|
سهيل نجم
أريد أن أوضح في البدء أنني لست ممن يسعون إلى البحث عن
الفضائح أو الاتكاء على التشهير بأحد من أجل نيل مرام معينة قد
لا تكون نزيهة بينما تدعي الموضوعية والنزاهة. كما أنني أكن
وداً خاصاً للزميل والصديق صلاح حسن الذي أسعى هنا إلى أن أطل
ببعض الملاحظات على حوار معه نشر في جريدة الأديب العدد (24)،
وكل غرضي أن ثمة أشياء لابد لنا من أن نتخذ منها موقفاً
موضوعياً خاليا من أي تحامل، ونعمل على الإشارة إلى نقاط خلل
تحدث في الوسط الأدبي وتمر، للأسف الشديد من دون أي تعليق، مما
قد يفهم بأنها مبررة ومشروعة لأنها نالت "حق النشر"!
إن الركود الثقافي، والأدبي خصوصاً، وضعف المتابعات النقدية
الجادة لما ينتج من أعمال ثقافية وإبداعية، لن تحله سهولة
النشر وتعدد مصادر هذا النشر التي صرنا نرفل بها اليوم. في
اعتقادي أن النقاد مدعوون اليوم إلى نبذ الكسل والرقود والعمل
بنشاط على متابعة ودراسة المشهد الثقافي والأدبي بروح نقدية
علمية لا تعرف التزلف والمحاباة، فلم يعد ثمة مبرر لذلك، من
أجل تشخيص حالات التجدد والإبداع عن حالات النكوص والتردي.
الشاعر صلاح حسن من الشعراء الذين لهم تجربة مهمة في الشعر
العراقي وهو كغيره من شعراء جيله ظل النقد بعيداً عن مواكبة
إنجازاتهم الشعرية، وقد يكون النقد عموماً قد تراجع عن مواكبة
التجربة الشعرية العربية بأسرها خصوصاً بعد الانشغالات
بالنظريات النقدية الحديثة. وإذ لاحظ أغلب الشعراء هذا الفراغ
النقدي حاول الكثيرون منهم أن يسوقوا "إنجازاتهم" من خلال
سبيلين. الأول أن يركبوا قارب المقال النقدي ليتحدثوا عن
تجاربهم الجديدة وتجارب الآخرين من جيلهم، وهذا ما كان يحصل
على نحو نادر، فالنرجسية الشائعة لا تمنح الشجاعة لشاعر أن
يشيد بما يبدعه غيره من الشعراء، وقد يرى نفسه الأول والأخير!
والسبيل الثاني هو أن يعمدوا إلى المقابلات واللقاءات. ونجد
هنا ثمة شجاعة أو جرأة في غير مكانها الملائم قد نسميها
"تهوراً" يصاب بها بعض من أصدقائنا المبدعين تؤدي بهم إلى
العكس مما يبتغونه من وراء "تصريحات" تخص إنتاجهم الإبداعي
يحاولون فيها المبالغة في رفع شأن هذا الإنتاج الذي مهما كانت
أهميته ومهما كان تفوقه لا يمكن إلا أن يكون حلقة ضمن سلسلة
إبداعية طويلة عبر التاريخ الإنساني، ذلك ما تحدثنا به كل
النظريات الأدبية، القديمة منها والحديثة.
إن التصريحات "الأنوية" ليست في مصلحة شعر الشاعر، حسب
اعتقادي، لأنها تعمل كما الموجهات المشوشة على النص، وتعمل على
إرباك القارئ حين تضع نصب عينيه هذه "الأنوية" المتضخمة في غير
سياقها. إننا قد نجد مسوغاً للنرجسية التي نواجهها في نصوص
المتنبي والجواهري وغيرهما، لأنها تأتي في سياق شعري جمالي
يدعونا إلى تذوقه بشفافية هي غير تلك التي عليها "التصريحات"
الصحفية الرنانة من مثل تصريحات الشاعر الصديق صلاح حسن حين
يقول بمجانية لا يحسد عليها "النص الذي أكتبه لم يكتبه شاعر
عربي من قبل"!
