العدد الأول ........... تشرين الأول 2003  

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

                الحصان

                            نعيم شريف

 

عن جندي كان يريد العبور إلى الضفةِ الأخرى ، عن امرأةٍ تحملُ فوقَ رأسها صرة ، عن عمّال المسطر الذين لم يجدوا عملاً ، عن صبيةٍ كانوا يبيعون العلك وسجائر الغازي ، عن بائع ( دوندرمه ) لأن الوقت كان في عزّ الصيف ، عن طلاب فقراء ، عن رواد المقهى قالوا :

كان الوقتُ بين الضحى والظهيرة والشمس تسلقُ كل شيء تحتها سلقاً .. والهواء كان ( بوخة ) محملة برائحة ( زفرة ) وبينما نحن نعبر الجسر تلكأت بالقرب منا عربة من عربات بيع النفط استدللنا على ذلك من الرائحة المنبعثة منها ، يجرها حصان أدهم وكان كبير الحجم ، توقفت العربة في منتصف الجسر ، كان الحصان يلهثُ بقوة ، وقد أوشك شدقاه على أن يُشقّا لأن الحوذي وكان رجلاً جسيماً ظل يطوي عنانه بعنف ذات اليمين وذات الشمال وهو يضربه بسوط طويل ضربات متتالية ، استمر الرجل بضرب الحصان لاعناً إياه ، بينما حرن الحصان الذي غطت عينه سيور جلدية تشبه الأكف المتلاصقة الأصابع لا تجعله يرى إلا اتجاه سيره فقط . ترجلَ الحوذي ممسكاً بسوطهِ وجعل يضرب رأسَ الحصان بقوة بينما ظلّ الحصان يلوذ برأسه تفادياً للضرب .

تفاقم شعور الحوذي بالحنق والتعب ، أفلتَ العارضتين الخشبيتين اللتين كانتا بمثابة الذراعين اللذين يمسكان بجسد الحصان ويحددان سيره .. بعدها نزع السيور الجلدية عن عيني الحصان ثم أفلت العنان الذي كان سلسلة حديدية حين سقطت على بلاط الجسر أحدثت صليلاً حاداً .. ابتعد الرجل واستأنف الضرب .

ارتفع رأس الحصان كان خطمهُ يشير إلى السماء جحظتْ عيناه السوداوان وقد احمرتا كجمرتين متقدتين ظل يضرب بقائمتيه الأماميتين الأرض ، كنا قد سمعنا صهيلاً حاداً يملأ الفضاء قبل أن نرى الحصان وقد ارتفعت قائمتاه الخلفيتان عن الأرض واستدارتا لترفسا الحوذي بقوةٍ في صدره ليسقط مجندلاً على الأرض وسط ذهولنا وارتباكنا بينما ظلّ الحصان يصهلُ ويدور ثم يرفع قائمتيه الأماميتين وقد أثناهما لينزلهما مستقيمتين في صدر الحوذي ، وكنا نصيح دخيل الله ( خلصوا ) الرجل ، وأخذنا نهوش بأيدينا لننقذ الرجل ونبعد الحصان عنه ، لكننا لم نجرؤ على الدخول في الدائرة التي اختطها الحصان ( لتصفية حسابه ) ، وظلّ يدور حوله وكانت تستعرضنا عيناه وقد امتلأت نفوسنا رعباً ، بينما استمر الحصان برفع قائمتيه لينزلهما على وجه وصدر الحوذي ، وكنا نسمع قرقعة تكسّر عظام صدره ، بينما كان وجهه كتلةً متداخلة الملامح تنبثق منها دماء غزيرة . كفَّ الحصان عن الرفس فتأكد لنا عندها أن الحوذي قد صار جثة هامدة ، استدار الحصان انفتحت دائرة الخلق الذين أوشك أن يتهدم بهم الجسر لكثرتهم بينما سار الحصان ببطء ، وكان باستطاعتنا أن نسمع وقع حوافره وصوت الصهيل رغم ابتعاده عنا ميمماً شطر الجانب الآخر في المدينة .

رواها الناسُ همساً وجهراً ـ صدقَ الناس .

                                       ك1 / 1993

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                  آية الكرسي

                      حميد العقابي

 

قبل أن أدخلَ المقهى اصطدمتُ بصبيّةٍ صغيرة هي أقرب إلى كتلةِ أوساخ منها إلى كائنٍ ملائكي ، تمسكتْ بساقيَّ وراحتْ تقبلُ ركبتيّ بتملقِ مَنْ تمرسَ مهنةَ التسول ، دستْ في كفي ورقةً صغيرةً فأعطيتها ورقةً نقدية ودخلتُ المقهى . جلستُ متطلعاً إلى الشارعِ الضاج بزعيقِ السيارات ولغطِ المارة ، أخرجتُ الورقةَ الصغيرةَ ورحتُ أقرأ " اللهُ لا إله إلا هو الحيّ القيوم لا تأخذهُ سِنةٌ ولا نوم ....... " ، إنه ابتكارٌ جديدٌ للتسول ، ربما ليس جديداً وإنما عزلتي الطويلة في العالم الأول جعلتني جاهلاً بما يدور في عالمنا الثالث . ولأن الانتظارَ صعبٌ خاصةً على من ينتظرُ فتاةً لم يضمن مجيئها ، فتاة تعرفتُ إليها أمس في الطائرة ، ولأني لستُ مغرماً بها أو كصيادٍ هاوٍ فلم يكنْ مجيئها ذا شأن ولكن لابد من فكرةٍ يدوزنُ الإنسانُ بها قلقَ الانتظار . قلبتُ الورقة وكتبتُ عبارة ( العالم الثالث ) ووضعتُ خطاً تحتها .

