|
آدم حاتم / قصيدة واحدة
حميد
العقابي
ولد
آدم حاتم ( سعدون حاتم الدراجي ) في محافظة
العمارة عام 1957 ، عاش حياته متشرداً منذ
خروجه من العراق متنقلاً بين باريس ، تونس ،
دمشق وبيروت حيث نشر معظم قصائده ومقالاته
وأسهم في إصدار مجلة رصيف 81 إلى جانب رسمي
أبو علي والشاعر الراحل علي فوده والشاعر
وليد جمعه وآخرين . أقام في دمشق وعمل في
المجلات الفلسطينية ، ثم انتقل إلى لبنان
أواخر حياته لتتوقف رحلته في 17/12/1993 ودفن في
مقبرة السيم في صيدا . صدرت له في بيروت بعد
رحيله مجموعة شعرية يتيمة بعنوان ( لا أحد ) عام1996 عن منشورات (
كراس ) .
إحدى
وعشرون قصيدة إلا أنها تشكل نصاً واحداً على
الرغم من العناوين التي وضعها الشاعر
والإهداءات التي تشير في بعضها إلى المهدى
إليه غير أنها تحوي المضمون نفسه وبسياقٍ
واحد ، وليس موت الشاعر ما يدفعنا إلى القول
إن هذهِ النصوص هي قصيدة واحدة كتبها الشاعر
بين عام 1957 ( عام ولادته ) وعام 1993 ( عام رحيله )
فعلى مدى سبع وخمسين صفحة تتكرر كلمة ( الموت
) 49 مرة وكلمة ( القتل ) 38 مرة و ( الدم ) 11 مرة و (
الحرب ) 9 و ( الخيانة ) 12 و ( الجنون ) 11 مرة ،
إضافة إلى أن بعض المقاطع تتكرر في أكثر من
موضع بالصيغة نفسها أو بإعادة تشكيل ، ولا
غرابة فللشاعر هاجس واحد هو الحياة / الموت ،
إنه يعيدُ تركيب يومه كل يوم وفي كل يوم يصل
إلى النتيجة نفسها حيث أنه يتطلعُ إلى يومه
فجراً فيراه شائخاً فيجهدُ ذاكرته في البحث
عن نضارة الأيام التي مضت فلم يجد غير شيخوخة
الطفولة وخيبة الأمل ولا يسعفهُ التبرير
فالخيبة لا تكمن في المكان الذي يقيم عليه بل
إنها تكمن في اليأس الراسخ في أعماقِ نفسهِ
كإنسانٍ يبحثُ عن سرّ وجودهِ وأسبابِ شقائه :
( في
المساء سكرنا حتى احمرتِ الغيوم
لا لشيء
إلا لأن الذين قتلوا
هناك
كان عليهم أن يقتلوا
في مكانٍ آخر )
يحاول
أن يصلح علاقته مع الحياة بالمرأة لكنه
سرعان ما يكتشفُ :
( كلّ
امرأةٍ تقفُ ومعها أسلحة الحياة
كي تحدّ من موجِ
أحلامي المندفع
نحو السماء )
والخيبةُ
تكون أشدّ إيلاماً بالنسبة للشاعر حينما
يهرب من الحياة إلى الشعر فيجد أن :
(
الكلمات تطنُّ في ضياء عقيم
تبررُ للحمقى أسباب
الزوال )
إذن ،
ماذا تبقى للشاعر بعد ذلك ؟ وهو كلما ( اقتربَ
من الحقيقة ، ابتعدَ عن الصواب ) فـ (
العلامةُ ضاعتْ ) و ( السرّ ملأ العالمَ
صراخاً ) وليسَ له ملجأ يعود إليه فـ ( البلاد
التي كلما يذكرها يشعرُ بطعمِ الدماء في
فمهِ ) وهذه حياته صارت ( جدول دمٍ يذهبُ إلى
فم الساحرة ) ونفسهُ ( تهومُ في معاقلِ العدم )
ولم يسلم حتى غدهُ من الخراب فهناك ( دمى
