قاموسُ العبارات
المُستَهجَنة
من خلال اطلاعي على مقالات لكتّابٍ
عراقيين منشورة على المواقع الاليكترونية
في الشهر الماضي أحصيتُ ثلاثاً وثلاثين
مرةً تكررتْ عبارة ( وجّه فلانٌ صفعةً إلى ....
) ، وفي كل مرةٍ نجد بوضوحٍ ـ ذي دلالة ـ أن
الكاتب يقفُ منحازاً إلى ( الصافع ) ضد (
المصفوع ) ! من بين
هؤلاء الكتّاب ثلاثة شعراء ، أحدهم كتبَ (
وجّهَ السيد وزير الخارجية العراقي صفعةً
إلى الجامعة العربية ) والثاني جاءت عبارته
في السياق نفسه ولكنه أبدل كلمة ( صفعة ) ب (
لطمة ) أما الثالث فكتب ( الشاعر الفلاني
يوجّهُ صفعةً إلى الوسط الأدبي ) . قد يخطر في
الذهن أن هؤلاء الشعراء ضاق بهم قاموسهم
اللغوي فلجأوا إلى هذه الكليشة المقيتة ،
ولكن المسألة أخطر بكثير ( حتى لو صحّ
الافتراض ) ، إن لغتهم إناء ينضح بما يترسب
في لا وعيهم الذي شبّ على تربية خاطئة ،
فترتسم صورهم الكاريكتورية وهم جالسون على
كنبةٍ في مقهى يرقبون مشهدَ رجلٍ مفتول
العضلات ينهال على آخر بالصفعات فتهتز
مشاعرهم طرباً على تلك الموسيقى ويزيدهم
نشوةً مشهدُ الدماء التي تتدفق من منخري
المصفوع .
لا أضيف شيئاً جديداً حينما أقول
إننا ضحايا بيئة عنيفة بكل تفاصيلها
الطبيعية والاجتماعية ، من سلطة الأب وحتى
الحاكم مروراً بالمعلم ورجل الشارع والجار
وشرطي المرور ورجل الدين ، فنحن ضحايا تربية خاطئة
لابد أن تظهر انعكاساتها وانكساراتنا على
سلوكنا وتفكيرنا ، وعلى ذكر التربية
الخاطئة أروي هذه الحكاية :
دخل معلمُ مادة الدين والتهذيب !
متجهماً وكنا صغاراً لا تتجاوز أعمارنا
العاشرة ، كان يحمل بين يديه سلسلة حديدية
وضعها على الرَحلةِ الأمامية والتي كانت من
سوء الحظ الرَحلة التي أجلس عليها ، تلمستها
بفضول فنهرني بوجه يقطر منه العبوس ثم
استدار إلى السبورة وكتب بحروف كبيرة ( خذوه
فغلّوه ثم الجحيم صلّوه ثم في سلسلةٍ ذرعها
سبعون ذراعاً فاسلكوه ... ) ، وبصوتٍ أجش يخرج
من حنجرة مُتبّغةٍ وشفتين مرتعشتين راح
يصرخ بهذه الكلمات مطيلاً حرف الواو في (
خذووووه ، غلّووووه ، صلّووووه ) ومفخّماً
اللام ماسكاً بيديه السلسلة الحديدية
وبتمثيل أرعن كان يجسد أمامنا طريقة سَوق
المذنب وجلدهِ . كان يعتقد بهذه الطريقة
يستطيع أن يُهدينا إلى الصراط المستقيم
وإلى الإيمان بالله واليوم الآخر ويُرشدنا
إلى جادة الصواب ، غير أن الحقيقة لم تكن
كذلك فنفسه المريضة كان توهمه بأن يتقمص
جبروت الله ليُرعب به بتلذذٍ سادي صغاراً (
زُغبَ المشاعر ) .
وعودة إلى موضوع الصفعة والتي يطلق
عليها في الدارجة العراقية اسم ( الراشدي )
وأغلب ظني أن هذهِ الكلمة أُشتقت من كلمة (
الرَشاد ) ولأن لا شيء أكثر من اللغة فاضحاً
للاوعي الجمعي للأمم فليس من الغرابة أن
تكون هذهِ الأمة أمّاً خصبةً تنجب آلافَ
الحجاجين والصدامين ، طالما أنها تُرشد
أبناءها بالصفعات .
من هنا أدعو إلى تأليف قاموس يحصر
العبارات المستهجنة الدالة على الأمراض
الاجتماعية التي أبتلي بها المجتمع العراقي
والتي رسختها أنظمة الإرهاب والدكتاتوريات
المتعاقبة في التاريخ العراقي ، العبارات
الدالة على العنف واليقينية والغرور (
العراقي أكثر شخص ترديداً في حديثهِ اليومي
لكلمة طبعاً وكأن كل فكرة عنده بديهية )
وكذلك عبارات الإذلال والعبودية ( في
الأسماء والأغنيات مثلاً ) .
قاموس العبارات المستهجنة هذا يجب أن
يدرّس في المدارس والجامعات ويعمم على
الصحافة والمؤسسات الثقافية ، بل ليكنْ
قاموسَ جيب يحمله العراقي أينما يحلّ ويرحل
.
حميد العقابي
( عودة للبداية ) – ( عودة للفهرس )
|