من النحل الميت..،
حيث العسلُ
تحول إلى شمس.
تشرين الثاني 1920
* بريسفون:
آلهة الخصب والعالم السفلي في الميتولوجيا الأغريقية
** التايغا:
غابات عذراء مترامية الأطراف، بدائية، لا يسكنها إنسان، ولم
يقطعها بالكامل أي إنسان، تمتد منفي أواسط وشرق روسيا.
السنونوة
لقد سهوتُ عن
الكلمة التي وددتُ قولها..،
سنونوة
عمياءُ تأوبُ لمخدعها الظليل،
مقطوعة
القوادم، لتلعب بصفاء،
تغني ليلا
وهي تكاد تهلك من التعب..!
الطيورُ
الخرساءُ و( الزهور الخالدة)* لا تتفتح..
لبدةٌ شفافة
ُ وأسرابُ الليل..
وعلى قاع
النهر الجاف يعومُ قاربٌ فارغٌ..
وفي وسط
الجنادب تفقد الكلمة ذاكرتها..!!
وببطء تنمو
خيمة أو معبد..
فأما تنحني،
فجأة، كأنتيغونا** المجنونة،
أو تُلقى
السنونوة المتعبة إلى الأقدام،
بشفافية (
ستيكسا)*** وبخيط أخضر.
آه لو يعيدون
أصابع الخجل المرتبة..
والفرح
المحدودب من المعرفة..!
أنا أخافُ من
آلهة الشعر
ومن الضباب
وصخب الأجراس، ومن الهاوية.
لقد منُح
الموتى القدرة على الحب والمعرفة،
فلديهم يسيل
الصوتُ على الأصابع…!
غير أني
نسيتُ ما وددتُ قوله..
والفكرةُ
العقيمة ُ عادت لمخدعها الظليل..!
ليس الأمر في
أن الشفافية تلحُزز
أو السنونوة،
الصديقة، أنتيغونا..
وأنما على
الشفاه تتعالى، مثل ثلج أسود يحترق،
ذكريات (
ستيكسا).
1920
* لزهور
الخالدة: نوع من الزهور التي لا تسقط أوراقها حينما تجف، ولا
تذهب ألوانها، فيصنع منها عادة أكاليل لتزيين البيوت أو
النوافذ.
** أنتيغونا:
إبنة أوديب التي تبعته الى منفاه
***ستيكسا:
نهر في مملكة الأموات
توسل
أودُ
كالآخرين
أن أكون طوع
بنانك،
فمن الغيرة
شفتاي
الناشفتان: مسحورتان،
والكلماتُ لا
تروي عطش فمي الجاف،
وبدونك،
أحسُ الهواء
الكثيف خانقا.
لن أغار
ثانية،
لكنني أريدك،
لذا سأحملُ
نفسي بنفسي،
ضحية إلى
السياف.
أنا لا أسميك
فرحا،
ولا حبا،
فلقد غيروا
دمي
بدم متوحش،
غريب..!
لحظة أخرى
وسأقول لك
أنت لي لست
فرحا، وانما عذاب!!
فالجريمة
وحدها
هي التي
تدفهني إليك..
كي أعضُ
بتردد
فمك الرقيق،
الأحمر كالكرز..!
إرجعي لي
بسرعة
فأنا موحش
بدونك،
وأنا لم أحن
إليك قط
بمثل هذا
العنف..!
كل ما أريدهُ
هو أن أراك
في يقظتي..!
لن أغار
ثانية،
لكنني
سأناديك..!!!
1920
* القصيدة
موجهة لأحدى الممثلات، وكان ماندلشتام معجبا بها، إذ كتب لها
قصائد أخرى، والقصيدة في الأصل بدون عنوان.
إلى كاساندرا
.. *
أنا لم أبحث
في اللحظات المزهرة
عن شفتيك يا
كاسانرا، ولا عن عينيك..
لكن في كانون
الأول ثمة يقظة إحتفالية..،
بينما
الذكرياتُ تعذبنا..!
وفي أكتوبر
من العام السابع عشر..،
فقدنا من
الحب كل شيء..
فأحدهم سرق (
إرادة الشعب )**
والآخر سرق
ذاته..!
أه لو أن
الحياة هذيان حقيقي..
أو أن البيوت
العالية غابةٌ شجرها صالح لبناء السفن..
لأحببتك،
كنصر مقطوع اليدين،
وشتاء
طاعوني.
في الساحات
التي تملأوها المدرعات..،
أرى رجلا..،
إنه يثير رعب
الذئاب بالجمر،
وبالحرية
والمساواة ، وبالقانون..!
ربما ذات
يوم، وفي هذه العاصمة المجنونة
وفي عيد
السكيقببن*** على ضفاف ( النيفا )****
وعلى أنغام
موسيقى الحفل المزعجة،
سيمُزق وشاح
لرأس جميل..!
أيتها
العليلة، أيتها الهادئة، يا كاساندرا
أنا لا أطيق
الصبر أكثر..!