تطاردُ الغدِ بفؤوسٍ أعدت للإطاحة بالجبال )
. أقولُ ماذا يتبقى للإنسان بعد هذا الخراب
غير أن ( يغمس الخبز بالجنون ) أو يرى الموتَ
شافياً وتصير ( المنايا أمانيا ) كما قال قبله
أبو الطيب المتنبي ، فهو يخاطب الغريق
بلسانِ طفلٍ مجروح البراءة :
(
صديقي الغريق
أخاطبك كطفلٍ :
لا تعدْ إلى الحياة
لأنها أصبحتْ مثل
رجلٍ يضاجعُ شقيقته )
لم يرد
ذكر ( العراق ) في مجموعة الشاعر الراحل آدم
حاتم إلا مرة واحدة غير أننا ندرك وبسهولةٍ
أن محنةَ الشاعر تكمن في هذه الحروف فقد ورد
اسم العراق في قصيدة ( ورود لأحلام ديك الجن )
مختصراً بهذهِ الحروف الموت والقتل والمرأة
والخيانة والدم والحرب وغيرها من الكلمات
التي تكررت بكثرة في مجموعته الشعرية ، فهو
يقول عن ( جثة حبيبته التي أهداها الموتُ إلى
النسيان ) :
( حيثُ وجهه تحت المطر
يشبه
الخيانة
بعدما
كان يشبهُ العراق )
إذا أردتُ أن أقول كلمةً
أخيرة فسأقول : لقد كان آدم حاتم شاعراً
وشهيداً يوم غيّرَ اسمهُ من ( سعدون ) إلى (
آدم ) .
قصائد
آدم حاتم
( 1957 ـ 1993 )
مالك
الحزين
هذه ثمار الفراغ
موج ذاهلٌ
يخطط للفرار
بحيرة بشالها الأزرق
تنعي ظلال الأبراج
ماذا سنفعلُ بالبحار
التي بللتْ أيدينا بالدماء
لم نقف أمام أيامنا
ننتظر الطعنة
التي تدبرها البروق
***
ما أوحشنا
أنا وأنت
على بحيرة هاجَرَ
موجها وطيورها والألق
الذي كانت عليه
***
رأيتُ بالأمس ابن آوى
يحتفلُ بعيد ميلاده الخمسين
رأيتُ الغرابَ يضحك من
الحياة
والبومَ يصفق للحطام
يهدد الأقدار الجميلة
ويتلاعب برنين الذنب
***
سمعتُ اللهَ ، وهو
يهتكُ ستار النهار
يلعنُ الإنسانَ والطيورَ
والبشر
سمعتهُ يقول :
ما أقسى أن يكون الكائنُ إلهاً
تضليل
رجلٌ يتبعك بهدوء
يدوّن في دفتر صغير
أخطر الساعات
أسماء من تكره
وصفات من تحب
رجلٌ يقلّب الماضي
يشير إلى نقاط القوة
في مثلث الأزمنة
تحاول تضليله :
متنكراً بين الأزقةِ
والحانات
فراراً تحت النجوم والصحارى
عبر المضيقات
إلى الشمال والجنوب دفعةً
واحدة
بين التلال وفي أكثر
الأحلام وعورة
لتجدهُ في نهاية المطاف
متكئاً ، يدقق في دفترهِ
الصغير
في أيامك القليلة القادمة
ثلاث
حالات
1 ـ
بماذا تفكرُ النمور في
الغابات ؟
سوى أن تطير لافتراس
الشهاب المندفع نحو العدم .
2 ـ
أخيراً ،
تذكرتِ المرايا نسيان
الغريب
أعادته إلى الليل
ينظرُ بضراوة الوحوش نحو
القمر
يدخّنُ حتى الفجر
يحصي : كم من الأرواح تكفي
لهؤلاء القتلى ؟
ثم يجيب :
ميتٌ واحدٌ يكفي لكل أرواح
القتلة .
3 ـ
رجلٌ وثلاثُ مرايا
واحدة للنهار
والثانية لمساء الشفقة
على الذين جاءوا فهشموا
ثالثة المرايا .
