|
وديع شامخ
( الكلمات أرواح
ولها ذاكرة، ومن شأنها ان تطرق بابك في الليل لأنها لا تريد ان
تتأوه وحدها في الظلام ) الشاعر الأسباني خوسيه انخل بالنته
.
·
·
·
يبدو أن مقولة رولان بارت (نحن لا نكتب عن عمل، بل انطلاقا
منه ) ستكون ضرورية لمعاينة هذا الفضاء الشعري الذي كانت
الشاعرة حنان تنتقل في الإفصاح عنه في أنواع مختلفة من
التعبير الجمالي كالسينما والتشكيل والصحافة ، إضافة الى
رحلتها المكانية بين بغداد والكويت والدانمارك ،وأقامتها
الدائمة في العاصمة كوبنهاجن أخيرا.ومن هذا الشتات الجمالي
والمكاني القسري كان لبوح حنان اكثرمن إقامة في جسد الشعر .قد
تبدو المهيمنة الرئيسة لشعرها هي الغربة وألمها ،في القراءة
السطحية للنصوص ، لكن ما يختفي تحت جسد الشعر هو الإحساس
الوجودي بخيبة الوصول إلى المثال الذي يبدأ من إحساس الشاعرة
الطاغي إذ تقول في الإهداء الذي تصدر المجموعة: (العمر فات ،
وأن أعلى قلل اليقين ،ألثغ بصبر السلحفاة
…، أهديك
في خجل جراحي ، او بعض ما ملكت يداك ) ) الإهداء كان إلى
أبيها بوصفه المثال الأول والذي ترمي الشاعرة بيقظتها إلى
الذنب الأول في صيرورتها الدائمة . (أربعون شتاءا مضت ،
والنوارس تنتحب رحيل نصف الإله ) هذا المثال الذي لم يكن شفيعا
لرحلتها ، بل كان العامل المحفز لتعويض المثال على المستوى
الوجودي / الجمالي في الرحيل .ولو نظرنا إلى التضمينات التي
حفل بها الجسد الشعري بدءً من شعر للمتنبي ( ودع كل صوت غير
صوتي أنا الصائح المحكي والآخر الصدى ) ومرورا بنتشه
(إنما نحن الحقيقة المجردة عن كل خرافة واعتقاد ) ، نستطيع
القول ان الشاعرة
تسعى للامساك بذاتها وجوديا وشعريا . إنها تمارس التشريح بجسد
الشعر وتفضح لعبة الانتماء الزائف للحياة (رحن يصبغن وجوههن
وشعورهن
ومع المطر تنزل كل الألوان ).
إن الشعر هو الإزاحة التامة للمساحيق الفكرية بقناع اللغة الذي
ترتديه الشاعرة للخلاص من المساء
–كناية
عن العتمة وكوابيسها
–
( أتى المساء ثقيلا يحمل رسالة من الصباح
يقول فيها :
لاتنم هذا المساء
ارقد في القبر قليلا
حتى آتيك بموت جديد )
إن الحواس تشتغل على جسد الشعر تارة بالتذكر وأخرى في السرير
(خلف كل جدار خيانة ، هكذا تقول ثرثرة النسوة ، مع فنجان
القهوة
كل صباح)
وهذا الإحساس يتطور إلى مواجهة واعية مع السبات المماثل ، او
الصحوة القاتلة لنمو هذا الإحساس في طريقه للرجوع الى البدايات
. لان لا شيء يصمد أمام امتحان الزمن( أخبرتني الحقول اليابسة
، إن السنابل ما كانت لتغادر ، كما غادرت الشهب في السماء ) ،
ان حنان الشاعرة قد تورطت في فضح الحواس النائمة وهي تؤدي دور
الناقد الواعي لهذه الحواس التي انتفخت بدور مهيمن على اليقظة
المفترظة بمنظور ايروتيكي يفضح صمت المرآة / الجسد
وعذاباتها أمام وتحت هذا القدر المسمى زمنا ( حين استكن الليل
في مأواه
ارتحل …
وأنت….
هو لن يعود )
في كل إشاراتها الشعرية للعلاقة بين الرجل
–صاحب
مساء الأنثى ومالك قدرها ( ياألله : لو كان للقمر وجهان ).ان
الشاعرة تشهد بالشعر وتتوسله بالصورة وبالاستعارة والسخرية
السوداء: ( وأعيا شهرزاد الكلام ، ما عدت أقوى على حمل جدراني
معي ، ما أقسى الليل حين يعود مع الراحلين دوما !!) ولتشخيص
العلاقة غير المتوازنة في رحلة الكائن وامتثاله لنواميس
الطبيعة ( علاقة غير متوازنة ، الليل والنهار ، يدوران يدوران
طوال العام ، في النهار !!
