|
خمس قصص قصيرة جداً
حميد العقابي 1
ـ اللعبة
في
ظهيرةِ خريفٍ دمشقي وفي الطابق الثامن من
بنايةٍ قرب قاسيون كنتُ راقداً على
الصوفةِ وعيناي تحدقان في السقفِ تعدّان
النجومَ التي تتلمظُ بضيائها الأحمر .
كان قاسيون يهددني بالردم وكنتُ أرددُ
بيتَ شعرٍ حفظتهُ في طفولتي عن جبلٍ (
أرعنَ طمّاح الذؤابةِ باذخٍ يسدُّ مهبَّ
الريحِ من كلّ جانبِ ) فجأةً سمعتُ وقعَ
أقدامهِ على السلّم . "
أخيراً جاء ... " قلتُ
لنفسي واصطنعتُ تجاهلاً وحزناً يليقان
بكبريائي ... الأقدامُ تقترب ... أسمع
لهاثَهُ والشتائمَ التي كان يكيلها لي ...
ضحكتُ شامتاً بهِ . "
أخيراً جاء ... " وأضفتُ
" العرص " وهي كلمة بذيئةٌ سمعتها
أمسِ في الشارع السوري . إنه
يقتربُ من الباب ... لحظاتٍ ويرنُّ الجرسُ
... دقائق ويرنُّ الجرسُ ... ساعاتٍ ...
أياماً ................. ماذا
جرى ؟ هل
عاد أدراجهُ ؟ هل
ندمَ على المجيء ؟ يا
إلهي ماذا
جرى ؟
13/10/1995 دمشق 2
ـ مشهد
يجلسُ
على كرسيّهِ متوجاً بالصمتِ وحاشيتهُ
الفراشات، ملكٌ تنازلَ ـ عن طيبِ خاطر ـ
ووزعَ سطوتهُ وجواريهِ على الرعيّة
الطامعة بكلّ شيء واكتفى بالوهم ، كنتُ
أراهُ كلّ يومٍ جالساً عند نافذةِ شقّتهِ
كأنهُ ينتظر غائباً لن يعود ، وحينما
يعود الليلُ وحدهُ ينهضُ الشيخُ ببطءٍ
نحو النافذة ، وقبل أن يُسدلها يرفعُ
عينيه نحوي فألمحُ فيهما ظلال ابتسامةٍ
حانية . منذ
أربعةِ أيام وهو لم يتزحزحْ عن كرسيهِ
كأنهُ في تحدٍ مع الانتظار ، يتابعُ خطوَ
الفكرةِ في مدارها منذ ولادتها حتى تشيخَ
، صامتاً يحدقُ في الفراغِ كمن يبحثُ عن
كوكبٍ منسيّ في حبّةِ رمّان . فجأةً
توقفتْ سيارةُ إسعاف عند باب المبنى
المقابلِ لشقتي ، خرج منها رجلان يحملان
نقالةٍ .. ثم
صمت وستارةٌ مسدلة .
27/ 8/1997 دمشق 3
ـ كالعادة
فكّرَ
أن يتواطأ مع أحد الفريقين ضد الآخر ،
ودونما ترددٍ اختارَ الجيشَ الأسود لكن
سرعان ما اكتشفَ حماقتهُ فأنقذَ الملكَ
الأبيض من المأزق الذي استدرجهُ إليهِ
لتنتهي اللعبةُ ـ كالعادة ـ إلى التعادل
، التعادلِ الذي يثيرُ في نفسهِ الحنقَ
والاشمئزاز .
8/4/1998 دمشق 4
ـ فضول رفعتْ
رأسها قليلاً عن الأرض فرأتني أقفُ
مذهولاً وأنا أطلّ على نهديها البارعين
المندلقين أمامها مثل إجّاصتين
تدلتا من غصنهما ناضجتين ، تلمستُ
طعمهما بلساني فأسكرني سكّر الحلمتين
وحَبابُ البنفسج ، أغمضتُ عينيَّ
بانتشاء ، لا .. لم أشعرْ بانتشاء بل لم
يتركْ لي الذهولُ فرصةً للتفكير وهذا ما
جعلني أغمضُ عينيَّ في لحظةٍ أحوجُ ما
تكونا إلى الاتساع ، فشعرتُ بأن أرنبةَ
أنفي قد تحولتْ إلى نسرٍ جائع .... وحينما
فتحتُ عينيَّ تلعثمتْ نظراتي وزاغ بصري
فرأيتها تحدقُ إلي بدهاءِ أنثى تعرف
قدْرَ جسمها ، وبصرامةٍ وغنجٍ قالتْ : "
لماذا تدسُّ أنفكَ في ما لا يعنيك ؟ " تلك
الليلةَ حلمتُ أني قد متُّ مختنقاً بين
نهدين .
ذات صيف /
الدنمارك 5
ـ نطفةُ الله بعد
خيبتهِ الأخيرةِ ، قالَ صاحبي المتفائلُ
جداً : ـ
ليس هذا زمانَ انتصارِ الحقيقةِ . ثم
أردفَ كأنهُ يتوعدُ الأرضَ بعذابٍ عظيم : ـ
الله كريم . قلت
: ـ
انتظرْ نطفةَ الله ! فاستعادَ
صاحبي تفاؤلَهُ ، وراح يحلمُ ـ مبتهجاً ـ
بزمانِ انتصارِ الحقيقةِ وصاحبِ الزمانِ
الذي سيملأ الأرضَ قسطاً وعدلاً ويورثها
للذين ستنجبهم أمُّنا البِكرُ من نطفةِ
الله بينما كنتُ أرى الأرضَ غـارقـةً لا
محالة .
26/5/2003 فايله |