( عودة للبداية ) – ( عودة للفهرس )
الشهيد القاص حميد ناصر
الجلاوي / بيت للشمس والشجر
حميد العقابي
( كم
كان اليساريون مبتدئين )
بهذه
العبارة لخص الشاعر سعدي يوسف ( وهو محق بذلك
) مرحلة من تاريخ العراق ، وعقداً من السنوات
كان يحسب البعض متفائلاً بسذاجة أنها مرحلة
هدوء واستقرار ، لكن ذلك الهدوء لم يكن إلا
هدوء المخاتل الذي كان يستغل الوقت لكي يزرع
الأرض ألغاماً في طريق الآخر ، ولم تكن نخبة
اليسار العراقي مبتدئةً فحسب بل كانت دون
وعي البسطاء من عامة الناس التي أدركت خبث
اللعبة ، كم كان شيوخنا الساذجون محقين
حينما كانوا يحذرون شبابهم من الانخراط في
اللعبة ، ليس إيماناً منهم بما قاله الشاعر
زفر ( قد ينبت المرعى على دمن الثرى / وتبقى
حزازات النفوس كما هي ) بل إنهم بسلامة
فطرتهم ونبل سجاياهم أدركوا بيقين أن زمرة
تضم كائنات منحطة كناظم كزار و صدام حسين و
خير الله طلفاح لا يمكن إلا أن تكون ضمن زمرة
الذئاب التي تتحايل وتتربص للإيقاع
بطرائدها ، لكن لابد من الاعتراف هنا بأن
أولئك اليساريين ما كانوا مبتدئين بكل
الأمور بل إن هناك أموراً برعوا بها براعة
تفوق التصور فبعد أن كشّرت زمرة الذئاب عن
أنيابها المدماة حتى تسرب السادة من الفخ
كما يتسرب الماء من بين الأصابع بعد أن سربوا
أبناءهم إلى جامعات ومدارس موسكو وبرلين
الشرقية ليدرسوا الباليه ، أما الذين
أثقلتهم طيبتهم وأعباء العائلة فقد وجدوا
أنفسهم وحيدين في وجه عاصفةٍ هوجاء لا سلاح
لهم سوى صدورهم العارية يلقون بها سموم
الهجمة الشرسة ، وكان من الصعب عليهم أن
يتخلوا عن إنسانيتهم التي لا يمتلكون سواها
والانضواء تحت راية زائفة ، فدفعوا الثمن
أرواحهم ويتم أطفالهم . القاص والفنان حميد
ناصر الجلاوي واحد من تلك الأرواح النزيهة
التي ضمت كوكبة أخرى كالقاص جليل المياح
والشاعر خليل المعاضيدي وآخرين .
·
ولد حميد ناصر عام 1948 لعائلة
فقيرة في مدينة الكوت .
·
تخرج من دار المعلمين وعمل
معلماً في مدينة الكوت وأريافها .
·
درس علوم الفقه في كلية
الآداب / جامعة بغداد
·
بدأ نشاطه الثقافي والسياسي
في بداية السبعينات فكتب القصة والرواية .
· فنان
تشكيلي ، أقيمت له معارض كثيرة فردية
وجماعية وعرضت لوحاته في برلين خلال مهرجان
الشبيبة والطلبة العالمي العاشر .
·
عمل مراسلاً صحفياً لجريدة
طريق الشعب .
· نشرت
أعماله في العديد من المجلات العراقية
والعربية كالآداب ، الثقافة الجديدة ،
الأقلام ، التراث الشعبي ، طريق الشعب ،
الفكر الجديد ، التآخي وغيرها .
·
أصدر عام 1973 مجموعته
القصصية الوحيدة ( بيت للشمس والشجر )
·
أصدر روايته عن انتفاضة
مدينة الحي وتم منع توزيعها .
·
له مخطوطات كثيرة في القصة
والرواية لم يستطع نشرها .
·
اعتقل عدة مرات كان آخرها
بداية الثمانينات .
·
ألقيت جثته عند باب بيته في
ظلمة ليل من عام 1985 .
ولادة
حميد
ناصر الجلاوي
كانت
تنظر إلى النخل الكثيف في جانب من دجلة ،
تنظر إلى الشريعة والزوارق الراسية بهدوء
تحت شمس الصيف.
حثت
حسنه خطاها ، كان التراب يتناثر تحت قدميها
كالدقيق الناعم ، وخطوات قاسم والكلب تتبعها
وتسمع هسيس عصاه التي يمررها على ذؤابات
الشوك والعاقول على جانب الطريق الضيق .