هي عند قدميه ، وفي الليل هو عند قدميها
….،
الكل راكع والكل يسجد للشهوة ، للسلطة ) ومن فطنة الشاعرة
بسيادة النهار ان عنونت هذا النص ب(توازن) للدلالة على سيادة
النهار الذكوري بمعنى السلطة التي ستغيب الكائن وستسلبه الليل
والنهار ، وتذهب به إلى الحدود القصوى للتذكر فقط
–
وكأن الذاكرة البشرية والذي ميزت الإنسان على الحيوان في
فاعليتها –
تعود لاستخدامها للاجترار !! وكأن من قدر هذا الكائن العراقي
مرهون بتكرار البدايات (لحمها الأبيض ، على الرصيف ملقى ،
وشعرها الغجري تعلق في شباك ابن الجيران ، أنتبه في الطريق
حفر!
متى كان آخر لقاء ) .ولنفور الشعر من تكرار البدايات تذهب
الشاعرة الى القاموس اكثر من مرة لتعلقه على شباك اليومي
والمتحرك في سعيها للاطمئنان على نموذج ما ( امرأة خيتعور
–تعني
امرأة لا يدوم ودّها-.تتقن لعبة حواء الدمية
أنوثة
سحر
عهر
…
تبحث عن شواغر وظيفية
منزلق ثقافي
أو قطة للمؤتمرات ) هنا يبرز الوعي عند الشاعرة في اكتشاف حواء
، المغوية وليست الغاوية لأنها تتحرك في فضاء الشواغر وهذا
الفضاء سلبها مركزية الغواية وجعلها تابعا ماكرا مفضوحا ومسيرا
لنموذج مسوق عن المرأة بوصفها خيتعور .أما في النماذج
الايروتكية للشاعرة لم نجد في حواء كمال الغواية ولا في آدم
ندم الغفلة . ( عذراء بنظرات خجلى ترتجف هلعا .
صياد غير بعيد
يرقب بخبث
ينزل ….
يتبع !!!
يمزق !!
تبكي
في اليوم الثاني
رأيتها تقف في الجانب الثاني من الرصيف
تودّع عذريتها )
وحتى يفضح الشعر مسامات المكان والزمان ( قبلاتها كما السياط
نفس الجلاد
دفعها
ذهلت
وقف يزرر قميصه
استدار ومشى بعيدا
…
طفل يدق على جدار رحمها
لملمت أفخاذها من بين طيات الفراش
حملت قضبانها
ومشت على أول الطريق *)
ان الأنثى هنا قاصدة،و مستسلمة لمصيرها الأسود وهي عند حنان
اخطر من كونها مومس بدلالة الخصب
–
الطفل الذي دق جدار رحمها
–،
وهذه الصورة تجمل الصورة المأساوية للكائن مذكرا أم مؤنثا في
الوقوع في شرك البحث عن المثال.وبوعي تذهب الشاعرة إلى استدراك
شعري يؤكد إحساسها بالمكان المولّد للعلاقات الشاذة في كل زمان
، (من حانة في زوايا الباب الشرقي
…..
ارتمى في حضن مومس رعناء
ففي الصخب حياة
….
نامت مع ملك الظلام
كل جاء من طريق
عاودت نفس الطريق
كم الساعة الآن ؟ إنه وقت الأذان !)
فالصلاة عند حنان قائمة . الصلاة على الميت من الحواس ( في
شفتيها الأرجوانيتين مات القمر) .
(في المساءات الثقيلة لا يشرق القمر مرتين ).
أن النشيج الشعري لدى الشاعرة حنان لا يرتبط ببكائيات ساذجة أو
مازوخيات مفتعلة لتصوير العلاقة بين الكائن ومصيره كما حفلت
بهذا النمط بعض التجارب الشعرية في المنافي ، فالشعر هنا يقدم
مثل هذا الحزن ولكن بوعي مشحون بصور شعرية ورؤى مكتنزة ،وفاصل
معقول بين الشعر بوصفه انطلاقا من الواقع نحو تهشيمه واقامة
علاقات جديدة ، وبين الشعر بوصفه تحنيطا وتكريسا لمجموعة من
الصور الفوتوغرافية .لقد كشفت ا لشاعرة عن مصير مشترك للضحايا
، إذ نلاحظ في صفحات المجموعة لا وجود لبطل ، ولا لمهيمنة
جامعة للمتن سوى سعي الشاعرة الى البوح الجارح، مصوبة سهام
الشعر المتقدة على كل أسباب الخيبة للوصول الى المثال . وهذا
برأيي يعود إلى أمرين : أولهما وليس كما يذهب الشاعر عبد
الرزاق الربيعي في مقدمته للمجموعة ( ولعل هذه إحدى مزالق
التجربة الأولى التي سببها الركون إلى (الدفقة الأولى ) في
الكتابة الشعرية ، وعدم مراجعة القصيدة بعد كتابتها وحذف
الزوائد العالقة بها ) .