فلم يا تُرى،
شمسك ياكاساندرا
تشرق على
الجميع منذ قرون..!!
1917
·
كاساندرا: هي الإبنة الكبرى لبيريام ملك طروادة، كانت قد تنبأت
بسقوط طروادة، لكن حينها لم يصدقها أحد، والقصيدة موجهة بشكل
غير مباشر الى ( آنا آخماتوفا )، فقد كتبت في مذكراتها : بعد
شيء من التردد قررت أن أدون في هذه المذكرات بأنني قلت لأوسيب
بأن علينا أن لا نلتقي بهذه الكثافة لأن ذلك ربما سيكون مادة
للكثير من القيل والقال ويسيء لعلاقتنا، بعد هذا بالضبط وفي
آذار إختفى أوسيب)
** إرادة
الشعب: هنا تلاعب لفظي، فإرادة الشعب هي الصحيفة التي كان
ماندلشتام وآخماتوفا يحرران فيها.
***
السكيفيون: شعب من قبائل رعوية عاشت في بقاع روسيا الحالية ما
بين القرن السابع والثالث قبل الميلاد، لغتهم تنتمي غلى فصيلة
اللغات الايرانية القديمة، لكن هنا في القصيدة إشارة لمجموعة
من الشعراء الروس( بلوك، بيلي، ايفانوف وغيرهم) الذين إتخذوا
لأنفسهم إسم هذه القبائل، وكانت مجموعة ماندلشتام، آخمانوفا،
وغوميلوف ضدهم.
*** النيفا:
نهر شهير في روسيا يمر بمدينة سانت بيتربورغ.
تريستيا *
لقد تفننتُ
بعلم الفراق..،
ففي ليالي
العتاب المكشوفة الرأس،
تجتر
الثيران، والإنتظارات تطول..
إنها الساعة
الأخيرة لحراس المدينة..
وها أنا أمجد
طقوس ليلة الديك هذه..!
حينما حملتُ
ثقل الأشجان الجليلة،
تلك التي
نظرت في البعيد باكية،
حيث إمتزج
عويل النساء بأغاني آلهة الشعر..!
من يستطيع أن
يعرف أي بعد سيمتدُ أمامنا
عند كلمة
الفراق..!!
وأي فأل
يعدنا به صياحُ الديك،
حينما تتعالى
النيران من ( الأكروبول)**
وحينما ، مع
ساعة السحر، ثمة حياة جديدة..!
حيثُ سيجتر
الثور في حظيرته بكسل..!
فلم يا ترى
يعدُ الديك بحياة جديدة إذن،
صافقا جناحيه
عند سور المدينة ؟؟
أنا أحبُ
النسيج العادي،
فالوشيعة
تلتفُ والمغزل يون***
إنظر، فهنا
ما يشبه زغب طائر التم،
وها هي (
ديليه )**** حافية القدمين تطير..!
آه يا حياتنا
الموغلة في التفاهة..،
كم هي فقيرة
لغة الفرح..،
لقد كان كل
شيء في العصور الغابرة،
وستكرر كل
شيء ثانية،
فليس هنا
أحلى من لحظة الكشف بالنسبة لنا..!
ستكون هكذا،
قامة شفافة
تستلقي في
صحن خزفي نظيف،
وكأنها فروة
سنجابية..
منحنية
للشموع تنظر الفتاة،
فليس مهمتنا
أن نتفرس ( الايريه )***** الأغريقية
فما هو شمع
للنساء، نحاس هو للرجال،
وخسائرنا في
الحروب فقط،
بينما لابد
من التكهن بموتهن..!
1918
·
تريستيا: هو عنوان إحدى مراثي الشاعر الروماني أوفيد ضمن كتابه
(مراثي الشجن)، وهي المرثية الثالثة من الكتاب الأول والمعنون
( تيبلوس)، وقد إتخذ ماندلشتام عنوان هذه المرثية كأسم
لمجموعته الشعرية الثانية التي صدرت بعد مجموعته الأولى (
الحجر).
** (
الأكربول): عن الكلمة الغريقية( أكروس ـ اعلى وبوليس – مدينة)
وهو اعلى واهم جزء في المدن الأغريقية القديمة وكان ينى عادة
على تل، وهو حاليا من معالم مدينة أثينا.
***يون:
الفعل المستخدم بالروسية لصوت حركة المغزل وجدتها في القاموس
تعني: يطن، يأز، يدندن، لكني فضلت كلمة ( يون) لصوت دوران
المغزل إستنادا للهجة العامية العراقية من حيث ان ( يطن، يأز،
يدندن) ليست أصواتا لحركة دوران المغزل في العربية.
**** ديليه:
إسم لعشيقة ( تيبلوس) التي يرثيها أوفيد في الكتاب الأول من
المراثي.
*****
الآيريه: إسم لمملكة الموتى عند الأغريق القدماء.
|