تحس
بالعباءة المشدودة إلى بطنها تقرصها عند
السرة والجنين يتململ في أحشائها " منذ
البارحة وهو يلبط لبطات عنيفة ، يستكين
لحظات ثم يعاود العربدة ، إنه ولد ولا شك ،
وإلا فما معنى هذا اللعب والضجيج الذي يحدث
في أحشائي . كان قاسم مثله تماماً ... آه كم
فرحت يا فاضل المحسن به وهو يلعب داخل أحشائي
تنقره بإصبعك وتبتسم ، ترى في أي كوخ أنت
الآن ؟ "
أخذ
الكلب ينبح وانشغل قاسم بالركض مع الكلب
وراء الأرنب الذي خرج من تحت الكديس وأخذ
يعدو باتجاه الحقول ، وكانت نظرات حسنه
تتابع رأس ابنها المتحرك بعنف وشعره المهفهف
بين أعواد الحنطة والسنابل تضربه على وجهه
وقلبها يفرح ، تحس به يطير مثل القطاة خلف
صغيرها .
أخذت
تشقّ طريقها على حافة الساقية التي تخترق
الحقول باتجاه الأفق ، توازن خطواتها فوق
كتل الطين المتراصة اليابسة وتتحسس بطنها
الذي فكّت عنه العباءة وشعرت بالراحة ،
وكانت أصابعها الخشنة المدبوغة بالتعب
تلاعب أسنان المنجل الحادة اللامعة ، تروح
وتجيء على الأسنان الصغيرة تدغدغ أصابعها ،
تمدّ بصرها مع امتداد الحقول وتشعر بالنشوة
وروائح السنبل تتغلغل إلى أعماقها مع حرارة
الشمس المعلقة في كبد السماء .
عندما
وصلت الفسحة المحصودة من الحقل ، وجدت ( قاسم
) منبطحاً على الكديس الذي حصدته البارحة ،
والكلب مقعٍ ينظر إلى ساعدي الصغير
العابثتين بحزمة السنبل .
انحنت
على السنابل ، المنجل يتغلغل بين أعواد
الحنطة ، أخذ الجنين يلعب في أحشائها ، رفعتْ
قامتها ونظرت إلى الأفق ليس ثمة غير رؤوس
الحاصدين التي ترتفع بين الفينة والأخرى .
نفض
قاسم القش عن ثوبه واقترب منها ، نظرت إلى
عينيه :
ـ
لماذا يروح أبي إلى المدينة ولا يعود
ويتركنا نحصد وحدنا ؟
ـ مَنْ
قال لك لا يعود ؟ يعود في الليل ويحصد الزرع
ويروح وأنت نائم .
( يعود
فاضل تحت المطر الغزير في الشتاء ، مبتل
الثياب والريح الباردة تطعنه مثل الخناجر
العدوة ، يعود في الليالي التي يغيب فيها
القمر في الصيف ، يمشي تحت شجيرات السيسبان ،
ينتقل من ظلّ إلى ظلّ ، يأتي بأوراقه التي
يرصفها في الصندوق تحت الثياب ويأتي عبيد
السماك ليأخذها ، وعند الفجر يروح فاضل )
قلبها يعصره هاجس الخوف ، تنظر إلى البعيد
باتجاه دجلة والنخل الكثيف في الجانب الآخر
تسمع لغط الحاصدين من بعيد ، وتعاود
الانحناء على الزرع ويبدأ الجنين بالتحرك من
جديد ، في هذه المرة تشعر به يحاصرها والألم
يبتدئ بسيطاً ، يبدأ في الظهر مثل وخزة
الدبوس ويسري رويداً .
( لقد
انصرم الشهر التاسع ولا شك ، طويت الشهور
تباعاً والألم يحاصرني في الكوخ ، أنا وقاسم
نظل أمام الموقد إلى آخر الليل ، نخاف غارتهم
علينا ، كل مرة أقول لقاسم :
ـ
سيشقون الحائط علينا ويأخذون البقرة !