وثانيها : والذي أستطيع تلمسه بلا أبوة مسبقة هو ان الشاعرة
تلمست طريقها إلى الشعر عبر نضج تجربتها في الأداء الجمالي
ربما في غفلة منا كما هو الحال في التجارب الشعرية التي لم تر
النور ، وهذا هو الخانق الكبير في المعاينة للنص المكتوب أولا
، وكأنه صنو لأي خربشة تحتاج إلى تعديل وحذف ، ومن قال ان
الدفقة الأولى للشعر تحتاج إلى هذا مثل العبث في شعريتها ؟ ،
فالاكتفاء بدهشة الشعر عندي هو أهون من المس ببراءة الشعر إزاء
سطوة دفقات (خارج جمالية) فالشعر بقدر ما يحمل من البراءة يشير
إلى المواطن الخفية في نفس الكائن المنقسم /المنخرط في إنتاج
المسلات ( هو يشرع
ونحن نذبح )
( ملعونة كل الصباحات ، كل أوراق التوت
….ممزقة
) لان الصباح :(كان مجوسيا
يعبد النار في الليل ) . الشعر يفضح اللغة باستعارة ماكرة
لعجز التكوين الجسدي للإنسان في الإفصاح عن الحقيقة لعوق في
الجسد عن احتمال بوح الروح . وكأننا بهذا نصل إلى التوسل
بالحيوانات واستعارة جسدها
–
كطول رقبة البعير- كناية على التفكر بالكلام قبل النطق ، لكن
حنان لا تستعير من النعامة رأسها المدسوس في الرمل قبل ان تذرق
على المسلة ( اتكأت على مسلة حمورابي
غسلتها بذراقي
بصقتها من رأسي ) وحتى تكمل دائرة الوهم والفنتازيا من هذا
الواقع الغريب للغربة بين الكائن والمكان والزمان ( نعامة
..أنا لا تلمني ) . ان التحول إلى نعامة يعني عدم وجود المثال
كقراءة رمزية للرجوع إلى الأرض
–الطين
–
للأصل الأول للإنسان لاسيما ان الشاعرة ترزح تحت وطأة البحث عن
مثالها المفقود في رحلتها الحياتية والابداعية ( نهار مهزوم ،
ليل قلق بالأحلام ، عمر مضى واخر متخاذل ، وفي حقولي السنابل
تنتظر الحصاد ) . حتى يبلغ التصريح باليأس من وجود المثال
المنتظر عندما تقول ( بين عمر هارب
….
وأخر ملتهب ، لو تريثت قليلا قبل الرحيل ) ، ومن المفيد ان
نذكر ان الشعر عند حنان لم يتأثر في المكان كمصدر لنمو علاقات
جديدة مع العالم خارج العراق ، إذ لم نجد في المجموعة ما يشير
الى هذا ،أي أنها كانت تعيش حالة اغتراب بين الوجود الفيزيقي
والوجود الشعري في بحثه عن المثال وكأن الشاعرة تعاني من (
ضرب من ضروب الوجود الزائف ، غير الأصيل وغير المشروع الذي
يسقط فيه الإنسان سقوطا يفقد معه حريته ، مناط إنسانيته وجوهر
وجوده ، ومن هنا كانت الحرية مرتبطة بالاغتراب ارتباطا وثيقا
…
فهي لا تكون ولا تكشف عن معدنها الحقيقي ، إلا من خلال عملية
قهر الاغتراب المستمرة)
وهذه دالة
نصية اخرى على ما ذهبنا إلية في القراءة التي كانت
تؤكد على فشل الشاعرة في الوصول الى مثالها الخاص ، فهي تتمنى
التريث قبل الرحيل ، ولكنها في رحلة وجودية وقلق شعري قائم سوف
لن يقودها الى الإمساك بلحظة الطمأنينة ، والتي ستكون لحظة موت
الشعر والشاعر .
·
،،،،،،.
المصادر : 1- مساءات ثقيلة ، حنان عبد الكريم عناد ، دار أزمنة
للنشر والتوزيع ، عمان ، 2001 .
2- صالح زامل ، تحول المثال ، دراسة لظاهرة الاغتراب في
شعر المتنبي ،ص26 .
،،،،،،،،،،،،،،
|