على الرغم النرجسية المقيتة التي كان عليها سامي
مهدي في كتابه "الموجة الصاخبة" وادعاءاته ومبالغاته بأهمية
شعره وتفوقه بينما كان في الوقت نفسه يقلل من أهمية أغلب
نتاجات الشعراء من جيله أو حتى من الجيل الذي قبله، وعلى الرغم
من أن الأمر ذاته حصل عند فاضل العزاوي في كتابته عن الستينيات
وجعل نفسه مركزاً أو محور الإبداع بين جيله، وعلى الرغم،
أيضاً، من كل ادعاءات بعض الشعراء بالفرادة دون غيرهم وتجاوزهم
لهم، لم نقرأ لمن يجرؤ بكل بساطة ويقول ما قاله صلاح بشأن نصه
الذي لم يكتبه شاعر عربي من قبل! أو استشهاده بكلام
"المجاملات" الذي قاله عنه محمد مبارك باعتبار قصيدته "رماد
المسلة" (اختصار لتاريخ العراق منذ سومر حتى الآن)! هل هذا
القول في صالح الشاعر والقصيدة؟ أشك في ذلك. إذ هل يعني قول
الناقد إن القصيدة كفت أن تكون قصيدة وأمست كتابة في التاريخ؟
هل يعمل الشاعر مؤرخاً حين يستذكر بإشارات من التاريخ؟ ألا
تعمل المبالغة هنا في تحميل النص أكثر مما يحتمل لاسيما حين
يتخذها الشاعر شهادة ليصرح بها هنا وهناك، ويؤثر بذلك تأثيراً
سلبياً على قراءة النص؟
ويؤثر الشاعر نفسه سلباً على نصه حين يسعى إلى
الإتكاء على قامات شعرية كبيرة بصورة أو أخرى. نعرف كثيرين ممن
تحلقوا حول عبدالرزاق عبدالواحد وكتب لهم المقدمات لدواوينهم
الأولى وربما الثانية، وثمة من تحلقوا حول سعدي يوسف ليكتب لهم
المقدمات، كل ذلك ليحملوا القراء على الاعتراف بشاعريتهم، وهو
أسلوب يمكننا أن نسميه "لا شعري" ، إن صح التعبير، يحاول
استعمال قوة خارج الشعر لإثباته، وكانت النتيجة عكسية كما هو
معروف، فلا يسند الشعر والإبداع إلا الشعر والإبداع، ولا شيء
غير ذلك. وكذا الحال حين يتكئ شاعر على مقولة مجاملة من شاعر
كبير مثل أدونيس، لا حظ أن الشاعر ينفضح باتكائه على المجامله
بقوله "أدونيس صديقي"! فهل يشفع التقرب من أي شاعر ليكون شهادة
بشاعرية أحد؟
الأبعد من ذلك أن صلاح حسن يذهب إلى تقويل أدونيس وتأويل كلامه
بما ليس فيه إطلاقا. لاحظ: "قال عني، أي أدونيس، (أريد أن أطلع
على كل ما كتبته ، لكي أعرف الشجرة التي أنتجت هذه الثمرة)
فيؤول صلاح هذا الكلام، (ويقصد بذلك أن النص الذي أكتبه أنا لم
يكتبه شاعر عربي من قبل)!
لا أختلف مع أحد على موهبة وشاعرية صديقي صلاح حسن، لكنني
لا أرى خيراً في تلك التصريحات المجانية وغير الدقيقة
والمتعجلة التي تخص شعره ، وأرى أنها لا تغني شعره أو هي
على العكس من ذلك تشكل عائقاً في توجيه القراءة الإبداعية
الوجهة الصحيحة لدى القارئ.
*
لقد قرأت ما كتبه صلاح في الرد على ما كتبته فوجدته "كارثة"
حقيقية. لقد جعل كل همه أن يثبت أنه لم يلفق ما قاله عنه
أدونيس وأرسل صورة للرسالة التي تتضمن قول الأخير عنه! هل يعلم
صلاح لو نشرت كل تعليقات المجاملة للأدباء الكبار لكنا قرأنا
العجب العجاب؟ كما أن أغلب ما يكتب في الرسائل الشخصية بين
الأدباء لا يصلح للنشر. لقد ألف المعري كتاباً أسماه ب"معجز
أحمد" سعى فيه إلى إقناع الناس بالإعجاز الشعري الذي أتى به
المتنبي. وهذا ما نريده هنا وهو أن نتوقف عن التصريحات
المتشنجة والانفعالية ونتطلع عندما يصل الأمر إلى بيان قيمة
الإنجاز الإبداعي إلى ذلك النقد التحليلي الموضوعي الذي يعتمد
على أسس دقيقة وعلمية ولا تميل إلى المغالاة والحكم الجزافي
المطلق. ومهما يكن من أمر ففي تقديري أن الوجود الحقيقي للشاعر
كامن في نصه لا خارجه، مهما تنوعت التفوهات والكتابات عن هذا
الشاعر، المادحة والقادحة، المفسرة والمحللة، الشاعر الحقيقي
قد يستفيد مما يكتب ويقال عنه ولكن شغله الشاغل هو نصه، كما أن
هذا النص، مهما كانت معيارية إنجازه متفوقة، تظل محاولة
متواضعة إزاء ما أنجزته البشرية في هذا المجال. الشاعر الحقيقي
همه أن تسهم محاولته المتواضعة هذه في أن تكون مضيئة للحياة
أطول فترة زمنية ممكنة ولذلك ليس من صالحه ولا من صالح شعره أن
يكثر من التصريحات حول تفوقه بل يترك ذلك لنصه فهو الأجدى أن
يلفت الأنظار إليه. أما فيما يخص الاهتمام بالمبدعين كونها
مسألة تلاقي الرعاية في الغرب بينما نحن نسعى إلى التقليل من
شأن مبدعينا، فهذه تتحمل الخلط الكثير، كما أن ليس ثمة مبدع
غربي يمكن أن يصرح بأن ما يكتبه لم يكتب مثله أحد من قبل!
فضلاً عن أن الاحتفاء بالأديب حري به أن يأتي تطوعاً من الناس
والمؤسسات الثقافية بحكم الجهد الأدبي والثقافي اللذين يتوفران
في ثنايا النتاج الشعري أو الأدبي للأديب المحتفى به لا من
أسباب أخرى خارج عن ذلك، وإذ نعرف أن أدباء عرب يسعون بشتى
الوسائل الحميدة منها وغير الحميدة لنيل جوائز عالمية من دون
أن يطالوها، فنعرف أيضاً أدباء، من العرب والعالم، قد زهدوا
الشهرة والجوائز وانشغلوا بالخلق وهؤلاء هم من الأحرى أن
يكونوا نجومنا القطبيين.
|