يقول
لي باستغراب :
ـ
لماذا يأخذون البقرة يا أمي ؟
تعوي
الكلاب في الحوش وفوق الكوخ . أنكمش على قاسم
وينكمش في حضني منذ تلك الليلة التي عاد فيها
فاضل المحسن وحيداً بلا فرس ، الرسن يتأرجح
معلقاً بأصابعه الملطخة بالدم ووجهه غائب
كليلٍ شتوي داكن . كانت بقع الدم على ثوبه
وعلى ذؤابات كوفيته المقدودة ودفن فاضل
المحسن رأسه بين ركبتيه من الحزن وكان ينحب
بصمت .
تسعة
شهور مضت بسرعة ليال باردة مطيرة والفرس
المقتولة التي دفنها فاضل في الوهدة ) .
عضتْ
على شفتيها ، أخذ الألم يداهمها دفعات ،
يعصرها وتشدّ على أسنانها ، تعض قبضة المنجل
الخشبية ، الأسنان تنغرز في الخشب المتصلب
وأصابع يديها تعصر كتل الطين المتيبس بقسوة
، الطين اليابس يتفتت ، تود لو تصرخ ، تشد على
القبضة الخشبية يقترب منها الصغير ذاهلاً :
ـ أمي
... أمي
يأتيها
الطلق ، تطقطق القبضة الخشبية بين أسنانها
والأصابع تنغرز بحافة الساقية بعنف .
( مثل
انهمار ضوء الشمس يبزغ في أعماقها فاضل
المحسن ، ترتجف مثل العصفور المبتل من الفرح
ـ فاضل ، فاضل ... آه ، الألم يسحقني يا فاضل ،
تكاد روحي تخرج ! طلق آخر وأهمد ، ناولني يدك
أيها الزوج الحنون ) .
تحس
وكأن يدها تمتدّ إليها بجسارة فتتشبث بها (
حسنه ) كالغريق ، تترك التراب وتجرّ قبضةً من
أعواد الحنطة تفرشها تحتها وتضع عباءتها فوق
الأعواد .
يأتيها
الطلق هذه المرة قاسياً مثل طعنة الخنجر ،
وصغيرها قاسم ينحني على وجهها المليء بالألم
، يضع الوجه بين يديه الصغيرتين .
ـ أمي
.. أمي !
( أين
هو الماء يا فاضل ، تيبست أحشائي ، تيبست مثل
ساق السيسبان ، وأنت منْ يعطيك الماء ؟ أي
كفّ تغرف وتسقيك كما تسقي الأم الوليد ؟ )
تخرجُ
الصرخةُ خافتةً من زوايا فمها الممسكة بقبضة
المنجل ، تتلوى على نفسها وتشد أصابعها على
حافة الساقية والركبتان تنغرزان بتراب
الأرض وبقايا أعواد الحنطة . ينسرح الطفل من
أحشائها ، تنقبض أساريرها ثم تنبسط رويداً ،
تهسهس أعواد الحنطة المفروشة تحتها ، تترك
حافة الساقية ويسقط المنجل أمامها على الأرض
، تلتقطهُ وتمسك الحبل السري تحزّه بالمنجل
والصغير يرفسُ على العباءة ويصرخ صراخاً
يمتدّ مع امتداد الحقول . تناولت عباءتها
وظللته من صهد الشمس .
مع
الأفق والسنابل التي تلعب بها الريح ورؤوس
الحاصدين المرتفعة بين الفينة والأخرى ،
كانت الطيور البيضاء تحوم فوق دجلة ، تحوم
وتنقض وغناء عبيد السماك صاحب فاضل المحسن
يأتي من وسط دجلة .
تحسّ
بالفرح والرعشة الدافئة ولسعات الألم
الممضة ووجه صغيرها الوليد ينطبع في روحها ،
تحدق بالعينين العميقتين كعيني الصقر . كان
المنجل يلمع تحت الشمس مثل كسرة المرآة ،
يلتصق به القش ودم الوالدة ، تناولته حسنه
ثانيةً وحفرت به للبقايا في متن الستقية .
تشتدّ
صرخات الوليد وتمتدّ مع امتداد الحقول ،
تلفّهُ بالعباءة وترشقهُ على صدرها وتجاهد
لإخراج ثديها من الفتحة الضيقة . انطلقت (
حسنه ) تشقّ طريقها وسط الحقول ودفء الصغير
ورائحة الزوج البعيد تنبتُ في أعماقها زخة
من مطر لذيذ .
( عودة للبداية ) – ( عودة للفهرس )
|