 

1 ـ الفقر

 

ورحتُ أحلمُ بثورةٍ جديدةٍ بلا ماضٍ ولا ذاكرة ، وتخيلتها كنبتةٍ تمدّ جذورَها في الفضاء لا يدركُ ثمارَها إلا الضالعون في الحلم فالأرضُ مدنسةٌ بالدماء والحشرات ، والتأريخُ كما يقول فولتير ( سجلٌ من الجرائمِ وسوءِ الحظ ) ، فلتكن ثورةً خارجَ سياقِ التأريخ ، ثورةَ عشاقٍ ، ثورةَ شعراء ، ثورةَ حمقى ....

 

2 ـ الحرية

 

قطعَ النادلُ لحظاتِ شرودي حينما سألني عن طلباتي فقلتُ دونما وعيّ :

" دم ، أعني كأس حرية "

فارتدّ النادلُ متطلعاً إلي بذهولٍ فتداركتُ الأمرَ بضحكةٍ بلهاء ففهمَ الأمر مزحةً من رجلٍ طريف ولكنّ الرجل الجالسَ قربي ظلّ يحدقُ إلي بفضولٍ محاولاً التهامَ الورقة بعينيهَ ، ابتسمتُ لهُ بتملقٍ فازدادَ فضولهُ . شطبتُ الكلمةَ مردداً مع نفسي :

 

" بلا أكل هوا ، بلا دوخة راس "

كانتِ الصبيّةُ لاتزال تقف في بابِ المقهى تصطدمُ بالكتل البشرية التي لم تأبه بتوسلاتها ، وكان الشارعُ لايزال ضاجاً بزعيقِ السيارات وقد مضتْ عشرُ دقائق على الموعد ولم تأتِ فتاتي . أشحتُ بوجهي عن الرجل المتلصصُ إلى الجهةِ الثانية فرأيتُ فتاةً تجلسُ وحيدةً في ركنِ المقهى ، تُدخِلُ طرفَ خرطوم النارجيلة في فمها وتسحبهُ ببطء نافثةً الدخانَ دوائرَ في سماء المقهى بغيبوبةِ منْ شارفت على الذروة .

 

3 ـ الشبق

 

لابدّ من ثورةٍ جنسيةٍ تقوّضُ كلّ المفاهيم القديمة ، تخرجُ فيها العفّةُ إلى الشارع عاريةً لتعلنَ على الملأ كذبَ عذريتها ، وهنا تذكرتُ الموعد وقد قررتُ البدء بالتحضير لهذه الثورة مع فتاتي المنتظرة ، فسأحاولُ إقناعها بالذهاب معي إلى الفندق لنحتفل معاً بساعةِ الصفر ، ولكن فتاتي لم تأتِ وقد مرّت ساعةٌ على الموعد المقرر ، لم أبهْ بذلك فأنا مشغولٌ الآن بكتابةِ البيانِ الأول للثورة التي ستعلنُ نفسها خارجَ سياق التأريخ .

مرّ جنديان كَنَديان من جنود الهيئةِ الدولية التي تشرف على خطّة تطبيقِ قرارِ وقفِ النار فتذكرتُ بنداً جديداً من بنودِ الثورة :

 

4 ـ السلام

 

تشبثتِ الصبيّةُ بهما مُقبّلةً ساقيهما ، ركلَها أحدُهما بامتعاضٍ فسقطتْ على كتفِ الرصيف ، توقفَ بعضُ المارةِ وخرجَ آخرون من المحلات وعلى وجوههم نظراتُ الاستهجان والاستفزاز فتوقفَ الجنديان بارتباكٍ ، حملَ أحدهما الصبيّة بحنوّ مفتعل ولكي يمحوَ آثارَ فعلتهِ اشترى منها ورقةً دافعاً لها ورقةً نقديةً من فئةِ الخمسين ، تـلـقـفـتـهـا الصبيّة بفرح ٍفارتسمتْ ابتساماتُ الرضا والامتنان ( وربما الحسد ) على وجوهِ المتجمهرين . سارَ الجنديان وسط الزحام بكبرياء كزرقةِ بيريتيهما ، وبعد بضعِ خطواتٍ رمى أحدهما شيئاً في برميلِ القمامة .

وضعتُ برنامجَ ثورتي في جيب بنطالي الجينز ونهضتُ خائباً من تحقيق ثوراتي ، ففتاتي لن تأتي وفات الأوان . أخرجتُ الورقةَ من برميل القمامة ودسستُها في شقّ في الجدارِ كما كان يفعلُ أبي حينما يجدُ قطعةَ خبزٍ في الطريق .

 

                                                      15/4/1997 فايله

 ( عودة للبداية ) ( عودة للفهرس )

Hit Counter